لا يدّعي هذا التحقيق قدرته على الإحاطة بموضوع المشاريع السينمائية اللبنانية المختلفة، التي يحاول مخرجون سينمائيون شباب تحقيقها. ففي ظلّ <<تكاثر>> الأعمال السينمائية المتنوّعة، التي تمّ تصويرها في لبنان، في العام الجاري، والتي يستعدّ بعض المخرجين المخضرمين والشباب أيضا للبدء بتنفيذها قريبا، كان لا بدّ من التوقّف عند بعض الأسماء الشبابية، التي ساهمت، ولا تزال تساهم في بلورة سينما لبنانية جديدة.
إنها محاولة لفهم بعض عناوين الأزمة الإنتاجية في لبنان، كما يراها مخرجون شباب، بعضهم يسعى جاهدا للحصول على إنتاج سوي، ولمواجهة التحدّيات المختلفة
على الرغم من المشاكل المختلفة التي لا تزال تواجه عملية إنجاز أفلام سينمائية في لبنان، فإن ثمة مخرجين شبابا يسعون جاهدين إلى الحصول على ميزانيات، ولو متواضعة، تسمح لهم بالبحث عن مصادر إنتاج حقيقية لتنفيذ مشاريع وضعوها منذ سنوات، ولم يتوصّلوا بعد إلى تحقيقها. لا شكّ في أن غالبيتهم تعمل في مجالات سينمائية أخرى، رغبة في اكتساب مزيد من الخبرات الميدانية، أو لتحصيل لقمة العيش. ومع هذا، فإن أحدا منهم لم يتخلّ عن <<حلمه>> بالاستمرار في <<صناعة>> أفلام لبنانية، تُصوّر في لبنان، وتعالج مواضيع لبنانية لا ترتبط، فقط، بالحرب أو بنتائجها وسلامها المنقوص والهشّ. وإذا حمل بعض هذه المشاريع الجديدة صُوَرا متنوّعة من واقع الحياة اللبنانية، فإن بعضا آخر تناول مواضيع عربية مختلفة.
مواضيع عربية
من بين هؤلاء، اختارت اليان الراهب التعامل مع الأولاد العرب، في لبنان ومصر والأردن (وفرنسا)، الذين تفاعلوا مع انتفاضة الأقصى، وحاولوا التعبير عن مشاعرهم الصادقة إزاء ما يحصل في فلسطين المحتلة، بأشكال عفوية وجميلة، في شريط وثائقي بعنوان <<قريب بعيد>>: <<عبّر هؤلاء الأولاد عن تضامنهم مع أحداث فلسطين بطريقة غير مألوفة>>، كما قالت الراهب، مضيفة أن <<بعضهم ترك المنزل وذهب إلى الحدود للالتحاق بأطفال الحجارة، وبعضهم الآخر شارك في التظاهرات الشعبية. في الجنوب اللبناني، مثلا، قام بعض الأولاد ب<<خطف>> بقرة إسرائيلية. هناك أيضا من عاش هذه الحالة عاجزا عن فعل شيء ميداني ما، فإذا به يلجأ إلى الرسم والكتابة>>. في المقابل، يستعدّ ديمتري خضر للبدء بتصوير شريط وثائقي أيضا، بعنوان <<ترحال>>، عن أغاني البادية في العراق: <<ثمة نوع غنائي اسمه <<الكصيد>>، فيه أغنية مشهورة لدى البدو العرب، تروي حكاية فتاة أحبّت شابا، فارسا وشاعرا، بادلها الحب بدوره، لكن أهلها طالبوه بمهر كبير لم يستطع دفعه، فيقرّر السفر بحثا عن عمل يؤمّن له قيمة المهر المطلوب. أثناء تجواله وعمله، التقى فتاة ثانية من قبيلة أخرى، أحبّها وأحبّته. فإذا به يعيش قصّتي حب في وقت واحد. <<الكصيد>> يروي هذه الواقعة، واصفا الحالة النفسية والانفعالية التي عرفها الشاعر والفارس العاشق، الواقف على تلّة عالية يناجي حبيبته الثانية، ومتذكّرا حبيبته الأولى>>. يرتكز الفيلم على شخصية مغنّ يبحث عن هذه الأغنية وفيها، رغبة منه في معرفة ما إذا استطاع الشاعر الفارس أن يحصل على قيمة المهر أم لا، وعما حدث معه في علاقته العاطفية بهاتين الفتاتين. لذا، فهو يذهب في رحلة داخل العراق، يتعرّف على التفصيلات الخاصة بعالم الأغنية وناسها، ويعرّف المُشاهدين على أغاني البادية وألوان أخرى من الغناء المحلي، ويعيد اكتشاف نفسه، وكيفية تحوّله إلى مغنّ بدوي: <<لكن القصة تنتهي عند مفارقة لافتة للنظر، وهي أن سرّ الحكاية كلّها هو ألاّ تعرف النهاية، وهذا ما يجعلها تعيش>>.
