كرر الأخضر الابراهيمي الأمين العام المساعد للأمم المتحدة وزير الخارجية الجزائري السابق، دعوته العرب إلى عدم تناسي الواقع، عند الحديث عن دور الأمم المتحدة في الشرق الأوسط، وقال ان "الذي فرض الغياب على المنظمة الدولية هو "الدول النافذة في مجلس الأمن", لكنه دعا "الناس في منطقتنا الى تذكر بعض الحقائق في ما يتعلق بموقف الولايات المتحدة", وشدد
على ضرورة عدم الاستسلام للواقع قائلاً: "ان على المرء الا يذهب الى الامم المتحدة متوهماً ان الحق والواقع يكفيان لتحقيق الاهداف مهما كانت مشروعة".
وهنا نص الحديث مع الابراهيمي الذي يعتبر احد المع الديبلوماسيين العرب، ان بصفته سفيراً لبلاده، اذ كان اول سفير للجزائر في القاهرة بعد الاستقلال او كوزير للخارجية، او كأمين مساعد للأمم المتحدة,,, او للجامعة العربية.
? اثار كلامك عن السياسة الاميركية في الشرق الأوسط اخيراً ردود فعل واسعة، خصوصاً داخل الأمم المتحدة، نظراً الى انك تحمل صفة الأمين العام المساعد للمنظمة الدولية، في أي اطار تضع هذا الكلام؟
ـ صحيح ان لدي عقداً مع الأمم المتحدة كأمين عام مساعد مكلف بشؤون حفظ السلام، لكن نوع العقد الذي يربطني بالأمم المتحدة يعني اني لا اعمل مع المنظمة الدولية في شكل مستمر، وانما اقوم بمهمات معينة محددة بزمن, وفي الوقت الحاضر انا لا اعمل للأمم المتحدة، لذلك انا حر واي كلام اقوله لا يعبر الا عن رأيي الشخصي ولا يلزم اي انسان آخر أو أي جهة اخرى.
? ما هو اذاً، موقفك مما يدور في المنطقة؟
ـ ما اريد قوله ان الوضع في المنطقة حالياً يتطلب من أي انسان له ضمير ان يقول رأيه، بل ان يصرخ في وجه ما يتعرض له الابرياء في فلسطين.
? لماذا يبدو للناس العاديين، ان لا دور للأمم المتحدة وأنها غائبة عن ساحة الشرق الاوسط في حين كثر الكلام في الفترة الاخيرة عن اهتمام المنظمة الدولية بكل ما له علاقة بحقوق الانسان؟
ـ الأمم المتحدة هي في الحقيقة غائبة، وبتعبير أدق مغيبة, لقد فرضت عليها هذا الغياب الدول النافذة في مجلس الأمن، ولا بد للناس في منطقتنا ان يتذكروا بعض الحقائق في ما يتعلق بموقف الولايات المتحدة، وهي حقائق لا تنكرها على اي مستوى سواء كان رسمياً او غير رسمي, مثلاً كتب هنري كيسنجر في ديسمبر 1982، معلقاً على ما سمي وقتذاك مبادرة ريغان، مستنكراً موقف الرئيس الاميركي، قائلا ما معناه ان الولايات المتحدة ملتزمة في شكل واضح وثابت الا تتقدم بأي مشروع او مبادرة في شأن الشرق الأوسط قبل التشاور مع اسرائيل والاتفاق معها، هذه نقطة اولى.
النقطة الثانية هي ان من لديه اي اطلاع على السياسة الاميركية واللعبة السياسية في الولايات المتحدة، يعلم ان اللوبيات هي التي تؤثر في القرار، هناك مثلاً لوبي السلاح، هذا اللوبي يمنع الحكومة من اتخاذ قرارات تحمي المواطن الاميركي من كثرة انتشار السلاح في ايدي الناس بما في ذلك الاطفال, والكل يعلم ان اللوبي الكوبي الموجود في مدينة واحدة هي ميامي ويسيطر سيطرة كاملة على سياسة الولايات المتحدة الكوبية ويوجهها توجيهاً كاملاً، الكل يعلم ان اللوبي الاقوى على الاطلاق هو اللوبي الصهيوني، وان الولايات المتحدة لا يمكن ان تخرج في سياستها عما يقبله هذا اللوبي, وبالتالي ان الكلام عن ان الرئيس في ولايته الأولى او الثانية، او رئيس ديموقراطي او جمهوري، لا تأثير له الا في اضيق الحدود, والولايات المتحدة لا تخفي ابداً انها تفضل الا يتعامل مجلس الأمن مع موضوع الشرق الاوسط اطلاقاً, وفي الحالات القليلة التي توافق اميركا على ان يتكلم مجلس الأمن في موضوع فلسطين او ان يعالجه او ان يتطرق اليه فالولايات المتحدة لا تخفي انها لن توافق على ادانة إسرائيل في اي شكل وانها لن توافق على اتخاذ قرارات لا ترضي حكومة اسرائيل ايا تكن تلك الحكومة.
