عند الاطلاع على موقع مؤسسة الفكر العربية " www.Arabthought.org "، لفت الانتباه شعار " الشراكة بين المال والفكر" الذي ترفعه هذه المؤسسة الفتية. لكن الواقع العربي الحالي يوحي، في حقيقة الأمر، بوجود شراكة اقرب ما تكون إلى " شراكة بين المال والجهل" وهو ما سنحاول التدليل عليه في هذا المقال.

تدل آخر الإحصاءات المتوفرة عن مجهود عربي هام لتمويل التعليم، حيث يمثل من مجموع الإنفاق الإجمالي للميزانية الحكومية، ومن الناتج المحلي الإجمالي، على التوالي: ( 20% و 5% ) في الأردن، (16.4%
و 5.1% ) في الجزائر، (22.8% و 9.3% ) في السعودية، (11.1% و4.4% ) في سوريا، (17.4%
و 6.7%) في تونس، (14.7% و 5.2%) في مصر، و ( 26.1% و 5،5%) في المغرب. لكن بالرغم من كل هذا الإنفاق، يفوق التخلف التعليمي في الدول العربية تخلف هذه الدول في الميادين الأخرى، وكذلك بالـمقارنة مع دول غير عربية بائسة مثل الهند، التي تتخلف عنا في مجمل مؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لكنها تتقدم علينا بتعليمها الراقي. لفهم هذه المعضلة، نتطرق في ما يلي إلى: (1) واقع التخلف التعليمي العربي،
(2) المقارنة مع دول أخرى أكثر فقرا وتخلفا، و (3) تحديد مكمن الداء في واقع الشراكة الحالية التي تفشل بصفة ذريعة في توجيه المال العربي لنشر العلم.

1-واقع التخلف التعليمي في العالم العربي:
تدل كل المؤشرات المتوفرة على تخلف تعليمي كبير في الدول العربية. ويمثل هذا التخلف اليوم أحد أهم أسباب تفشي ظاهرة ما يسمى " بطالة الشباب حاملي الشهادات " وضعف الاستثمار و التنمية، بل حتى ظاهرة الإرهاب. من البديهي أن تكون أهم أهداف العملية التعليمية تنمية مواهب التفكير والبحث التي تمكن النشء من أدوات التواصل مع الآخر، والإلمام بأسس العلوم الحديثة، مما يخدم متطلبات سوق العمل والتنمية الاقتصادية بصفة عامة. لكن التعليم العربي في صورته الحالية يفشل على جميع هذه الأصعدة :

- تنمية مواهب التفكير والبحث
يقوم التعليم العربي في صورته الحالية بقتل مثل هذه المواهب عوضا عن تطويرها، وذلك بإتباع وسائل التلقين والحفظ عن ظهر قلب. والأسوأ انه عندما طالب مفكر مستنير مثل أستاذنا الفاضل احمد البغدادي (أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت ) بضرورة عدم البدء بتحفيظ القران، بل بتنمية موهبة الفهم عند الطفل، كان الرد الحكم بسجنه سنة ( مع وقف التنفيذ ) بعد إدانته " بتحقير القران الكريم " دون أن نعرف لماذا تفسر مثل هذه المقترحات البناءة كتحقير لا كإنقاذ من حالة الجهل التي نحن عليها الآن.

- التواصل مع الآخر
يتم تطوير مثل هذا التواصل بتعليم اللغات الأجنبية ودراسة الأدب والفكر لـباقي الحضارات. ويحصل هذا من خلال مناهج تعليمية تبدأ بتعليم اللغات الحية من روض الأطفال (حيث تكون للصغار قدرات هائلة). ثم تتطور العملية بـتدريس الآداب والفلسفة وتاريخ حضارات الشعوب الأخرى. لكن المناهج العربية الحالية تحول دون كل هذا. في معظم الدول العربية، وعلى الأقل حتى سنوات قليلة مضت، يبدأ تعليم اللغة الإنجليزية ( لغة العالم والعلوم والعولمة والبحث والإنترنت ) متأخرا ( السنة السابعة في الجزائر، وابتداء من الثانوية في معظم دول المشرق). ومما زاد الطين بلة، يتم تدريس هذه اللغة كمادة من ضمن عديد المواد ولا تستعمل كأداة لتدريس الإنسانيات والعلوم. وتكون النتيجة عجز خريج الثانوية العامة في كل الدول العربية تقريبا عن فهم النصوص الأدبية والعلمية. ولعل الأسوأ هو تجاهل المناهج الحالية تدريس الاتجاهات الفكرية السائدة لدى الغير. ففي الدول الخليجية، على سبيل المثال، يحرم تدريس مادة الفلسفة على اعتبارها ضربا من الكفر، مما ينتج جيلا عربيا على جهل كامل بالاتجاهات الفكرية السائدة لدى الغير.

