تکاد تکون ترکيا أغرب دولة في العالم من حيث جمعها لخليط غير متجانس من التناقضات، فمن التشبث التوليتاري لجنرالات أنقرة بالخيار العلماني لکمال أتاتورک و ماينعکس عن ذلک من أوضاع فوقية و بنى تحتية لاتمتلک من جذور الاصالة شيئا، الى دغدغة البواطن الدفينة للأتراک بأمجاد بنو عثمان و السلاجقة من خلال ما رمى و يرمي إليه التيار الاسلامي الترک من عودة الزعامة الترکية للعالم الاسلامي و مايترتب على ذلک من( الرفاه ) و (التنمية) لعموم ترکيا. والحق أن لا نجم الدين أربکان يلام في ما کان يحلم به من" رفاه" ولا السيد أردوغان يعاتب على أحلام يقظته بالتنمية. إذ أن کلا الرجلين وليدي واقع مر حافل بالانکسارات و الانتکاسات المتلاحقة. فمن إقتصاد ردئ يعاني من إنزلاقات حادة في عموده الفقري و هو قاب قوسين أو أدنى من الشلل التام أو الانهيار، الى سياسة خارجية و داخلية حافلة بالإخفاقات و التراجعات من خلال سجل طويل حافل بسياسات غير مدروسة و لاجادة و واقعية وإنما تبنى على أسس مستقاة من نظرة ضيقة لما يجري في المنطقة و العالم. وقد کان الاداء السياسي الترکي السئ في مجال العلاقات السياسية مع واشنطن و الشأن العراقي، کان له أبلغ الاثر في زيارة السيد أردوغان لإسرائيل، والتي يراها البعض بمثابة نوع من المناورة الترکية مع الولايات المتحدة.
ومامن شک أن ترکيا تحتفظ بأقوى علاقات سياسية ـ إقتصاديةـ عسکرية مع إسرائيل من بين کل دول المنطقة. وبرغم الضرورات(الشرعية) المتعددة التي فرضتها الظروف الذاتية و الموضوعية على أنقرة من بعد سطوع نجم الاسلاميين على الشارع السياسي(الشعبي و الرسمي) الترکي بدءا من حزب الرفاه و السيد نجم الدين أربکان، وإنتهاءا بحزب العدالة و التنمية و السيد رجب طيب أردوغان، إلا أن کل ذلک لم يؤثر البتة في حجم و نوع و مسار العلاقات الترکية ـ الاسرائيلية بل وإنها ظلت تمضي قدما الى الامام مجتازة کل السواتر و العقبات المتباينة التي تصور العديد من المراقبين السياسيين أنها إيذان ببداية خريف العلاقة بين البلدين. لکن بدء عهد الحکم الاسلامي في ترکيا(بعد فترة إمتدت من سقوط الاستانة والى بداية التسعينات من القرن الماضي) بالمصافحة الشهيرة بين زعيم حزب الرفاه السيد نجم الدين أربکان و شريکته في الحکم السيدة تانسو شيلر، کانت بمثابة إعلان من حيث المبدأ عن إسلام سياسي يختلف کثيرا عن قرائنه المتواجدة في العالم الاسلامي. ومع کل تلک الهالة التي تم إسباغها من قبل بعض الدعاة الاصلاحيين على الحالة الاسلامية ـ الترکية على إنها تنويرية ومتماشية مع روح العصر، بيد أن ذلک کله کان أبعد مايکون عن جوهر حقيقة و مضامين الشعارات و المبادئ الفکرية التي بشرت و تبشر بها الحالة الاسلامية الترکية. ولعل من کان على إطلاع بأبسط القواعد الفقهية الاسلامية يدرک بجلاء أن الموقف الشرعي صريح و حدي في الکثير من الموارد وإن أحکامه مستقاة على أسس تمنح هذه الاحکام بعدا قدسيا ليس من الممکن إطلاقا تجاوزه أو القفز عليه، إلا