بالنسبة إلى اليان الراهب، فإن ثمة جانبا شخصيا في الفيلم: <<كل ولد حالة خاصة، في حين أن القصص كلّها ترتبط فيما بينها بفضل الجانب الشخصي. فمن خلال الرحلة التي قمتُ بها، استعدتُ طفولتي، واكتشفتُ كم كنتُ بعيدة عن مثل هذه الأجواء، لأني كنتُ محميّة للغاية، ومعزولة عن الحرب اللبنانية، التي كانت بالنسبة إليّ مشهدا أراه من بعيد. أما هؤلاء الأولاد، فالحرب أثّرت بهم، وها هم يذهبون إليها>>. أضافت الراهب أن الجانب الشخصي مرتبط أيضا <<بعلاقتي بفلسطين. أذكر أن جارتنا كانت تخاف من الاعتراف بأنها فلسطينية، لأنها كانت تعيش في منطقة معادية للفلسطينيين. اليوم، رحتُ أبحث عن فلسطين من خلال هؤلاء الأولاد>>.
بات فيلم الراهب في مرحلة التوليف، التي يُفترض بها أن تنتهي في أواخر أيلول الجاري. في حين أن ديمتري خضر رغب في البدء بتصوير <<ترحال>> في أيلول الجاري، <<لكن ثمة مشاكل صغيرة حصلت معي مؤخّرا، أسعى إلى حلّها قريبا>>. نال المشروع منحة من <<قسم الدراسات الشرقية>> في جامعة <<هارفرد>> الأميركية، ضمن برنامج <<قلب الأمور>>: <<يشتغل معي في هذا البحث الصحافي علي نصّار، والقصة مأخوذة عن سعدي الحديثي، وهو مطرب عراقي مشهور، وأستاذ محاضر في جامعة لندن، ويعمل حاليا في جامعة الإمارات. ربما سيكون هو بطل الفيلم، لكن المسألة مرتبطة بظروف الإنتاج>>.
اكتساب مزيد من الخبرات
في العام 9991، حقّق وائل ديب فيلمه الروائي القصير الثاني، <<قبل المطر>>، بعد سنة واحدة فقط على إنجازه <<جسر القمر>>. غير أنه لم يقدّم شيئا جديدا طوال هذه الفترة، علما أنه عمل <<مساعد مخرج ثان>> في فيلم <<الأرض المجهولة>> لغسان سلهب، ويستعدّ حاليا للعمل في المنصب نفسه في المشروع الجديد لرندة الشهّال صبّاغ: <<لا أريد تحميل المناخ السائد في البلد مسؤولية توقّفي عن تحقيق أفلامي الخاصة. أعتقد أن ثمة حالة معينة يمرّ بها كثيرون، تجعلهم يشعرون بأهمية تحقيق فيلم ما. أسأل نفسي، إزاء ما يحصل في فلسطين ولبنان اليوم، لماذا أصنع فيلما؟ ما هو الهدف منه؟ لذا، أشعر بالحماس الكبير لتحقيق شريط وثائقي، لأني أرى هذا النوع السينمائي أكثر واقعية. ثمة جانب جميل للغاية في الفيلم الروائي المتخيّل، كنت أشعر به أثناء عملي على تحقيق فيلميّ السابقين، وهو أن ثمة حلما ما، شيئا ما ليس حقيقيا. لهذا السبب، كنت أحبّ النوع الدراماتيكي. اليوم، ربما في ظلّ هذه المشاكل المتراكمة، بدأت أشعر بإلحاح الوثائقي. شخصيا، أشعر أني قريب جدا من كتابة المتخيّل، منذ أن كنت في المدرسة. لا أعرف لماذا أشعر، في هذه الفترة، بلا جدوى أعمال كهذه>>.
مع هذا، يعترف ديب أن لا مشاريع خاصة حاليا، إذ إنه لا يزال في بداية أبحاثه الخاصة بفكرة أولى لشريط وثائقي، يتناول فيه موضوع المخطوفين اللبنانيين: <<سيكون الفيلم، كما أتخيّله الآن، عن ثقل الصمت في حياة أهالي المخطوفين المفقودين. أبحث عن امرأة تعيش وحيدة، أفضّل أن يكون لديها ابن مخطوف، وليس ابنة مخطوفة>>. لكن ديب يرى أن سبب انقطاعه عن الأعمال الخاصة، <<انهماكي في العمل في أفلام أخرى، لاكتساب مزيد من الخبرة>>.
هذه الرغبة في <<اكتساب مزيد من الخبرة>>، تلحّ بدورها على رنا عيد، التي قدّمت شريط تخرّجها من <<معهد الدراسات المسرحية والسمعية البصرية>> في <<جامعة القديس يوسف>>، منذ نحو ثلاثة أعوام، بعنوان <<رسالة إلى صديق فلسطيني>>، حاولت فيه كشف المعنى الأسمى للمصالحة مع الذات اللبنانية في مسألة التعاطي مع الموضوع الفلسطيني. في الفترة الأخيرة، اشتغلت رنا عيد في أكثر من فيلم سينمائي: <<في كل مرة، أعمل في مجال مختلف. غير أن ثمة منصبين أحب العمل فيهما أكثر من أي شيء آخر: مساعدة مخرج وهندسة الصوت>>. هي أيضا عملت في الفيلم الأخير لسلهب، وتستعدّ حاليا للعمل مع الشهّال صبّاغ. لكنها ترى أن مشكلتها الخاصة بمشاريعها تكمن في أنها لم تستطع استكمال السيناريوهات التي تكتبها <<لأن الحالة العامة تفرض عليّ العمل وتوفير بعض المال اللازم لضرورات الحياة اليومية. لذا، أفكّر دائما بأن الوقت متاح لي، فيما بعد، لكتابة أعمالي الخاصة، ولتنفيذها أيضا. حاليا، أشعر بحاجة إلى اكتساب مزيد من الخبرة، لأني أرغب في تحسين عملي السينمائي وتطويره ، عما سبق وقدّمته في فيلم التخرّج>>.