- أسس العلوم الحديثة
بالرغم من الأهمية القصوى لتعليم اللغات الأجنبية والإنسانيات، تمثل العلوم العصرية (علوم طبيعية، كيمياء، فيزياء) وفي مقدمتها الرياضيات، أساس التقدم الصناعي و التقني. لذلك تقوم الدول بعملية تقييم دورية لمدى ملاءمة مناهجها في هذا المجال. في أمريكا على سبيل المثال، ما أن أشارت المقارنات الدولية إلى نقاط ضعف حتى تم إعداد دراسات عديدة لتحليل المسالة، بل صدر تقرير رسمي هام في بداية التسعينات من القرن الماضي بعنوان "أمة في خطر" دق ناقوس الإنذار وعمل على شحذ الهمم وتوجيه الموارد للنهوض بالقطاع.

أحد أهم المؤشرات المتوفرة لمعرفة مدى تخلف أو تقدم مناهج تعليم العلوم، تتمثل في نتائج مسابقات طلبة المدارس الثانوية في الرياضيات ( وباقي العلوم الأخرى ) والتي نشرت نتائجها الأخيرة في تقرير بعنوان "الإنجازات العالمية لطلاب الرياضيات" يمكن الاطلاع على نسخة منه على موقع " http://timss.bc.edu ". شارك في المناظرة الأخيرة مجموع 45 دولة، وكان ترتيب كافة الدول العربية المشاركة من ضمن الثلث الأخير، أفضلها لبنان (المرتبة 30) والأردن (31)، وأسوأها مصر (36)، المغرب (40) والسعودية (43). هذه النتائج تعني ببساطة أنه لا يتم حاليا تأهيل الطالب العربي، خلال مراحل دراسته الثانوية، لامتلاك أدوات التحليل العلمي. و لهذا السبب يفشل بعدها في سوق العمل كما في متابعة الدراسات العليا. و بالنسبة للأخيرة، غالبا ما يتواصل البناء على هذا الأساس الهش، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى الحصول على "شهادات جامعية" لا معنى لها.

2- تخلف العرب في مجال التعليم يفوق بكثير تخلفهم في المجالات الأخرى
يبدو من البديهي وجود ارتباط وثيق بين تطور العملية التعليمية والتنمية الاقتصادية. فـمن الواضح أن التعليم البريطاني، على سبيل المثال، هو أفضل بكثير منه في الصومال أو الفلـيـبين. كما يعزى تطور التعليم الاسكندنافي بصفة عامة إلى التقدم الاقتصادي والاجتماعي الكبير لهذه الدول. وتوجد على الأرجح علاقة في الاتجاهين بين التعليم والتقدم الاقتصادي، حيث أن تطوير التعليم أمر ضروري لتطوير الاقتصاد الذي بدوره يزيد من حاجة الدولة للتعليم المتطور – خصوصا في ميادين البحوث والتقنيات المتقدمة-. لكن من الخطأ القول بان العلاقة بين التعليم والتقدم هي علاقة ثابتة. في معظم الدول التي حصلت على استقلالها في فترة الخمسينات من القرن الماضي، على سبيل المثال، تم نشر التعليم وتطويره (باستيراد المناهج الغربية المتقدمة) قبل البدء في عملية التنمية الاقتصادية، أي أن تطور التعليم في هذه الحالة قد سبق عملية التنمية. وعديد المقارنات الأخرى تؤدي إلى نفس الاستنتاج.

في النتائج العالمية لطلاب الرياضيات التي سبق ذكرها، جاءت اليابان في المرتبة 5 بينما كان ترتيب 15 للولايات المتحدة الأمريكية ( الأكثر تقدما ). وجاءت دول البلطيق وجمهورية سلوفالكيا من ضمن الـ 13 دول الأولى بالرغم من تخلفها الاقتصادي مقارنة بالنمسا (مرتبة 14) وبالنرويج (مرتبة 27). كذلك تفيد المقارنة بين الدول العربية وبعض الدول الفقيرة مثل الهند والفلـيـبين، ان تخلف هذه الأخيرة اقتصاديا لم يمنعها من التفوق علينا تعليميا وبأشواط هامة. فـمنذ السنوات الأولى للتعليم الابتدائي يـتمكن الطالب في الهند والدول الآسيوية الأخرى من اللغة الإنجليزية. ثم يتواصل تعليم الإنسانيات والعلوم بنفس اللغة. لذلك يجد خريجو الثانوية العامة في هذه الدول سهولة نسبية عند التحاقهم بـكبرى الجامعات العالمية. كما اثبت خريجو الجامعات الهندية جدارتهم في كافة الميادين. ولا أدل على ذلك النجاح الباهر الذي حققوه في ميادين التكنولوجيا الحديثة ( ربع مليون خريج جامعي سنويا )، حيث غزوا وادي السيليكون بشمال كاليفورنيا وحولوا الهند إلى قصة نجاح عالمية في إنتاج وتصدير البرمجيات (20مليـار دولار صادرات سنويـة).

