يعتقد كثيرون ان مجلس الشورى السعودي مؤسسة تشريعية رغم الصبغة الاستشارية التي يتصف بها بحيث أصبح له دور هام في إصدار القوانين والتشريعات الخاصة بتنظيم وتقنين جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذا الانطباع هو الذي يحاول السعوديون ترسيخه. وقد اتضح هذا الدور من خلال إصدار العديد من التشريعات التي صادق عليها مجلس الوزراء عدة مرات، ويبدو ان هناك رغبة واضحة لدى القيادة السعودية لإعطاء مجلس الشورى دوره الأساسي والإصلاحي وخصوصا عندما تم تعديل مادتين من نظام المجلس يتعلق الأمر بالمادة (السابعة عشر والثالثة والعشرين) من مواد نظام المجلس.
وأصبح المجلس بموجب تعديل هذه المواد له الحق في تقديم اقتراح مشاريع قوانين وأنظمة جديدة أو اقتراح تعديل قوانين موجودة وقد اعتبر هذا التغير في حينه تطورا جديدا وجاء في الوقت المناسب ليمنح المزيد من الصلاحيات للمجلس، ويحقق مرونة اكبر في أدائه ويتيح له مساحة واسعة لمناقشة ودراسة معظم القضايا والموضوعات التي تهم المواطن السعودي واحتياجاته التنموية، كما اعتبر هذا التعديل بداية لعملية إشراك اكبر عدد ممكن من المواطنين في بعض القرارات الهامة، وفي نفس الوقت بداية لعملية الإصلاح والتحديث التي بدأتها المملكة العربية السعودية في أكثر من مجال منذ مدة. والتي شملت تطوير نظام مجلس الوزراء ونظام مجلس الشورى ونظام المناطق.
وللإشارة فان مجلس الشورى عرف منذ تأسيسه العديد من التعديلات والإضافات سواء فيما يتعلق بعدد أعضاء المجلس أو فيما يتعلق بتحديث لجان المجلس وتحديد مهامها، وهذا كله يأتي كجزء من تطوير (نظام الشورى) الذي تعتمده السعودية كنظام إسلامي استشاري يضم أهل الحل والعقد.
كما ان هذه الإصلاحات والتعديلات جاءت لترجمة توجيهات الملك فهد بن عبدالعزيز الذي خاطب مجلس الشورى السعودي في افتتاح الدورة الثالثة، حيث قال مخاطبا أعضاء مجلس الشورى"... كنتم أيها الإخوة أعضاء المجلس شركاء حقيقيين للحكومة في مجال التطوير السياسي والإداري" وقال أيضا بنفس المناسبة "...أؤكد لكم أننا سنستمر في طريق الإصلاح السياسي والإداري، وسنعمل على مراجعة الأنظمة والتعليمات وأحكام الرقابة على أداء الأجهزة الحكومية وتوسيع نطاق المشاركة الشعبية...".
إذا تأملنا هذه الخطوات التي يخطها مجلس الشورى، يبدو ان هناك دورا أساسيا بدا يلعبه في السعودية تدريجيا منذ مدة تمثل في إصدار القوانين والتشريعات الهامة التي مست جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية حسب ما تقتضيه المصلحة العامة ووفق النظام المعمول به في المجلس الذي يقوم على أساس دراسة وتفحص القضايا المطروحة على المجلس في جميع القطاعات و شؤون الحياة العامة، وإصدار ما يناسبها من قوانين وأنظمة ولوائح.
واعتقد ان مجلس الشورى السعودي قد وصل من الخبرة والتجربة لان يصبح مؤسسة تشريعية رغم الطابع الاستشاري الذي يتمتع به خاصة وقد لاحظنا انه أصبح "الخزان البشري" لتطعيم الدولة بالأشخاص وبعض الوزراء كان طريقهم للوزارة عبر المجلس.
وحين أعلن تأسيس المجلس طرحت عدة تساؤلات حول أهميته الاقتراحية والعملية، وكان البعض يرى انه عبارة عن مجلس لتوفير مناصب شرفية تمنح لبعض الشخصيات من باب التكريم أو استقطاب النخب، لكن عندما طبقت معايير غاية في الدقة في عملية تعيين الأعضاء، تبين ان عملية الاختيار روعيت فيها الكفاءة والتخصصات والخبرة، كما استطاع المجلس ان يستقطب عددا من الخبرات المتعددة ساهمت بشكل كبير في الحوار واغناء النقاش وتشكيل قوة اقتراحية. ولهذا نجد ان المجلس في البداية منذ تكوينه في 16 سبتمبر 1992 شمل حوالي 90 عضوا من رجال الأعمال والأكاديميين وبعض المتقاعدين ثم وصل الى (120) عضوا والآن توسع وأصبح يضم نحو (150) عضوا، كما حددت المدة اللازمة لتغيير الأعضاء في أربع سنوات قصد تجديد النخب وإشراك اكبر قدر ممكن من الفعاليات السياسية والأكاديمية.