مع هذا، ثمة أسباب أخرى بالنسبة إلى رنا عيد، تدفعها إلى تأجيل خوضها تجربة الإخراج: <<حين أتطلّع من حولي، وأجد مخرجين أفضل مني يعجزون عن الحصول على إنتاج سوي لتحقيق مشاريعهم، أسأل نفسي عمن سيمنحني، أنا المبتدئة، فرصة إنجاز فيلم. هل أجرؤ على ذلك؟ هل أجمع أصحابي لإنجاز فيلم متواضع؟ من سيعمل معي مجانا؟ أنا لم أعد أستطيع العمل مجانا في أفلام أصحابي، فكيف أجرؤ على أن أطلب منهم ذلك؟>>.
تشاؤم وحماس
يبقى فؤاد عليوان أكثر المخرجين السينمائيين الشباب <<تشاؤما>>، بخصوص واقع <<الصناعة>> السينمائية المتكاملة في لبنان، ومستقبلها، مع أنه لا يتوقّف لحظة عن الحديث عن السينما بحماس لا مثيل له. يجهد لتحقيق مشاريع صغيرة، تلفت النظر أحيانا بجرأتها وجماليتها الفنية ولغتها الدرامية. لا يتردّد في مناقشة أحوال السينما اللبنانية، بأسلوب العاشق المتيّم بها، على الرغم من معاناتها الفظيعة. ينتقد بحدّة أسلوب التعاطي الرسمي مع المخرجين الشباب، تحديدا، ولا يرغب أبدا في اختيار الهجرة طريقا إلى العمل السينمائي.
في لقائه <<السفير>>، قال عليوان أن مشروعه الجديد بعنوان "EXIT" ، عن عودة مغترب إلى بيروت، وعلاقته بها: <<أحاول تحقيق فيلم واحد كل عام. في مطلع هذه السنة، أنجزت شريطا قصيرا بعنوان <<يا سلام>>، عن المفاوضات العربية الإسرائيلية، في حين أن مشروعي الروائي الطويل هذا لا يزال ينتظر إنتاجا سويا لتحقيقه. لم أقدّمه إلى وزارة الثقافة، لأني شعرت أن ثمة مشكلة مادية، وأني لن أحصل على مال. مع هذا، أبحث عن تمويل، فالسيناريو جاهز. أضف إلى ذلك، أن لديّ مشروعا آخر، وهو عبارة عن شريط وثائقي طويل، عن فتاة اسمها أمل، كانت في العاشرة من عمرها حين انتهت الحرب في لبنان، أي في العام 1991. ومن خلال أرشيف سينمائي صوّرته لها في العام 1991، أعيد البحث عنها في بيروت 2002. مبدئيا، سيكون من إنتاجي الخاص، لأنه لا يُمكن الحصول على إنتاج لمشروعين اثنين في وقت واحد. أنتج فيلما، وأبحث عن إنتاج، ولو في صيغة <<الإنتاج المشترك>>، لفيلمي الآخر>>.
تعود أسباب تشاؤم عليوان إلى واقع الحال اللبناني، <<إذ لا بنية تحتية سينمائية متكاملة، ولا أحد يريد صناعة سينمائية في هذا البلد، بل مجرّد مجتمع استهلاكي، أي مجتمع رافض للصناعة الوطنية. وفي الوقت نفسه، تُمنح إجازات لتأسيس معاهد سينمائية، تُخرّج في كل عام شبابا مرميين في الشارع>>. فالمشكلة، كما يراها عليوان، تكمن في هذه المفارقة الخطرة: <<تريد أن تحقّق فيلما، أن تحبّ هذا البلد، لكنك تجد كل شيء مغلقا أمامك. إنه قرار انتحاري أن تكون فنانا بالدرجة الأولى، وأن تكون سينمائيا، بالدرجة الأخيرة. كيف يُعقل ألاّ يكون ثمة إنتاج سينمائي في هذا البلد، في مقابل معاهد سينمائية تُخرّج عاطلين عن العمل؟ لا سينما، لا مختبر، لا منتج؛ وفي المقابل، لا تهتمّ وزارة الثقافة إلا بالفرنكوفونية. ربما الفرنكوفونية جيدة، لكن ما الذي أستفيده منها إذا لم يستطع هذا البلد تحقيق ثلاثة أفلام روائية طويلة، على الأقل، في السنة الواحدة؟ ما الذي أستفيده من الفرنكوفونية، سوى <<تزفيت>> الطرقات لاستقبال الوفود القادمة؟>>.
