قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

والحق يقال نحن قوم لا نقصر أبدا في واجب الاحتفاء بذكري عظمائنا الراحلين. فالسرادقات منصوبة والمهرجانات مقامة على مدار العام.
ولكن بعد أن يدلي كل بدلوه: مقالات طويلة تدبج وخطب عصماء تلقي وأحاديث معادة تسجل، كلها تشيد بعظمة الراحل، ماذا يتبقي يا تري؟!
الهيئات التي تمجد استنارة وشجاعة وانفتاح طه حسين ولطفي السيد وسلامة موسي، لا تحرك ساكنا من أجل وقف الهجمات التتارية لتيارات الجمود والتخلف والانغلاق. بل تشارك في عملية التغييب العقلي والفكري الكامل لمجتمع بأسره.
المؤسسات التي تتغني بعظمة بيرم وأم كلثوم والسنباطي، تقف متفرجة تشارك الأجيال الصاعدة في التهليل لأصوات نشاز تردد كلمات مسفة على خلفية من ضوضاء مزعجة.
الجهات التي تتفاخر بالإعجاز المعماري للمصري القديم وبإبداعات مختار والسجيني، تغمض الطرف عن نماذج القبح المسماه بالتماثيل، المغروسة في كل ميدان بل وتجزل العطاء لصانعيها.
فما فائدة الذكري إذن؟
ألم يهدنا هؤلاء الخالدون نبتة لنرعاها ونحنو عليها فتورق وتزدهر وتثمر؟! ألم يودعوا لدينا وزنة لنستثمرها فتزداد وتتضاعف؟!
راودتني هذه الخواطر مع حلول ذكري رحيل رجل من أخلص أبناء مصر : د. عادل أبو زهرة. ولإحساسي الدائم أن هذا الإنسان العظيم لم يحظ خلال حياته القصيرة على الأرض بالقدر الذي يستحقه من معرفة الناس به وبرسالته، فقد كتبت عنه في الذكري الأولي والثانية لوفاته. ولذا وللوهلة الأولي فقد أسعدني أن ألمح في صفحة الرأي بجريدة وطني عدد 11/12/2005 مقالا بعنوان: د. عادل أبو زهرة الحاضر الغائب بإمضاء كاتب صحفي يتضح من إسمه أنه يمت بصلة القرابة للراحل الكريم.
وجدت أن الكاتب الفاضل قد شرفني بنقل مقالتي عن د. أبو زهرة المنشورة في ملحق المهجر بجريدة وطني بتاريخ 31/10/2004. كاملة.
ومن ضمن ما نقله ما أشرت إليه من أن آخر ما كتبه الراحل الكريم كان شرحا لأصول الكتابة العلمية وما يجب أن تلتزم به من قواعد وأن تتحلي به من دقة وأمانة.
ولكن للأسف الشديد فإن كاتب المقال قد تجاهل تماما وصية د. أبو زهرة الأخيرة:
فمن جهة أغفل ذكر إسم من نقل عنه هذا المقال. ومن جهة أخرى لم يعني بوضع الكلام المنقول بين علامات تنصيص كما تقتضي أبسط قواعد الدقة والأمانة في الكتابة. بل زاد على ذلك بأن أدخل من عنده بعض الإضافات على النص المنقول بحذافيره ( ومع احترامي له فإن جزءا منها لم أكن أرغب في أن يقال عن لساني). بحيث لم يعد هناك حدود فاصلة بين أفكاره وأسلوبه وأفكار غيره وأسلوبه بل صار الكلام كله quot;سداح مداحquot;.
هذه نقطة في بحر.. ذرة رمل في صحراء.. مثل صغير لما يجري كل يوم من وضع اليد على أعمال وأفكار وكتابات الغير. ممارسة طالت حتى الرسائل العلمية، فأصبحت لا تثير أي قدر من الاهتمام أو الاستغراب ولا تساوي عند الكثيرين جهد الاحتجاج عليها.
تبلدنا من كثرة ما نري ونسمع في هذا الزمن العجيب:
زمن لا يفوتنا فيه إقامة الاحتفاليات بأصحاب الرسالات والقيم ولا يفوتنا أيضا أن نضرب عرض الحائط بكل ما في رسالاتهم من قيم.

ليلي فريد
بريطانيا
[email protected]