واذا تأملنا أنظمة مجلس الشورى السعودي، وخصوصا المواد المعدلة نجد ان المجلس أصبح عبارة عن "مؤسسة برلمانية" يناقش الخطط العامة للدولة ومشاريع القوانين والأنظمة واللوائح والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، و التقارير السنوية التي تقدمها الوزارات والمؤسسات الحكومية، وبالرغم من ان المجلس لا يصدر قرارات وتوصيات إلزامية في القضايا التي تعرض عليه الا ان معظم الاقتراحات والتي شكلت إجماعا توافقيا قبلت من الجهات الرسمية وطبقت كاملة.
واعتقد ان مجلس الشورى يمثل مؤسسة دستورية في المملكة العربية السعودية، وأصبح يشارك فيه الشباب وحاملي الشهادات العليا الذين كان لهم نشاط بارز في مجال تخصصهم العلمي أو لهم إسهام اجتماعي أو إعلامي أو نشاط في مؤسسات المجتمع المدني، وبالتالي أصبح هو المرجعية الأولى للحوار والقرارات المتزنة والمتمشية مع الخصوصيات الاجتماعية والثقافية والدينية لمجتمع محافظ دون تطرف او تشدد.
ويلاحظ المتتبعون للشأن العام السعودي ان كثيرا من المطالب التي تم التعبير عنها في مواقف من طرف بعض الفعاليات السعودية في الداخل والخارج بخصوص تطوير مجلس الشورى وتوسيع صلاحيته تم الاستجابة لها في إطار من الحوار والمناقشة وإشراك المواطن السعودي في المسؤولية والاستماع إليه وفق الضوابط المشروعة وعبر الحوار الهادف الذي يؤدي الى الإصلاح التدريجي وتطوير المؤسسات التشريعية والتنفيذية في المملكة العربية السعودية، وإذا تفحصنا الوثائق الصادرة عن مجلس الشورى نجد ان عدد اللجان أحيانا في المجلس وعدد اجتماعاتها وعدد القرارات التي تقترحها يفوق ما يقع في بعض البرلمانات العربية، لان كل عضو من مجلس الشورى مطالب بتقديم أعمال معينة والمساهمة في مناقشة القرارات والاقتراحات الشيء الذي يعطي مردودية أكثر.
وفي نفس الوقت يجب ان لا ننسى ان المجلس لازال في طابعه الاستشاري ولازال كل أعضاءه معنيين وبالتالي لازال يطلب منه المزيد من التطور والتحديث والمزيد من الديمقراطية في مواقفه واتخاذ قراراته السياسية، لان تطوير مجلس الشورى السعودي يمكن ان يتميز بإيجاد صيغ من العمل والإدارة تستمد جذورها من الشريعة الإسلامية واعتماد طرق ومفاهيم ديمقراطية حديثة ويجعل منه نقلة نوعية في عملية الإصلاح السياسية والإداري بالمملكة العربية السعودية.
وفي إطار المستجدات والتغيرات والإصلاحات الكبرى التي تعرفها البلاد قام الملك فهد بن عبد العزيز في 12 ابريل الماضي بإجراء تعيينات واسعة شملت أمراء المناطق الإدارية وهيئة كبار العلماء كما تم التعديل في فقرة في نظام مجلس الشورى تسمح بإحداث منصب نائب الرئيس ومنصب مساعد الرئيس، كما أصبح مجلس الشورى الحالي بعد هذه التغيرات يضم حوالي 150 عضوا من مختلف الفعاليات الثقافية والفكرية والعلمية.
ويبدو ان إعادة تشكيل مجلس الشورى في دورته الرابعة ستزيد من فعاليته وستكون أكثر أهمية في دورته القادمة، كما صرح بذلك الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد في اجتماع لمجلس الوزارء أثناء تعيين أعضاء مجلس الشورى الجدد. ومن خلال التركيبة البشرية للمجلس الجديد يتضح انه روعيت فيها الفئات العمرية والكفاءات العلمية وتمثيلية المناطق ليشمل المجلس معظم الشرائح السعودية من جميع المناطق ومن جميع مكونات المجتمع السعودي حتى يعكس الأهداف الأساسية التي يتوخاها المجلس من أعضاءه الجدد. مما يؤكد ان السعودية ماضية في سياسة الإصلاح السياسي والإداري في سياستها المقبلة. حقيقة لا مجازاً.
صحافي مغربي