بالنسبة إلى ميشال كمّون، فإن مشروعه الأهم <<فيلمي الروائي الطويل الأول، الذي يحمل عنوانا مؤقتا، هو <<تو>>. حاولتُ أن أنجزه في العام الفائت، لكني لم أستطع. في فرنسا، ثمة منتجون مهتمون به، لذا، أبذل جهدا كبيرا للبدء بتصويره في خلال الأشهر القليلة المقبلة. يتناول الفيلم مغامرات مجموعة من المراهقين اللبنانيين في بيروت اليوم، وتدور أحداثه في ليلة واحدة، بحيث أن كل واحد منهم يمرّ في حالات مختلفة. شيء أقرب إلى تراكمات الحياة، كصُوَر أشعة ألتقطها لهذا الجيل في حياته اليومية، في أسلوب عيشه، في كيفية مواجهته المشاكل التي تعترضه، وفي تطلّعاته أيضا. فيلم كوميدي درامي، أو كوميديا مجنونة وعبثية للغاية، كمحاولة للكلام عن عبثية بيروت، وعبثية هذا البلد، وكيف أرى هذه العبثية>>.
بانتظار ذلك، يبدأ كمّون، قريبا، بتصوير فيلمين قصيرين في فرنسا لحساب سلسلة تلفزيونية من ست وعشرين حلقة، بعنوان <<أساطير مدينية>>، يتولّى إخراجها ثلاثة عشر مخرجا من فرنسا وأوروبا وأميركا اللاتينية: <<اختاروني من دون معرفة شخصية سابقة بيننا، إذ إنهم اكتفوا بمشاهدة أفلامي السابقة (كاتوديك، ظلال، الحمّام). مدة كل حلقة تتراوح بين ست دقائق وسبع، باللغة الإنكليزية، في حين أن السيناريوهات مكتوبة وجاهزة. ما يربط الحلقات بعضها بالبعض الآخر، سائق سيارة أجرة، في مدينة غربية غير معروفة، يتطرّق مع زبائنه إلى أحاديث مختلفة، وكل حكاية تذكّره بقصة ما يرويها لهم. أعتبر هذه التجربة خبرة إضافية لي. لم أستطع رفض المشروع لأنه مفيد، وفكرته جميلة>>.
نظرة فرنسية قديمة
بدوره، أنهى ايلي خليفة كتابة مشروعه الروائي الطويل الأول، أيضا، الذي وضع له عنوان <<أورينتال فيفر>> (ORIENTAL FEVER). كوميدي، عن مجموعة من الشخصيات المختلفة في حياتها اليومية في بيروت، <<لكن المعالجة ستكون طريفة>>: مثلا، مغامرة عاطفية يختبرها عامل في مطعم مهمته إيصال البيتزا إلى المنازل؛ ممثل لا يريد العمل إلا في السينما، مما يؤثّر في حياته الزوجية، إذ كلّما قرّر العمل في الإعلانات مثلا، تقع الكوارث. وهكذا: <<الفيلم قريب من <<تاكسي سرفيس>>، وتدور أحداثه في المدينة، ويتناول الحياة اليومية لهذه الشخصيات، والقصص التي تحدث مع كل واحدة منها. أما المواقف فطريفة، لكني لا أصُوّر الأشخاص كمهرّجين أو مُضحكين، إذ إننا نراهم كل يوم، بل المواقف التي يمرّون بها هي المُضحكة والطريفة>>.
غير أن مشكلة ايلي خليفة، كما رواها ل<<السفير>>، ترتبط بنظرة المنتج الفرنسي، تحديدا، للحالة اللبنانية: <<لديّ قسم صغير جدا من الإنتاج، حصلت عليه من التلفزيون الأوسترالي، كما من فرنسا وهولندا. لكن المشروع يحتاج إلى منتج حقيقي. منتجون فرنسيون قرأوا السيناريو، لكن لقائي بهم لم يكن إيجابيا، خصوصا بعد مشاهدتهم فيلميّ السابقين (<<تاكسي سرفيس>> و<<شكرا ناتكس>>). انتقدوني، لأني أنجزت عملين كوميديين، إذ إنهم يريدون منا تحقيق أفلام عن الحرب وآثارها على الناس، أي كما يروننا هم. الغريب أنهم أحبّوا السيناريو، فبالنسبة إليهم، يميل المشروع إلى المناخ الإيطالي أو المتوسطي. الفيلم يعطيهم نظرة مختلفة عما يعرفونه هم عن لبنان. لم أرغب في تغيير السيناريو، فهم يريدون إدخال الحرب عن طريق ال<<فلاش باك>>. هذا فيلم آخر، لا علاقة له بي. لا أريد أن أفعل ما يريده هؤلاء، كأن أصُوّر لبنان الحرب، واللبنانيين الذين يتقاتلون فيما بينهم، ويقتلون بعضهم البعض. هذه صورتنا عندهم، لا أريدها>>.
