تداعيات ما بعد الإعدام:
يا أيها الناس من كانَ يحبُ صداماً فإنَّ صداماً قد مات. ومن كان يحبُ السلام فإن السلام باق إلى الأبد.


جففت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان منابع أنهار الحقد والبغضاء والضغينة التي يكنها المتشددون والمتطرفون من السنة والشيعة لبعضهم البعض بشكل خرافي واسطوري، بل فاق كل الاساطير والحكايات التي سمعنا عنها منذ الصغر.. في تلك الأثناء أرتفع سهم العمامة السوداء والبيضاء في سوق التنافس بين الطائفتين ودقت أجراس ميلاد فجر شيعي جديد لتكتب الأقدار تأريخا وفصلاً جديداً مكملاً لفصل الثورة الإسلامية في جمهورية إيران الإسلامية عام 1979 على يد آية الله العظمى روح الله الخميني عندما أصطفت الأصوات وأرتفعت الأعلام حول الراحل الخميني الذي أطاح بالنظام الملكي الدستوري، تحت الشاه محمد رضا بهلوي، لتتحول إيران الملكية إلى جمهورية إسلامية. وعلى الرغم من أن الرؤية الدولية للثورة الإيرانية كانت تتلخص في كون تلك الثورة المسؤولة عن بدء حقبة الأصولية الإسلامية في الشرق الأوسط من حزب الله إلى تنظيم القاعدة مروراً بما يعرف بالجماعات الجهادية التي انتشرت كانتشار النار في الهشيم في أنحاء متفرقة من العالم. أقول على الرغم من كل ذلك إلا أن مثقفين وإعلاميين وساسة والسواد الأعظم من الجمهور العربي والإسلامي ألتف حول تلك الثورة..


.. وبالأمس القريب أيضاً رفرفت أعلام quot;الروافضquot; فوق بنايات الخرطوم وفي قلب العاصمة صنعاء، بل دخلت عرين السنة في قلب الأزهر صور زعيم حزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله quot; الرمزquot; العربي الإسلامي- وما أكثرها رموزنا العربية والإسلامية- الذي تهاتفت عليه الجموع من كل حدب وصوب لعلها تجد فيه مُنقذ هذه الأمة النائمة تحت ركام التخلف والتشرذم، ولكن سرعان ما انتهى شهر العسل بين الطائفتين وعادت ريما إلى عادتها القديمة، وكأنك يا أبو زيد ما غزيت، وعادت بالتالي عشرات بل مئات التهم الجاهزة والتي أُزيح الستار عن بعضها لأول مرة تتقاذفها الأيادي وترددها الألسن ببغبغاوية قل نظيرها وبمفردات هجرت الأبجدية العربية الرسمية وغير الرسمية.
عادت اليوم السذاجة والتخلف ونشر الأكاذيب والادعات من خلال فن الإشاعات الذي نجح فيه النظام العربي على مدى سنوات الهزائم.
عادت تلكم الشتائم والمهاترات ضد الشيعة تظهر من جديد بُعيدَ سقوط رقبة صدام من حبل المشنقة، عادت وعاد معها الصراع السني ndash; الشيعي المتجذر مُتجدداً في قلوب شباب اليوم الذي يردد أغلبه كلمات طائفية يتلقفها من بعض وسائل الإعلام العربي الطائفي؛ فأغلبهم على سبيل المثال لا يعرف لماذا يدعى الشيعة بـquot;الروافضquot; ولماذا يوصفون اليوم بـquot;الصفويينquot; وهم بذلك لا يفقهون شيئاً من التأريخ الإسلامي اللهم سوى السقيفة والإقتتال حول أحقية خلافة رسول الله(ص)؟!

