المرحلة السابعة
11 سبتمبر شرارة حرب الإرهاب في العراق
أن الأهمية الإستراتيجية للعراق أخذت أبعاد اكبر من حجمه في ذهن الباحث الاستراتيجي الامريكي، وتزداد أهميته كلما كثرة العمليات التفجيرية ضد الولايات المتحدة الأمريكية، ألا أن العراق أصبح الهدف الرئيسي في حرب إرهاب بعد ضربة المدمرة الكبرى لمركز التجارة العالمية بنيويورك في 11 سبتمبر.
11 سبتمبر الزلزال المدمرة: تفجيرات 11 سبتمبر هي ليس فقط انهيار لناطحات نيويوريك بل هو انهيار لكل الخطط الاستراتيجي ما قبل الحدث،فبعد 11 سبتمبر ظهرت تطبيقات نظرية (الحرب الاستباقية) و بعد 11 سبتمبر ظهرت نظرية (الامن القومي لايتجزأ )، بمعنى أن مصالح الأمن القومي في خارج الولايات المتحدة و داخل الولايات المتحدة هي على حد سواء، بل لا يمكن الدفاع عن الأمن الداخلي للولايات المتحدة الأمريكية ما لم يحمى نظام (العولمة) خارج الولايات المتحدة، و أصبحت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة هي حماية نظام العولمة، الذي اصبح جزأ لا يتجزأ من الوجود الأمريكي، وكانت 11 سبتمبر هي ضربة، لمركز نظام العولمة العالمي، فكارثة 11 سبتمبر وقعت على ذهن الباحث الاستراتيجي الأمريكي كالصاعقة،يمكن ملاحظتها من خلال الخسائر التي نتجت عن تلك العملية، فالخسائر البشرية تقدر ما يقارب 3000 شخص فقد قال تقرير أميركي إن الكلفة الاقتصادية التي تكبدتما مدينة نيويورك نتيجة لهجمات 11 سبتمبر/ أيلول الماضي عليها تتراوح بين 83 و95 مليار دولا،ر وإن الرقم النهائي لا يتوقف فقط على الخسائر الآنية للحدث وأنما يزداد باطراد مع عملية إعادة تنظيم مراكز العولمة التي انهارت في 11 سبتمبر.
وقدر مراقب حسابات المدينة وليم تومسون في احدث تقرير له، أن إعادة بناء المباني والبنية الأساسية وما وصفه بأنه "أصول المستأجرين" المفقودة نتيجة للهجمات التي أطاحت ببرجي مركز التجارة العالمي ستبلغ تكاليفها 21.8 مليار دولار، وأوضح التقرير أن مساحات عقارية إدارية ممتازة تبلغ نحو 13 مليون قدم مربع دمرت أي ما يعادل مساحات المكاتب الإدارية كلها في حي الأعمال في أتلانتا أو ميامي. أما عن الخسائر من الضرائب فقد خسرت المدينة نحو ثلاثة مليارات دولار بالإضافة إلى نحو 500 مليون مصروفات أخرى. المصدر(ttp://arabic.people.com.cn/200209/06/ara20020906_57337.html).
وقد ذكر رانا فوروهار في تقريره لنيوزيويك (ان معظم خسائرها الواضحة هي خسائر مادية تزيد على 16 بليون دولار للشركات والحكومة الاميركية و11 بليون دولار اضافية في عمليات الانقاذ وتطهير المكان والكثير من البلايين التي لا تعد لزيادة الانفاق على الامن العام والخاص في الولايات المتحدة اضافة الى العديد من الدول الاخرى. ومن العسير تحليل المضامين المتوسطة والطويلة المدى) أضافة الى فقد أنخفض عدد الوظائف في مدينة نيويورك الآن 83 ألفا عما كان قبل 11 سبتمبر، وقدر تومسون أن المدينة فقدت 63 ألف وظيفة أخرى كانت ستتحقق لو تمكنت المدينة من الخروج من ركودها الذي سبق الهجمات. هذا اضافة الى الخسائر التي أصابت شركات الطيران و انهيار الذي حدث في البورصة واسعار النفط و الذهب.