أن مافعله أربکان کان إشعارا للجميع بخصوصية الحالة الترکية من حيث مقدرتها على الجمع بين الحلال و الحرام و المکروه و المستحب و المباح وإنتقاء مايناسبها تبعا لما يمليه عليها الظرف الذي تمر به. وقد حاول حزب العدالة و التنمية و من قبله حزب الرفاه أن يبرر الحالة الترکية و يمنحها القدر اللازم من الشرعية، إلا أن کل ذلک مايزال يمر بالاحزاب و الحرکات الاسلامية و هي فاغرة فمها من هذه الظاهرة الغريبة. ومن هنا أيضا کان أربکان و من بعده سلفه أردوغان يضعان کل الامور بکفة و العلاقات الترکية ـ الاسرائيلية بکفة اخرى. وقد کان تقديم عبد الله اوجلان مقيدا الى أنقرة من أبرز مکاسب و مآثر هذه العلاقة التي يبدو کما يظهر من ما يجري، أن کل الاطياف الاسلامية(مضافا إليها الجمهورية الاسلامية الايرانية)قد تفهمت الامر وتقبلته"على علاته!" ولم يکن السيد رجب طيب أردوغان قد فاجئ المراقبين السياسيين حين أکد مع زميله السيد اريل شارون على مسألتي محاربة الارهاب و عدم محاربة السامية، في حين أن الشارع الترکي عموما لايفقه شيئا من الذي يعنيه زعيم حزب العدالة و التنمية بعدم محاربة السامية! إلا أنه ليس من السهولة على سياسي ترکي يتخذ الاسلام خلفية فکرية لخطه السياسي، أن يصرح من وراء منبر إسرائيلي بمحاربة الارهاب(وفق اللحن الاسرائيلي) وکذلک عدم معاداة السامية(وفق المنظور الاسرائيلي أيضا)، من دون أن يکون قد قبض أو سيقبض شيئا ما بالمقابل. والذي يؤکد هذا الامر أن النظام العلماني الترکي قد بني من أساسه على رکيزة براغماتية بحتة، وهذا الارث تلقفه التيار الاسلامي الترکي ولم يحيد عنه قيد أنملة. ولعل السبب الاهم لهذه الزيارة الاستثنائية للزعيم الاسلامي الترکي لإسرائيل و في هذا الوقت بالذات، هو ماتعانيه العلاقات الترکية ـ الامريکية من بعض النکوص و التراجعات على أصعدة متباينة ولاسيما على صعيد الملف الکوردي. إذ أن الاشارات القوية التي باتت تزخر بها مراکز القرار الامريکي بخصوص الکورد، والتلکؤ الامريکي الواضح في إنهاء قوات مؤتمر الشعب(PKK) سابقا، رسما خطا أحمرا مقلقا بالنسبة لترکيا، بل وأن الاشارة في التقرير الامريکي السنوي بخصوص الارهاب الى مؤتمر الشعب و نيته في (تأسيس دولة ديموقراطية و مستقلة) للکورد کان کافيا لتدرک ترکيا أن ثمة شئ في الافق يلوح قد يحمل الشؤم لها. وعلى هذا الاساس جاءت زيارة السيد أردوغان لتل أبيب والتي مامن شک أن الملف الکوردي سيکون من المحاور المهمة التي أکد عليها الجانب الترکي أثناء المفاوضات بين الطرفين. بيد أن رئيس الوزراء الترکي قد لايدرک جيدا أن إسرائيل بالذات إن لم تدعم إنشاء الدولة الکوردية فهي على الاقل ترى من الغباء معاداتها أو الوقوف ضدها. وعلى هذا الاساس فقد يلعب الاسرائيليون ذات اللعبة التي لعبها الامريکيون قبل و بعد شروع الحملة العسکرية لإسقاط صدام، وهي التطمين وتهدئة الخاطر على أنه سوف لايحدث شئ!
کاتب و صحفي کوردي
مقيم في المانيا
[email protected]




التعليقات