ليست المرة الأولى التي يواجه خليفة مثل هذه التحديات. إذ إنه عرف تعنّت <<المنتج الفرنسي>> حين سعى إلى الحصول على تمويل لفيلميه السابقين، اللذين أنتجا بفضل التمويل السويسري: <<لا يدخل الفرنسيون معي في مثل هذه المشاريع، لأن نظرتي إلى الأمور تختلف، بل ربما تتناقض، مع نظرتهم هم. رسموا تلك الصورة عنا، استنادا إلى ما شاهدوه ويشاهدونه في نشرات الأخبار، أي الصورة القديمة للبنان الحرب والميليشيات. من الأسهل لهم أن يقرأوا سيناريو عن الحرب، لكننا نحن أناس مختلفون أيضا، وثمة مرحلة أخرى هي مرحلة ما بعد الحرب>>. (السفير اللبنانية)
إنها محاولة لفهم بعض عناوين الأزمة الإنتاجية في لبنان، كما يراها مخرجون شباب، بعضهم يسعى جاهدا للحصول على إنتاج سوي، ولمواجهة التحدّيات المختلفة
على الرغم من المشاكل المختلفة التي لا تزال تواجه عملية إنجاز أفلام سينمائية في لبنان، فإن ثمة مخرجين شبابا يسعون جاهدين إلى الحصول على ميزانيات، ولو متواضعة، تسمح لهم بالبحث عن مصادر إنتاج حقيقية لتنفيذ مشاريع وضعوها منذ سنوات، ولم يتوصّلوا بعد إلى تحقيقها. لا شكّ في أن غالبيتهم تعمل في مجالات سينمائية أخرى، رغبة في اكتساب مزيد من الخبرات الميدانية، أو لتحصيل لقمة العيش. ومع هذا، فإن أحدا منهم لم يتخلّ عن <<حلمه>> بالاستمرار في <<صناعة>> أفلام لبنانية، تُصوّر في لبنان، وتعالج مواضيع لبنانية لا ترتبط، فقط، بالحرب أو بنتائجها وسلامها المنقوص والهشّ. وإذا حمل بعض هذه المشاريع الجديدة صُوَرا متنوّعة من واقع الحياة اللبنانية، فإن بعضا آخر تناول مواضيع عربية مختلفة.
مواضيع عربية
من بين هؤلاء، اختارت اليان الراهب التعامل مع الأولاد العرب، في لبنان ومصر والأردن (وفرنسا)، الذين تفاعلوا مع انتفاضة الأقصى، وحاولوا التعبير عن مشاعرهم الصادقة إزاء ما يحصل في فلسطين المحتلة، بأشكال عفوية وجميلة، في شريط وثائقي بعنوان <<قريب بعيد>>: <<عبّر هؤلاء الأولاد عن تضامنهم مع أحداث فلسطين بطريقة غير مألوفة>>، كما قالت الراهب، مضيفة أن <<بعضهم ترك المنزل وذهب إلى الحدود للالتحاق بأطفال الحجارة، وبعضهم الآخر شارك في التظاهرات الشعبية. في الجنوب اللبناني، مثلا، قام بعض الأولاد ب<<خطف>> بقرة إسرائيلية. هناك أيضا من عاش هذه الحالة عاجزا عن فعل شيء ميداني ما، فإذا به يلجأ إلى الرسم والكتابة>>. في المقابل، يستعدّ ديمتري خضر للبدء بتصوير شريط وثائقي أيضا، بعنوان <<ترحال>>، عن أغاني البادية في العراق: <<ثمة نوع غنائي اسمه <<الكصيد>>، فيه أغنية مشهورة لدى البدو العرب، تروي حكاية فتاة أحبّت شابا، فارسا وشاعرا، بادلها الحب بدوره، لكن أهلها طالبوه بمهر كبير لم يستطع دفعه، فيقرّر السفر بحثا عن عمل يؤمّن له قيمة المهر المطلوب. أثناء تجواله وعمله، التقى فتاة ثانية من قبيلة أخرى، أحبّها وأحبّته. فإذا به يعيش قصّتي حب في وقت واحد. <<الكصيد>> يروي هذه الواقعة، واصفا الحالة النفسية والانفعالية التي عرفها الشاعر والفارس العاشق، الواقف على تلّة عالية يناجي حبيبته الثانية، ومتذكّرا حبيبته الأولى>>. يرتكز الفيلم على شخصية مغنّ يبحث عن هذه الأغنية وفيها، رغبة منه في معرفة ما إذا استطاع الشاعر الفارس أن يحصل على قيمة المهر أم لا، وعما حدث معه في علاقته العاطفية بهاتين الفتاتين. لذا، فهو يذهب في رحلة داخل العراق، يتعرّف على التفصيلات الخاصة بعالم الأغنية وناسها، ويعرّف المُشاهدين على أغاني البادية وألوان أخرى من الغناء المحلي، ويعيد اكتشاف نفسه، وكيفية تحوّله إلى مغنّ بدوي: <<لكن القصة تنتهي عند مفارقة لافتة للنظر، وهي أن سرّ الحكاية كلّها هو ألاّ تعرف النهاية، وهذا ما يجعلها تعيش>>.
بالنسبة إلى اليان الراهب، فإن ثمة جانبا شخصيا في الفيلم: <<كل ولد حالة خاصة، في حين أن القصص كلّها ترتبط فيما بينها بفضل الجانب الشخصي. فمن خلال الرحلة التي قمتُ بها، استعدتُ طفولتي، واكتشفتُ كم كنتُ بعيدة عن مثل هذه الأجواء، لأني كنتُ محميّة للغاية، ومعزولة عن الحرب اللبنانية، التي كانت بالنسبة إليّ مشهدا أراه من بعيد. أما هؤلاء الأولاد، فالحرب أثّرت بهم، وها هم يذهبون إليها>>. أضافت الراهب أن الجانب الشخصي مرتبط أيضا <<بعلاقتي بفلسطين. أذكر أن جارتنا كانت تخاف من الاعتراف بأنها فلسطينية، لأنها كانت تعيش في منطقة معادية للفلسطينيين. اليوم، رحتُ أبحث عن فلسطين من خلال هؤلاء الأولاد>>.