أن الضربة التي حدثت للأمريكا في 11 سبتمبر هي بلاشك هي الأقوى و الأعنف في تاريخ أمريكا،و الأشد على رأس القرار أمريكي في البيت الأبيض و لهذا كانت ردة فعلهم في بادئ الأمر، توضح مدى حالة العصبية التي انتابت البيت الأبيض،وبما أن الملف العراقي هو الملف الساخن على طاولة الرئيس الأمريكي، بكل تفاصيله المرعبة للبيت الأبيض،من( امتلاكه للأسلحة دمار شامل، إلى امتلاك العراق موارد نفطية تمكنه من تطوير قدراته و احتمال انتقال تلك القدرات الى الجهات الإسلامية المتطرفة، نتيجة للخطاب السياسي الجديد للقيادة العراقية بعد حرب الخليج الثاني والذي تميز بخطابه الديني، المتناغم مع فكر القاعدة)، جميع هذه العوامل جعلت من العراق الهدف الاستراتيجي الأول في ذهن الرئيس الأمريكي و عند مراكز القرار في البيت الأبيض الأمريكي، و هذا ماأ كده بشكل واضح منسق دائرة مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض ( كلارك )، ويمكن أن نلاحظ من أقواله مدى ردة الفعل العصبية التي انتابت البيت الأبيض الأمريكي و تبين مدة حساسية الملف العراقي في ذهن صاحب القرار الامريكي حيث يقول كلارك (كانوا يتحدثون عن العراق فقط بشأن 11 سبتمبر.كانوا يتحدثون عنه في 12 سبتمبر). وأضاف أنه التقى مع بوش و وزير الدفاع دونالد رامسفيلد بعد الهجمات المدمرة. وقال كلارك : أن رامسفيلد قال اننا بحاجة لضرب العراق..، كلنا قلنا لا لا. القاعدة في أفغانستان ونقل عن رامسفيلد قوله لا توجد أي أهداف جيدة في أفغانستان وهناك أهداف جيدة كثيرة في العراق. وترك كلارك الذي عمل مستشارا لاربعة رؤساء منصبه في فبراير شباط عام 2003 بعد أن نقل البيت الابيض وظائف لجنة أمن الكمبيوتر الى وزارة الامن الداخلي. المصدر ( رويتر 20 Mar 2004 07:55:35 GMT)
ويتحدث كلارك في كتابه( في مواجهة الاعداء) (ففي مساء 12 سبتمبر، استدعاه بوش وقال له «اعرف انك منهمك في العمل، لكنني اريدك ان تدقق مجددا في المسألة برمتها في اسرع وقت ممكن. اريد ان اعرف ان كان صدام خلف ذلك».
- لكن سيدي الرئيس، القاعدة هي التي نفذت ذلك.
- اعرف، اعرف.. لكن دقق رغم كل شيء للتحقق مما اذا كان صدام ضالعا في المسألة.
- حسنا، سنتحقق.. مرة جديدة. وردد بوش مشددا قبل ان يغادر القاعة «العراق.. صدام)
كا ن من الممكن أن يكون العراق هو الهدف الثأر للقرار البيت الأبيض الأمريكي لولا تدخل توني بلير رئيس وزراء بريطانيا بعد سفره مباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر و اقناع الرئيس بوش بالعدول عن خطته و مهاجمة أهداف القاعدة في أفغانستان ومن ثم العراق و لكن بقي هذا البلد الأخير هو الصيد الثمين و المغري الذي يحقق كل متطلبات ساحة معركة الإرهاب الشاملة، تفجيرات نيويوريك أثارت جميع الخطط الاستراتيجي لتعلن عن مرحلة جديدة للتعامل مع العراق، مقال رامسفيلد (الاستراتيجية الأمريكية،منع الحرب قبل اندلاعها) هو نموذج صارخ للعقل الاستراتيجي الأمريكي بعد 11 سبتمبر.