إيران والتحول من مشكلة العرب الأزلية إلى quot;الرمز الثوريquot;..!
لعل من أكثر المفارقات حقاً أن تُدخل الثورة الإسلامية الإيرانية في صلب أهتماماتها ومشاريعها المستقبلية منذ البدء، القضية الفلسطينية، لتكون تلك القضية المشعل الذي تحمله إيران إلإسلامية في طريق ثورتها ولتسير خلفها جموع الشعوب العربية والإسلامية في لوحة سوريالية معلقة على جدار الصمت العربي المخيف، حيث يعيش العرب مراحل التفكك والتمزق وعدم الإتفاق على أبسط قضاياهم المصيرية الأمر الذي أدى في النهاية إلى خروج قضية العرب الأولى (فلسطين)من تحت العباءة العربية إلى النطاق الإسلامي الأشمل بل والإيراني على وجه التحديد.
وقد يكون التفوق الإيراني في دعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية واخيراً العراقية، قد عزز من أرصدتها في السوق العربية الإسلامية حتى باتت شعارات أحمدي نجاد (الموت لإسرائيل وأمريكا) وخطبه السياسية الرنانة وتحدياته الكونية تستقطب ملايين الشباب في الشارعين الشيعي والسني على حد سواء؛ وبذلك بدأت مرحلة جديدة رسخت فهماً ووعياً وإدراكاً جعل من إيران الشيعية الرمز المنتظر والقائد المُنقذ والمخلص لإمة الأعراب الغافية على شواطىء النسيان! وكم هي بحاجة ( أمة العرب) إلى ذلك الرمز وذلك المُنقذ المنتظر!!
بالمجمل كان لإيران ولحزب الله اللبناني قصب السبق في ردم الهوة والتجسير لعبور المطبات التأريخية بين الشيعة والسنة على الرغم مما كان يشوب العلاقات العربية الإيرانية من توجس وحذر وإنعدام كامل للثقة بين الجانبين خاصة بعد الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 والنصر المزعوم (للقائد الضرورة) على إيران والحجج التي كان يسوقها النظام وقتذاك لتخويف العرب من المد الثوري الإيراني.

رقبة صدام السبب؟!
ما قامت به إيران وما فعله حزب الله اللبناني خلال معركته التي أجتمع حولها وصفق لها راديكاليو هذه الأمة وهلَل لها عرابو تلك الحرب ومعهم مرة أخرى الإعلام العربي وبعض وسائله الطائفية، وما قام به مئات المفكرين والمعتدلين من الطائفتين وماحصل من تقارب شيعي- سني غير مسبوق في الفترة الأخيرة، بالاضافة إلى عشرات المؤتمرات والندوات واللقاءات التلفازية المصورة وغير المصورة، والزيارات التقاربية للمرجعيات، كل ذلك وأكثر ربما تكون الحكومة العراقية -بعدم دراية أو معرفة- قد أعدمته برصاصة الرحمة أو بالحبل الذي لف حول رقبة صدام.

السبيل إلى التقارب وردم الهوة:
إن ما يقع على عاتق كل الأطراف من مسؤوليات سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة والتي تعد من التحديات المشتركة التي تتطلب حلاً شاملاً ومنسقاً لن يكون بالفرقة والتطبيل لزعيم رمز أو البكاء على زعيم أنتهى إلى حيث لا رجعة، بل بالجلوس على طاولة الحوار وكشف الأقنعة عن الوجوه ورمي حجارة الطائفية بعيداً والابتعاد عن تلكم القضايا التأريخية سبب الفرقة التي مللَنا منها وملَ العالم منا بسببها؛ لكثرة ما رددناها في كل مناسبة..
على عقلاء هذه الأمة استعادة أنفاس السلام والتعايش بين الأديان والطوائف، ونبذ الفرقة والتشتت بين أبناء الدين الواحد
وعدم استنشاق أوكسجين الطائفية الذي صار يملأ الأجواء من حولنا. و لتكن المصداقية والشفافية والإنفتاح على الآخر ممارسات فعلية تقود للوصول إلى الهدف المرجو تحقيقه.
كما يجب الأبتعاد عن تلك الشخصيات المتطرفة المريضة المصابة بحالة إنحراف قسري في محور الارتكاز.
لقد طال تيهان هذه الأمة وزاد تشرذمها بسبب وقائع وأحداث وروايات تأريخية أكل الزمان عليها وشرب و صارت شماعات تُعلق عليها أخطاء هذا الطرف أو ذاك؟ والسؤال هنا: إلى متى؟!
وأخيراً نقول: يا أيها الناس من كانَ يحبُ صداماً فإنَّ صداماً قد مات. ومن كان يحبُ السلام والتعايش مع الآخر فإن السلام باق إلى الأبد.

معد الشمري
صحافي وإعلامي
[email protected]