بات فيلم الراهب في مرحلة التوليف، التي يُفترض بها أن تنتهي في أواخر أيلول الجاري. في حين أن ديمتري خضر رغب في البدء بتصوير <<ترحال>> في أيلول الجاري، <<لكن ثمة مشاكل صغيرة حصلت معي مؤخّرا، أسعى إلى حلّها قريبا>>. نال المشروع منحة من <<قسم الدراسات الشرقية>> في جامعة <<هارفرد>> الأميركية، ضمن برنامج <<قلب الأمور>>: <<يشتغل معي في هذا البحث الصحافي علي نصّار، والقصة مأخوذة عن سعدي الحديثي، وهو مطرب عراقي مشهور، وأستاذ محاضر في جامعة لندن، ويعمل حاليا في جامعة الإمارات. ربما سيكون هو بطل الفيلم، لكن المسألة مرتبطة بظروف الإنتاج>>.
اكتساب مزيد من الخبرات
في العام 9991، حقّق وائل ديب فيلمه الروائي القصير الثاني، <<قبل المطر>>، بعد سنة واحدة فقط على إنجازه <<جسر القمر>>. غير أنه لم يقدّم شيئا جديدا طوال هذه الفترة، علما أنه عمل <<مساعد مخرج ثان>> في فيلم <<الأرض المجهولة>> لغسان سلهب، ويستعدّ حاليا للعمل في المنصب نفسه في المشروع الجديد لرندة الشهّال صبّاغ: <<لا أريد تحميل المناخ السائد في البلد مسؤولية توقّفي عن تحقيق أفلامي الخاصة. أعتقد أن ثمة حالة معينة يمرّ بها كثيرون، تجعلهم يشعرون بأهمية تحقيق فيلم ما. أسأل نفسي، إزاء ما يحصل في فلسطين ولبنان اليوم، لماذا أصنع فيلما؟ ما هو الهدف منه؟ لذا، أشعر بالحماس الكبير لتحقيق شريط وثائقي، لأني أرى هذا النوع السينمائي أكثر واقعية. ثمة جانب جميل للغاية في الفيلم الروائي المتخيّل، كنت أشعر به أثناء عملي على تحقيق فيلميّ السابقين، وهو أن ثمة حلما ما، شيئا ما ليس حقيقيا. لهذا السبب، كنت أحبّ النوع الدراماتيكي. اليوم، ربما في ظلّ هذه المشاكل المتراكمة، بدأت أشعر بإلحاح الوثائقي. شخصيا، أشعر أني قريب جدا من كتابة المتخيّل، منذ أن كنت في المدرسة. لا أعرف لماذا أشعر، في هذه الفترة، بلا جدوى أعمال كهذه>>.
مع هذا، يعترف ديب أن لا مشاريع خاصة حاليا، إذ إنه لا يزال في بداية أبحاثه الخاصة بفكرة أولى لشريط وثائقي، يتناول فيه موضوع المخطوفين اللبنانيين: <<سيكون الفيلم، كما أتخيّله الآن، عن ثقل الصمت في حياة أهالي المخطوفين المفقودين. أبحث عن امرأة تعيش وحيدة، أفضّل أن يكون لديها ابن مخطوف، وليس ابنة مخطوفة>>. لكن ديب يرى أن سبب انقطاعه عن الأعمال الخاصة، <<انهماكي في العمل في أفلام أخرى، لاكتساب مزيد من الخبرة>>.
هذه الرغبة في <<اكتساب مزيد من الخبرة>>، تلحّ بدورها على رنا عيد، التي قدّمت شريط تخرّجها من <<معهد الدراسات المسرحية والسمعية البصرية>> في <<جامعة القديس يوسف>>، منذ نحو ثلاثة أعوام، بعنوان <<رسالة إلى صديق فلسطيني>>، حاولت فيه كشف المعنى الأسمى للمصالحة مع الذات اللبنانية في مسألة التعاطي مع الموضوع الفلسطيني. في الفترة الأخيرة، اشتغلت رنا عيد في أكثر من فيلم سينمائي: <<في كل مرة، أعمل في مجال مختلف. غير أن ثمة منصبين أحب العمل فيهما أكثر من أي شيء آخر: مساعدة مخرج وهندسة الصوت>>. هي أيضا عملت في الفيلم الأخير لسلهب، وتستعدّ حاليا للعمل مع الشهّال صبّاغ. لكنها ترى أن مشكلتها الخاصة بمشاريعها تكمن في أنها لم تستطع استكمال السيناريوهات التي تكتبها <<لأن الحالة العامة تفرض عليّ العمل وتوفير بعض المال اللازم لضرورات الحياة اليومية. لذا، أفكّر دائما بأن الوقت متاح لي، فيما بعد، لكتابة أعمالي الخاصة، ولتنفيذها أيضا. حاليا، أشعر بحاجة إلى اكتساب مزيد من الخبرة، لأني أرغب في تحسين عملي السينمائي وتطويره ، عما سبق وقدّمته في فيلم التخرّج>>.