رامسفيلد يتحدث عن تلك المرحلة الجديدة بقوله (وأننا في أمسِّ الحاجة إلى إيجاد طرق جديدة في التفكير وأساليب مختلفة في القتال، أكثر من احتياجنا إلى إيجاد أسلحة أكثر تطورًا وتقدمًا. ) ويقول في نفس المقال(فكما تعلمنا من أحداث سبتمبر المؤسفة، أصبحت تحديات القرن الجديد مفتقدة لأية توقعات، بعكس القرن الماضي.)ويقول ايضا(إن التحدي الذي نواجهه في هذا القرن الجديد إنما هو تحدٍّ صعب، بل في غاية الصعوبة. إنه يستلزم منا الدفاع عن بلادنا ضد كل ما هو غير معروف؛ ضد كل ما هو غير مضمون؛ ضد كل ما هو غير مرئي؛ ضد كل ما هو غير متوقَّع) ثم يتحدث عن بيت القصيد الذي يجب العمل به في الفترة الجديدة و الفرق عن الاستراتيجية القديمة(قبل أحداث 11 سبتمبر، كان القادة الأمريكيون، سواء في المجال المدني أو العسكري، منخرطين في خطة "معهودة" للدفاع. ولكن في ظل مراجعة تقرير الدفاع الأمريكي الذي يتم إعداده كل أربع سنوات، بدأت نظرتنا إلى البيئة الأمنية حولنا تصير أكثر إمعانًا وتركيزًا، وهو ما أوصلنا إلى ضرورة تبني إستراتيجية جديدة.) و اخيرا ما هي القرارات التي توصل اليها العقل الاستراتيجي الامريكي في مرحلته الجديدة يتحدث رامسفيلد عن قراراتهم:
1. لقد قرَّرنا أن ننأى بأنفسنا عن منظومة "وجود قوتين أساسيتين على مسرح الحرب"؛ التي كانت تنادي إلى الحفاظ على قوتين عظميين للاحتلال، تتمكنان من اقتحام دولتين عدوتين في لحظة واحدة. ولا غبار على أن هذه الفلسفة قد نفعتنا نفعًا كبيرًا في فترة ما بعد الحرب الباردة؛ أما الآن.. فهي تشكل تهديدًا لنا؛ إذ تتركنا مستعدين استعدادًا فوق اللزوم تجاه صراعين محددين، بينما تتركنا على الوجه الآخر غير مستعدين تمامًا لأي من تحديات القرن الحادي والعشرين غير المتوقعة.
2. السيطرة على الموارد للقوة القطب الواحد : حيث يقول رامسفيلد(ومن أجل ضمان توافر الموارد التي تؤهلنا للتأقلم مع المستقبل، ومن أجل مواكبة التحديات الجديدة التي تهدد أمننا الداخلي، صرنا في أمسّ الحاجة إلى تقييم أكثر واقعية وأكثر اتزانًا لكل ما نحتاجه في حروبنا المستقبلية. فبدلاً من الحفاظ على قوتين للاحتلال، قررنا أن نركِّز أكثر على آلية الردع. كما قررنا الاستغناء عن قوة واحدة من القوتين، حتى نوفر جهودنا ومواردنا "للآخر" الذي هو في طريقه إلى التربص بنا)
3. قرَّرنا كذلك هجْر الإستراتيجية القديمة القائمة على "التهديد"، تلك الإستراتيجية التي ظلت مسيطرة على خططنا الدفاعية لأكثر من نصف قرن.. والبدء في انتهاج اقتراب جديد قائم على "القدرات"، حيث يتصف الأخير بسياسة أقل تركيزًا على من يمكن أن يهددنا، أو أين، وأكثر تركيزًا على كيف يمكن أن يهددنا، وكيف يمكن أن نصده ونردعه.
وبالختام يلخص خطة البتناغون في تظرته للامن القومي الامريكي و يعتبر تلازم الامن في داخل أمريكا مع أمن مصالح امريكا في خارجها و لاينكن الفصل فيما بينها و يسمي الخطة ( الخطة السداسية):
إستراتيجية سداسية
قبل الهجوم الإرهابي على نيويورك وواشنطن، كنا قد أخذنا في قرارة أنفسنا، أنه من أجل الحفاظ على السلام والدفاع عن الحرية يجب على وزارة دفاعنا أن تحقق ستة أهداف إلزامية:
1) حماية الداخل الأمريكي، وحماية قواعدنا في الخارج.