هذا الواقع يجب الا ننساه عندما نتلكم عن دور الأمم المتحدة في الشرق الوسط.
? هل يعني ذلك ان على العرب الاستسلام لهذا الواقع وان يعتبروه قدراً محتوما؟
ـ بكل تأكيد لا بل يخيل اليّ ان العرب من حقهم بل من واجبهم ان يرفعوا صوتهم اعلى والا يسمحوا لاحد في الأمم المتحدة اوخارجها بأن يقول: "لم نكن نعلم المهم في رأيي ان على المرء الا يذهب الى الأمم المتحدة متوهماً ان الحق والواقع يكفيان لتحقيق الاهداف مهما كانت مشروعة.
? لكن كيف التعاطي مع كون الولايات المتحدة قادرة على فرض ارادتها؟
ـ الولايات المتحدة الان، وهذا ليس سراً، هي اقوى دولة في العالم بل هي القوة العظمى الوحيدة في العالم، والعرب ليسوا وحدهم الذين يشتكون من اسلوب ممارسة الولايات المتحدة دورها، حتى حلفاء اميركا القريبون منها بدأوا يشكون اكثر فاكثر من تجاهل الولايات المتحدة لهم ووضعهم امام الأمر الواقع كما حصل لدى اصرار اميركا على الدرع الصاروخية, وقبل ذلك في ما يخص معاهدة كيوتو المتعلقة بحماية البيئة, وهناك ظاهرة صارت محل انتقاد واستنكار وهي ان الولايات المتحدة صارت تتصرف اكثر فاكثر، كأن القانون الاميركي هو فوق القانون الدولي او حتى انه القانون الذي يجب ان يسير العالم بموجبه، او ان يسير العالم, وانا لست من الذين يدعون الى معاداة الولايات المتحدة، هذا ليس مطلوباً، اضافة الى انه ليس ممكناً، بل كتبت وقلت اكثر من مرة ان شعب الولايات المتحدة، شعب عظيم، وله خصال عظيمة ولا يمكن لاي دولة ان تستغني عن علاقتها باميركا, واظن ان الاميركيين الذين يتكلمون دائماً بواضح العبارة عن انهم ملتزمون دائماً وابداً وفي كل ظرف المصلحة القومية الاميركية، اعتقد انهم سيحترمون اي انسان يقول ان العلاقات مع الجميع على رأسهم الولايات المتحدة انما نبنيها على اساس مصالحنا القومية.
الموقف الكريم والصريح والحازم هو الذي يمكن ان ينال احترام دولة مثل الولايات المتحدة وليس المجاملة والميوعة والاستسلام غير المبرر والذي ليس هناك ما يبرره.
? ما هو في رأيك الموقف العملي الذي يفترض في العرب اعتماده في هذه المرحلة؟
ـ هناك موقف عملي اتخذه العرب لا بد من الاشارة اليه هو انه في مؤتمر دوربان في جنوب افريقيا، سحبوا البساط من تحت اقدام اسرائيل والولايات المتحدة عندما تجاوبوا مع مطلب الاكثرية بأن لا يكون هناك كلام عن المساواة بين العنصرية والصهيونية وانما قالوا نتلكم عن ممارسات اسرائيل بدل نعت اسرائيل باوصاف مختلفة، يكفي ان نتحدث عن اعمال اسرائيل, خذ ما يجري الان في الاراضي المحتلة، المؤسف ان الصحافة العالمية تكاد لا تتحدث عن الشجر الذي يقتلع بعشرات الالاف علماً ان اسرائيل كانت تتباهى بأنها جعلت الصحراء خضراء، انها تجرف الاشجار وتتلف المحاصيل, حتى الصحافة العربية لا تتحدث عن ذلك بما يكفي, اظن ان الكلام عن كيفية معاملة اسرائيل، لمواطنيها العرب لا يلقى اهتماماً انما تأخذ اراضيهم وتجعلهم يدفعون ضريبة مضاعفة مرات عدة, هذه الممارسات تدين اسرائيل اكثر بكثير من أي اوصاف تلصق بها او بالصهيونية، بل كيف اننا لم ننتبه الى ان اسرائيل تفضل ان يكون الجدل بيننا وبينها على الصعيد الايديولوجي بدل من ان يكون على صعيد الحقائق والممارسات, لماذا لا نجر اسرائيل الى ميدان الحقائق بدل ان نظل اسرى الشعارات؟(الرأي العام الكويتية)