لماذا لم يحقق العرب نفس النجاح رغم تفوقهم المادي ؟ إجابتنا ببساطة هي أن الموارد العربية الحالية متجهة أكثر لتثبيت الجهل منها لتطوير التعليم.

3- واقع الشراكة العربية الحالية بين المال والجهل
يتم تمويل قطاع التعليم في الدول العربية أساسا عن طريق الميزانيات الحكومية. أي أن الدولة تقوم أولا بوضع يدها على أموال العامة عن طريق الضرائب كما تستحوذ على الثروات الطبيعية، ثم تقوم بتوجيه هذه الموارد لتمويل التعليم ( بناء مدارس وتجهيزها، إعداد المناهج وطبع الكتب، ورواتب المدرسين...). والفارق الوحيد بين ما يحدث في الدول العربية والهند مثلا، هو أن الأموال العربية تتجه لتمويل مناهج تعليمية متخلفة، من أهم مظاهرها:

-مناهج التلقين والحفظ منذ مراحل الابتدائية.
-غياب الأساليب الملائمة لتعليم اللغات الحية.
-ضعف (بل عدم) تدريس الفلسفة الغربية وتاريخ الحضارات باللغة الأجنبية.
-ضعف طرق تدريس العلوم والرياضيات.
-الإبقاء على مناهج تعليمية متخلفة تعود في معظمها إلى الخمسينات من القرن الماضي، وكان الأولى اعتماد المناهج التي أثبتت نجاحها في العالم مثل مناهج سنغافورة في تدريس الرياضيات، و لو بترجمتها إلى العربية إن لزم الأمر.
-دعم المدارس الدينية ذات المناهج المنحرفة حتى بالمقارنة مع المناهج الحكومية غير الملائمة. في مصر، على سبيل المثال، أسس عبد الناصر ما يزيد عن 6000 مدرسة من هذا النوع. وفي اليمن تم غلق آلاف المدارس الدينية خلال الحملة الأخيرة على الإرهاب، كما يمثل طلبة الدراسات الدينية في الجامعة اليمنية حوالي 40% من المجموع...
-هدر المال العام في تـمويل "تعليم عالي" مناف لكل مقاييس المهنية والجدوى ومتطلبات سوق العمل.
-انعزال الجامعات العربية (خصوصا في دول المشرق غير النفطية)، بينما الأساس في دول مثل الهند وماليزيا وتركيا هو الشراكة مع الجامعات العالمية المرموقة واستعمال اللغة الإنجليزية كلغة تدريس.

وما يحدث للمال الخاص لا يختلف كثيرا عما سبق ذكره بالنسبة للمال العام. فالتعليم العالي الخاص هو بالأساس قطاع مهمش، حيـث لا تتجاوز نسبته في معظم الدول العربية الـ10% من المجموع، مقارنة بنسبة 66% في ماليزيا واكثر من 70% بكوريا الجنوبية. وغالبا ما يعاني من العراقيل الإدارية و ضعف الموارد، بدليل أننا لا نجد جامعة عربية خاصة واحدة توازي جامعة " بيلكنت " في تركيا والجامعات التي تألقت في علوم التقنيات الحديثة في ولاية " بنغالور " الهندية....

هذه الأمثلة تؤكد بلا شك الواقع الحالي لنوع عقيم من الشراكة بين المال العربي (العام والخاص) والتعليم، وهي في حقيقة الأمر "شراكة بين المال والجهل." و من الواضح أيضا انه بدون إعادة تنظيم شاملة لهذه الشراكة، لن يكون مصير الأجيال العربية الناشئة خلال النصف الأول من القرن الواحد والعشرين بأفضل من مصيرها البائس خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وهذا الواقع يجب التعامل معه بحزم من خلال إحلال شراكة من نوع جديد – بين المال والعلم هذه المرة –، بالاعتماد على النماذج العالمية الناجحة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، نموذج " مؤسسة قطر " ومؤسسات الوقف التي تم اعتمادها في تركيا خلال السنوات الأخيرة، التي سمحت لهذا البلد بإنشاء 26 جامعة خاصة من بينها عديد الجامعات المرموقة، التي حولت هذا البلد إلى وجهة مفضلة للطلبة الأجانب بما فيهم العرب.

بريد إلكتروني : [email protected]