2) الإبقاء على مستوى قوتنا في الأماكن البعيدة.
3) إفهام أعدائنا أنه ليس لديهم مأوى يحميهم منا؛ فيتأكدون أنه ليس هناك ركن، ولا جبل، ولا كهف سيمنعهم منا.
4) حماية شبكاتنا المعلوماتية من أي اختراق.
5) استخدام التكنولوجيا المعلوماتية لربط القوات الأمريكية المختلفة، وهو ما يؤهلها للقتال معًا في صف واحد.
6) الحفاظ على اتصال سهل وسلس بالفضاء الخارجي، وحماية قدراتنا الفضائية من أي هجوم غاشم. المصدر أسلام اون لاين (* المقالة مترجمة بتصرف من مجلة: الشؤون الخارجية Foreign Affairs، Vol.81، No. 3، مايو 2002، وعنوانها الأصلي: Transforming the Military)
هذه الاستراتيجية لصحاب القرار الأمريكي كان أفضل مجال لها لتطبيقها هو العراق ولهذا حاولت مراكز الدراسات و المفكرين أن يضعوا الآليات لتطبيق الأفكار الأمنية و العسكرية الاستراتيجية الجديدة، ولهذا تناقلت شبكة المعلومات الدولية دراسة( انتوني كورزدمان) رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن التي حددت في خلاصتها الاشتراطات المطلوبة أمريكيا لـ «أفغنة العراق» في مواجهة ما وصفته هذه الدراسة بالصعوبات الكبيرة التي تواجهها الإدارة الأمريكية الحالية في التعامل مع العراق وشن هجوم امريكي عليه، وقد عبر كورزدمان صراحة عن مخاوفه من انفراط عقد التحالف الأمريكي مع عدد من الدول العربية والإسلامية في مكافحة الإرهاب الدولي، لذلك اشترط خمس حالات يمكن للإدارة الأمريكية ان تنطلق منها في شن مثل هذا الهجوم الواسع، وخلاصتها:
1. أن تظهر الأداة الأمريكية دليلا دامغا على تورط العراق بالهجوم على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر الماضي.
2. أن تظهر الأداة الأمريكية دليلا دامغا على قيام العراق بتطوير برامجه لأسلحة الدمار الشامل.
3. أن تنقل الولايات المتحدة أقوالها الى أفعال بصدد القضية الفلسطينية.
4. أن يكون لها خطة مقنعة وموثوقا وسريعة (للنظام البديل) في العراق على ألا تكون من رموز المعارضة في الخارج.
5. أن تكون الولايات المتحدة جاهزة لتحمل ما سينجم عن ذلك من خسائر مادية وبشرية.
كل تلك الدراسات و غيرها تضعنا أمام حقيقة، ان العراق هو الساحة المناسبة لمعركة الإرهاب الشاملة، ويجب أن يكون هذا البلد هو مقبرة لكل الإرهابيين والقوى التي تعادي نظام العولمة، ويجب نقل المعركة من مركز العولمة العالمي في داخل الولايات المتحدة الى مكان اقل كلفة خارج الولايات المتحدة، فكلفة عملية واحدة فقط في 11 سبتمبر التي ما بقارب (100 مليار) دولار، لا يمكن أن تضاهيها، كلفة أي عملية تحدث مع الإرهاب العالمي خارج الولايات المتحدة الأمريكية، ولهذا اصبح من أولويات المخطط الاستراتيجي الأمريكي نقل معركة الإرهاب خارج نظام العولمة العالمي ( الولايات المتحدة والتحالف الغربي)، وعليه ان الاستراتيجية الأمريكية في العراق دخلت في مرحلة جديدة بعد 11 سبتمبر الا وهي التخطيط لمعركة الإرهاب الشاملة وسيتناول الحديث عنها في المرحلة القادمة.
صلاح التكمه جي
مركز دراسات جنوب العراق
[email protected]
[email protected]
- آخر تحديث :




التعليقات