من حق جميع القوى السياسية في العراق ان تتظاهر ان تؤيد ان تشكل تحالفات لتأييد اي قرار سياسي او اداري استراتيجي يتعلق بمستقبل العراق، فليس ذلك ببعيد عن اجواء الديمقراطية ان لم يكن يصب في صميمها... من حقها ان تمارس الضغوط على اصحاب القرار من حقها ان تكون معنية بالقرارات المصيرية للعراق، بل هو من واجباتها الوطنية تجاه الشعب العراقي وخصوصا اذا كانت المسالة تخص الجانب الدستوري نظرا لانه يتمتع باهمية قصوى في ترسيم ملامح الحياة الدستورية والحريات العامة والتداول السلمي للسطلة وبنفس الوقت له تاثير كبير في استقرار الجغرافية السياسية للعراق وبالتالي المستقبل السياسي العراقي بشكل عام على المدى البعيد.

وان كل من يحاول ان يشق طريقه باتجاه بوصلة الديمقراطية ويتوق الى الحياة المدنية لابدّ له من الاتكاء على دستور فاعل يرقى الى مستوى تحديات الواقع، يحفظ لكل جماعة بشرية مالها من حقوق ويطالبها بما عليها من استحقاقات... ويتمتع بمرونة تجعله مهيئا لاستيعاب التحولات المستقبلية في بلد مثل العراق.

تعاقبت على عرش القانون العراقي ( طيلة المائة سنة الاخيرة ) اربعة دساتير كانت جميعها بعيدة عن الواقع وبالاولوية فهي ابعد عن الطموح مع الاحتفاظ ( بكل تاكيد ) بتفاوت النسب فيما بينها:

اما الدستور الاول فكان عام ـ 1925 م ـ اي في الحقبة الملكية، والاخر كان بعيد سقوط الملكية ـ 1958 ـ استمر هذا الاخير حتى سقوط الزعيم عبد الكريم قاسم ـ 1963 م ـ فكتب حينها الدستور الثالث الذي اعدّ تناسبا للفترة العارفية التي دامت حتى عام ـ 1968 ـ اما الرابع فكان قد اعدّ عام ـ 1970 م ـ وفقا لتصورات الحزب الحاكم آنذاك بطبيعة الامر.

والملاحظ ان ما يميز الدساتير الثلاثة الاخيرة هو انها تنص وبوضوح على ربط السلطات الثلاثة في نقطة ارتكاز واحدة يعود لها الجميع بطريقة تتحول فيها السلطات الثلاثة الى سلطة واحدة ( تنفيذية ) تقنن وتنفذّ ثم تقاضي الاخرين اي انها باختصار (... فيك الخصام وانت الخصم والحكم ).

اما الدستور الاول فمع انه ممضى من قبل مجلس برلماني منتخب ( بخلاف الاخريات ) الا انه يرجع في اغلب قراراته الحاسمة الى عادة دساتير الجمهورية العراقية الثلاثة التي اعقبته وبهذا يكون القانون سلاحا ذو حدين يستخدم غطاءا يمنح الشرعية لقرارات ما كان لها ان تصدر.

والذي يشغل بال المواطن العراقي حول الدستور الخامس ليس فقط هو التنصيص على فصل السلطات الثلاث، بل في مدى فاعلية الجماعات الرقابية على ضمان تفعيل مادة من هذا القبيل بحيث لا تتحول بين ليلية وضحاها الى حروف على ورق... حتى مع الاخذ بعين الاعتبار مشروعية التخبط والارباك الذي يحف تحركات الحكومة العراقية الناشئة في بداية المشوار خصوصا اذا ما لاحظنا غياب الارشيف الديمقراطي في مختلف مراحل الدولة العراقية الحديثة.

الدستور القادم ( وبعيدا عن كل الاعتراضات المعلنة من قبل مختلف التيارات العراقية ) هل يتكفل ياترى بتفعيل دور الرقابة الذاتية لحفظ الحياة الدستورية من دون ان يلتف عليها من قبل هذا المجلس او تلك المجموعة الحاكمة او ذلك الرئيس المعين او المنتخب...

ما يقلق المواطن العراقي هو ان يكون ذلك الدستور طائرا باجنحة مكسرة لا تقوده الى حيث يفترض به ان يصل فيهوي بين ادغال المرحلة الانتقالية يثير شفقة ورحمة المخلصين هذا الوطن، ويبقى يعاني من الثغرات التي رافقت قانون ادارة الدولة.

دعونا نطيل الوقوف في فقرات هذه اللوائح القانونية بشئ من التامل... فلنا الحق في ذلك، اذ اننا لم نعد نحتمل سياط الدكتاتوريات ( بشتى انواعها وليس السياسية فقط ) التي استنزفت العراق بثروته البشرية وموارده المالية.

ختاما لابد من القول: ان الوقاية ايها الوطنيون الف مرة خير من العلاج.

جمال الخرسان

كاتب عراقي

[email protected]