مع هذا، ثمة أسباب أخرى بالنسبة إلى رنا عيد، تدفعها إلى تأجيل خوضها تجربة الإخراج: <<حين أتطلّع من حولي، وأجد مخرجين أفضل مني يعجزون عن الحصول على إنتاج سوي لتحقيق مشاريعهم، أسأل نفسي عمن سيمنحني، أنا المبتدئة، فرصة إنجاز فيلم. هل أجرؤ على ذلك؟ هل أجمع أصحابي لإنجاز فيلم متواضع؟ من سيعمل معي مجانا؟ أنا لم أعد أستطيع العمل مجانا في أفلام أصحابي، فكيف أجرؤ على أن أطلب منهم ذلك؟>>.
تشاؤم وحماس
يبقى فؤاد عليوان أكثر المخرجين السينمائيين الشباب <<تشاؤما>>، بخصوص واقع <<الصناعة>> السينمائية المتكاملة في لبنان، ومستقبلها، مع أنه لا يتوقّف لحظة عن الحديث عن السينما بحماس لا مثيل له. يجهد لتحقيق مشاريع صغيرة، تلفت النظر أحيانا بجرأتها وجماليتها الفنية ولغتها الدرامية. لا يتردّد في مناقشة أحوال السينما اللبنانية، بأسلوب العاشق المتيّم بها، على الرغم من معاناتها الفظيعة. ينتقد بحدّة أسلوب التعاطي الرسمي مع المخرجين الشباب، تحديدا، ولا يرغب أبدا في اختيار الهجرة طريقا إلى العمل السينمائي.
في لقائه <<السفير>>، قال عليوان أن مشروعه الجديد بعنوان "EXIT" ، عن عودة مغترب إلى بيروت، وعلاقته بها: <<أحاول تحقيق فيلم واحد كل عام. في مطلع هذه السنة، أنجزت شريطا قصيرا بعنوان <<يا سلام>>، عن المفاوضات العربية الإسرائيلية، في حين أن مشروعي الروائي الطويل هذا لا يزال ينتظر إنتاجا سويا لتحقيقه. لم أقدّمه إلى وزارة الثقافة، لأني شعرت أن ثمة مشكلة مادية، وأني لن أحصل على مال. مع هذا، أبحث عن تمويل، فالسيناريو جاهز. أضف إلى ذلك، أن لديّ مشروعا آخر، وهو عبارة عن شريط وثائقي طويل، عن فتاة اسمها أمل، كانت في العاشرة من عمرها حين انتهت الحرب في لبنان، أي في العام 1991. ومن خلال أرشيف سينمائي صوّرته لها في العام 1991، أعيد البحث عنها في بيروت 2002. مبدئيا، سيكون من إنتاجي الخاص، لأنه لا يُمكن الحصول على إنتاج لمشروعين اثنين في وقت واحد. أنتج فيلما، وأبحث عن إنتاج، ولو في صيغة <<الإنتاج المشترك>>، لفيلمي الآخر>>.
تعود أسباب تشاؤم عليوان إلى واقع الحال اللبناني، <<إذ لا بنية تحتية سينمائية متكاملة، ولا أحد يريد صناعة سينمائية في هذا البلد، بل مجرّد مجتمع استهلاكي، أي مجتمع رافض للصناعة الوطنية. وفي الوقت نفسه، تُمنح إجازات لتأسيس معاهد سينمائية، تُخرّج في كل عام شبابا مرميين في الشارع>>. فالمشكلة، كما يراها عليوان، تكمن في هذه المفارقة الخطرة: <<تريد أن تحقّق فيلما، أن تحبّ هذا البلد، لكنك تجد كل شيء مغلقا أمامك. إنه قرار انتحاري أن تكون فنانا بالدرجة الأولى، وأن تكون سينمائيا، بالدرجة الأخيرة. كيف يُعقل ألاّ يكون ثمة إنتاج سينمائي في هذا البلد، في مقابل معاهد سينمائية تُخرّج عاطلين عن العمل؟ لا سينما، لا مختبر، لا منتج؛ وفي المقابل، لا تهتمّ وزارة الثقافة إلا بالفرنكوفونية. ربما الفرنكوفونية جيدة، لكن ما الذي أستفيده منها إذا لم يستطع هذا البلد تحقيق ثلاثة أفلام روائية طويلة، على الأقل، في السنة الواحدة؟ ما الذي أستفيده من الفرنكوفونية، سوى <<تزفيت>> الطرقات لاستقبال الوفود القادمة؟>>.
بالنسبة إلى ميشال كمّون، فإن مشروعه الأهم <<فيلمي الروائي الطويل الأول، الذي يحمل عنوانا مؤقتا، هو <<تو>>. حاولتُ أن أنجزه في العام الفائت، لكني لم أستطع. في فرنسا، ثمة منتجون مهتمون به، لذا، أبذل جهدا كبيرا للبدء بتصويره في خلال الأشهر القليلة المقبلة. يتناول الفيلم مغامرات مجموعة من المراهقين اللبنانيين في بيروت اليوم، وتدور أحداثه في ليلة واحدة، بحيث أن كل واحد منهم يمرّ في حالات مختلفة. شيء أقرب إلى تراكمات الحياة، كصُوَر أشعة ألتقطها لهذا الجيل في حياته اليومية، في أسلوب عيشه، في كيفية مواجهته المشاكل التي تعترضه، وفي تطلّعاته أيضا. فيلم كوميدي درامي، أو كوميديا مجنونة وعبثية للغاية، كمحاولة للكلام عن عبثية بيروت، وعبثية هذا البلد، وكيف أرى هذه العبثية>>.
