لما كان العراق بشرا وأرضا ومقدرات ولفترة تزيد على ثلاثة عقود طوع بنان دكتاتور أهوج استعدى عليه شعبه أولا، ثم دول الجيران المسلمة دولة دولة، لم نسمع من قادة هذه الدول ولا من وعاظ سلطانهم أن العراق عمق استراتيجي لهم في "نضالهم" من أجل فلسطين، كامل فلسطين من النهر إلى البحر. ولكن بعد الإطاحة بالدكتاتور، تسابق هؤلاء بالصراخ والويل والثبور على ضياع العمق الاستراتيجي في نضالهم من أجل القضية المركزية، هذا النضال الذي لم يحرر حتى اليوم إصبعا مربعا واحدا من أرض فلسطين، وكعادتهم استعان الزعماء الأشاوس بأجهزة مخابراتهم الشديدة البأس على أبناء جلدتها فقط، ونفذوا دون تردد نصيحتها الثمينة و ملخصها أن أبقوا على جرح العراق فاغرا نازفا تسلم أنظمتكم وتتثبت كراسيكم السرمدية. وتفتق حسهم القوموي و الاسلاموي وهم مذعورون، بغية اجتراح مأثرة استعادة العمق الاستراتيجي المفقود، تفتق على مقارعة الشعب العراقي ومعاقبته على التفرج على جلاده وهو يلاقي مصيره المسخرة، وستكون الحجة عند الضرورة، مقاومة المحتل، ومن يسقط قتيلا من العراقيين فقد سقط قضاء وقدرا.
ولما كانت مقاومة المحتل تستلزم مالا وجهدا فلابد من أن يستوفي ريع المقاومة استحقاقا نضاليا لا غبار عليه، فبعض دول الجوار هو الوريث الشرعي لتركة حزب صدام، وآخر يسعى لتوسيع رقعة سلطة ولاية الفقيه، وآخر يريد تحقيق مشاريعه الطورانية ورابعة الأثافي أيتام ولاية طالبان الأفغانية الذين استقدمتهم القوات المحتلة لمنازلتهم بعيدا عن أراضيها ووجدت في ارض الرافدين خير حلبة للصراع معها وتصفية حساباتها.
لقد اتفق جيراننا الأعزاء دون ميثاق موقع، وهم محقون، على أن العراق القادم عراق خطير عليهم، وجريرته أنه يبشر بنظام حكم ديمقراطي فيدرالي تعددي متحضر، وموصفات هكذا نظام هي ناقوس خطر محدق ينبغي درؤه، وسيكون سابقة لا عهد لهم بها، لذا فإن مهمة وأده تفوق تقديسا مهمة تحرير القبلة الأولى ومهد الرسالات. ولم يقصروا في ذلك وهذه شهادة لهم، فقاموا بتمويل وتأهيل وتنفيذ عمليات القتل اليومي بحق أطفال المواطن العراقي وذويه. ولم يفتهم طبعا تأكيد نفي قيامهم بذلك، لكن هذا المواطن العراقي الذي خبر أساليب جلاديه، و هي لا تختلف عن أساليب الأنظمة الدكتاتورية والشمولية الأخرى، يعرف من هم القتلة الذين تنوعت أهدافهم ما بين صدامي يسعى إلى عودة فردوسه الديكتاتوري، ومتطرف متخلف العقل و العقيدة متلهف إلى الحور العين السبعين بالتمام والكمال، و عروبي ينادي بالرسالة الخالدة وهو القُطري الفج، وحاله هو حال "عدو" الشيطان الأكبر الذي يفزعه مصير مماثل لمصير "فارس" الأمة دكتاتور العراق.
إن مطلب هذا المواطن العراقي الآن مطلب ليس بعسير إلا على دهاقنة السياسة ومولعي الحوار داخل الغرف الدبلوماسية المغلقة، مطلب ينادي به؛ ألا افتحوا ملفات هذه الأنظمة " الدول" الجارة، افتحوها للجماهير العراقية المسبية ليل نهار.
أن مقولة ليس كل ما هو معروف يباح به علنا، لا تجد لها مبررا أمام جرائم يومية مروعة ومنكرة ترتكب بكل وعي وتصميم، والكلام هنا موجه إلى السيد جلال الطالباني رئيس الجمهورية، خصوصا بعد تصريحه في العاصمة الأردنية الذي أكد فيه " أن هناك تدخلا غير محدود ولا أريد تسميته ولكنه موجود وموثق باعترافات، وضباطٍ معتقلين و وثائق وقعت بأيدينا". وقبل ذلك حذر رئيس الجمهورية الجيران، من الحجارة العراقية ولكنه أكد حرصه على عدم استعمالها.
ليس هناك من مواطن يقدر الظرف العصيب الذي يمر به بلدنا يريد رمي الجيران بالحجارة فهم بالتالي اخوتنا بإحدى الآصرتين، الدين والقومية، أو بكليهما. ولكن في الوقت نفسه يريد الاطلاع على تفاصيل التدخل غير المحدود، والاعترافات الموثقة، وهذا حق مشروع لمن يوسد الثرى يوميا بقايا أشلاء شهدائه علي أيدي"اخوته" العرب و المسلمين.
[email protected]
- آخر تحديث :




التعليقات