قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أحس الجميع وقع تصريحاته و تأثيرها، التي كانت بمثابة إنفجار قنبلة من وزن ثقيل، أريد لها أن تصيب أكبر عدد من الأهداف. بهذا الشكل، يجب وصف تصريحات نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام لقناة laquo; العربيةraquo; في نهاية العام المنصرم. حديث خدام كان بليغاً و متقناً، بحيث لا يقبل التأويل. إستشاطت دمشق غضبأً، و إهتزت على إثرها جميع أركان القصر الجمهوري في حالة غير مسبوقة من عدم التوازن. هذا طبيعي و مبرر، لأنهم يعرفون من فجر القنبلة، إنه السيد عبد الحليم خدام، أحد أبرز رموز النظام السياسي في سوريا، و يعرف قبل غيره، كيف سيرت السياسة السورية لأكثر من أربعة عقود من حكم البعث.

كان الرئيس الراحل حافظ الأسد يحرص على أن يمر زائريه من مكتب نائبه عبد الحليم خدام قبل لقاءهم. خدام كان مؤشر البوصلة في جهاز الحكم، مما شكل من الإثنان دويتو فريد من نوعه في كيفية إدارة دولة، و تمرير سياساتها ببراغماتية قل نظيرها. و مع وفاة أحدهما و إستنكاف الأخر، فقدت سوريا الحساسية في إختيار الإتجاه، و بدأت مسلسل الهزائم تتوالى أمام الإنظار. أصبح جلياً مع أخر المتحدثين، أن خدام كان ضد التمديد للرئيس إيميل لحود، و كان يدرك عواقب و نتائج هكذا موقف من دمشق، ربما كان يشعر و يدرك بوحي من تجربة غزيرة، كيف غيرت حركة التاريخ مسارها، و كيف تغيرت موازين القوى و معادلاتها. كان يستشعر التبدل و التغير في العالم، إنه لايبدو كما عايشه مع حافظ الأسد، و هناك أكثر من معطى و مؤشر على ذلك. عرف خدام أن الحرب الباردة قد إنتهت مع رحيل أخر الرفاق السوفيت في الكريملن، و أدرك أن الولايات المتحدة الأمريكية في جردة حساب مع أعداء الأمس، ممن يريدون أن يصبحوا أصدقاء اليوم، دون أن يدفعوا رسم الدخول الى عالم اليوم. قرأ خدام المتغيرات الدولية، و حذر من عواقب الإستغفال السوري حيالها، فأدرك سبب خروج الإسرائيلين على عجل من جنوب لبنان، و أحسن في تدقيق النوايا الأمريكية حيال نظام صدام حسين، و المنطقة برمتها، فطلب مراجعة شاملة للسياسة السورية على كلا الصعيدين، الداخلي و الخارجي.
و عندما بدا لخدام أن المقربين من الرئيس، لا يبدون أي إهتمام لنصائحه، و يسعون الى تقليم أظافره، و تالياً تحييده على وزن المحاربين القدامى، آثر الإنسحاب بهدوء الى باريس للتأمل، و إعادة القراءة من جديد للمستقبل، الذي لا يبدوا صحواً على الإطلاق.
علينا أن لا ننسى هنا، أحوال المعترضين. خدام كان عليه، وفق منطق الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي، أن يلتزم داره، وأن يحبس أنفاسه، و أن يشتري حياته كما يقال، كلما أراد أن يلعب دوراً ما. إلا أن الرجل لم يستطع فعل ما يجب فعله، حسب رغبة القصر و المقربين، فاستمر في علاقاته مع آل الحريري في باريس، تسمر معهم، و تغدى على مائدتهم، و أوثق من علاقته بهم،الأمر الذي أغاظ من في القصر الجمهوري في دمشق، في ظل إتهامات سعد الحريري و آل حركة 14 شباط في لبنان ضد دمشق، و بعد أن مرت نشوة النصر الهسامي السوري، دون أن تفقع عين أحد.

شعر خدام في لحظة ما، أنه مستهدف، و من حذره ليس صديق غيور، أو متشمت حاقد على بشار، و إنما إستخباراتيون فرنسيون، و هنا يقرر توقيت القنبلة و قلب المنقلة، و أراد لها أن تكون مدوية، من وزن خدام في زمن حافظ الأسد، حتى يعرف الجميع مع من يتعاملون.

يقرر السيد عبد الحليم خدام تفجير القنبلة، و هو يعلم بوجود ثلاثة مراقبين. الأول، الحكومة الفرنسية التي سوف تتعهد بحمايته و تبنيه، و الثاني، هي اللجنة الدولية الخاصة بالتحقيق في جريمة إغتيال رفيق الحريري برئاسة سيرج براميرتس الذي سوف يتكفل بقياس قوة إنفجار القنبلة و مدى بلوغ الهدف، و الثالث هو الشعب السوري الذي يجب عليه أن يرى، كيف جرت عليه الأمور في بلادهم، في ظل حكم الرئيس بشار الأسد.

فجرت القنبلة في باريس على يد عبد الحليم خدام، و أعلنت القيادة السورية وصول شظاياها الى قلب العاصمة في دمشق. لقد تسبب الإنفجار في حالة من الفوضى و الإنفعالات الإرتجالية في هرم السلطة، فالشظايا أصابت الجميع، المايسترو و العازفين الأساسيين. و تتعالى الأصوات و الصراخ في مجلس الشعب السوري،الذي إنعقد على عجل و تقرر إطلاق واحد و عشرين قذيفة quot; خيانةquot; ضده، و تقرر أيضاَ إقامة الدعوى على خدام بتهمة الفساد، و يتم في جلسة غير منعقدة للقيادة القومية لحزب البعث طرده من الحزب و إعتباره quot; خائناً quot; و quot; مس المشاعر الوطنية و القومية للأمة العربية.. quot;.
و بعد برهة من الزمن، ينهمك الجميع في إحصاء الخسائر. خدام قصد في حديثه، الرئيس الذي إتخذ قرارات إنفعالية، و غالباً ما ندم عليها، و خاصة تهديداته القاسية لرفيق الحريري، فضلاً عنو ثلة المقربين، ممن ورطوا الرئيس في إتخاذ القرارات الخاطئة، و تسببوا في أزمة النظام الداخلية و الدولية، و هم جميعاً ما يزالون يترقبون خسائر جديدة. و يأتي ما ليس في الحسبان، عندما تقرر اللجنة الدولية الخاصة، طلب الإستماع الى الرئيس و الشرع، للنظر في ما قاله خدام و ما سيقوله لاحقا،ً عندما تستمع إليه بتفصيل أكثر ليفصح عن ما هو أعظم و أدهى من ما تم الإفصاح عنه. و عليه تستحق قنبلة عبد الحليم خدام وصفها، بقنبلة العام الجديد، و إن فجرها في نهاية العام المنصرم.

زيور العمر

* كاتب كوردي سوري

1-2006