بانتظار ذلك، يبدأ كمّون، قريبا، بتصوير فيلمين قصيرين في فرنسا لحساب سلسلة تلفزيونية من ست وعشرين حلقة، بعنوان <<أساطير مدينية>>، يتولّى إخراجها ثلاثة عشر مخرجا من فرنسا وأوروبا وأميركا اللاتينية: <<اختاروني من دون معرفة شخصية سابقة بيننا، إذ إنهم اكتفوا بمشاهدة أفلامي السابقة (كاتوديك، ظلال، الحمّام). مدة كل حلقة تتراوح بين ست دقائق وسبع، باللغة الإنكليزية، في حين أن السيناريوهات مكتوبة وجاهزة. ما يربط الحلقات بعضها بالبعض الآخر، سائق سيارة أجرة، في مدينة غربية غير معروفة، يتطرّق مع زبائنه إلى أحاديث مختلفة، وكل حكاية تذكّره بقصة ما يرويها لهم. أعتبر هذه التجربة خبرة إضافية لي. لم أستطع رفض المشروع لأنه مفيد، وفكرته جميلة>>.
نظرة فرنسية قديمة
بدوره، أنهى ايلي خليفة كتابة مشروعه الروائي الطويل الأول، أيضا، الذي وضع له عنوان <<أورينتال فيفر>> (ORIENTAL FEVER). كوميدي، عن مجموعة من الشخصيات المختلفة في حياتها اليومية في بيروت، <<لكن المعالجة ستكون طريفة>>: مثلا، مغامرة عاطفية يختبرها عامل في مطعم مهمته إيصال البيتزا إلى المنازل؛ ممثل لا يريد العمل إلا في السينما، مما يؤثّر في حياته الزوجية، إذ كلّما قرّر العمل في الإعلانات مثلا، تقع الكوارث. وهكذا: <<الفيلم قريب من <<تاكسي سرفيس>>، وتدور أحداثه في المدينة، ويتناول الحياة اليومية لهذه الشخصيات، والقصص التي تحدث مع كل واحدة منها. أما المواقف فطريفة، لكني لا أصُوّر الأشخاص كمهرّجين أو مُضحكين، إذ إننا نراهم كل يوم، بل المواقف التي يمرّون بها هي المُضحكة والطريفة>>.
غير أن مشكلة ايلي خليفة، كما رواها ل<<السفير>>، ترتبط بنظرة المنتج الفرنسي، تحديدا، للحالة اللبنانية: <<لديّ قسم صغير جدا من الإنتاج، حصلت عليه من التلفزيون الأوسترالي، كما من فرنسا وهولندا. لكن المشروع يحتاج إلى منتج حقيقي. منتجون فرنسيون قرأوا السيناريو، لكن لقائي بهم لم يكن إيجابيا، خصوصا بعد مشاهدتهم فيلميّ السابقين (<<تاكسي سرفيس>> و<<شكرا ناتكس>>). انتقدوني، لأني أنجزت عملين كوميديين، إذ إنهم يريدون منا تحقيق أفلام عن الحرب وآثارها على الناس، أي كما يروننا هم. الغريب أنهم أحبّوا السيناريو، فبالنسبة إليهم، يميل المشروع إلى المناخ الإيطالي أو المتوسطي. الفيلم يعطيهم نظرة مختلفة عما يعرفونه هم عن لبنان. لم أرغب في تغيير السيناريو، فهم يريدون إدخال الحرب عن طريق ال<<فلاش باك>>. هذا فيلم آخر، لا علاقة له بي. لا أريد أن أفعل ما يريده هؤلاء، كأن أصُوّر لبنان الحرب، واللبنانيين الذين يتقاتلون فيما بينهم، ويقتلون بعضهم البعض. هذه صورتنا عندهم، لا أريدها>>.
ليست المرة الأولى التي يواجه خليفة مثل هذه التحديات. إذ إنه عرف تعنّت <<المنتج الفرنسي>> حين سعى إلى الحصول على تمويل لفيلميه السابقين، اللذين أنتجا بفضل التمويل السويسري: <<لا يدخل الفرنسيون معي في مثل هذه المشاريع، لأن نظرتي إلى الأمور تختلف، بل ربما تتناقض، مع نظرتهم هم. رسموا تلك الصورة عنا، استنادا إلى ما شاهدوه ويشاهدونه في نشرات الأخبار، أي الصورة القديمة للبنان الحرب والميليشيات. من الأسهل لهم أن يقرأوا سيناريو عن الحرب، لكننا نحن أناس مختلفون أيضا، وثمة مرحلة أخرى هي مرحلة ما بعد الحرب>>. (السفير اللبنانية)
&















التعليقات