قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

من الواضح أن الأحداث السياسة في العراق وفلسطين ولبنان خلال السنوات السابقة ولاسيما السنة الأخيرة قد تركت تداعياتها على الكثير من النواحي ومن بينها الناحية الدينية المذهبية. حيث يبرز بشكل جلي الاهتمام الشعبي المتزايد وخاصة في فلسطين بالموضوع المذهبي بالرغم من أن فلسطين والحمد لله لم ولا تشهد خلافاً مذهبياً واقصد هنا الخلاف الشيعي والسني. ويمكن القول إن الاهتمام بهذا الموضوع كان سابقاً مقتصراً على فقهاء الدين، أو رجال السياسة أو المؤرخين ولم يتعد النقاش حوله قاعات الدراسة الجامعية، أو صالونات المثقفين. ولا بد من الإشارة هنا أننا حاولنا أن نطرح سؤالاً على طلبتنا في إحدى محاضراتنا حول العراق يتمثل فيمن أعطى منهم اهتماماً ولو يسيراً بموضوع السنة والشيعة والاتفاق أو الاختلاف بينهما فقهياً قبل سنة 2003م (سقوط بغداد)؟ كان من أجاب بالإيجاب أربعة فقط من نحو خمسين. بل قد لا نكون مجافيين للحقيقة لو قلنا أن العديد من الطلبة لم يكن يميز بين الشيوعيين والشيعة. كما أننا أصبحنا نقرأ في بعض الصحف مقالات وموضوعات تتناول هذه الأمور، إضافة إلى ترديد مصطلح quot;شيعةquot; كاتهام للغير في مهرجانات شعبية جرت في فلسطين في مناسبات وطنية حديثاً. حيث بدأ ذلك يبرز على مستوى شعبي quot;شارعيquot; في النقاشات والاتهامات نظراً للصراع السياسي والاستقطاب الثنائي الحاد الذي تشهده الساحة الفلسطينية. ولا بد من الإشارة هنا أن حركة حماس قد قامت في إحدى النشرات الإعلامية التي وزعتها حديثاً بنشر صورة للشيخ دولة رئيس الوزراء كتب فوقها عنواناً يحمل مثل هذه العبارة أو شبيهة بها لا أذكرها بالضبط quot;صورة بمليار دولارquot;، كما حملت الصورة عنواناً أخر يقول: quot;لكم دينكم ولي دينquot;، والصورة تبرز الشيخ إسماعيل هنية وهو جالس فيما يصلي مصلون آخرون، ويبدو أن هذه الصورة قد صورت له في إحدى المساجد في زيارته الأخيرة لإيران. ويبدو من صيغة العنوانين أنهما يحملان رداً حمساوياً على من يتهم حركة حماس بالتشيع، وأن الصورة تفصح أن الالتقاء بين حركة حماس وإيران هو التقاء سياسي وليس دينياً. والصورة وما كتب فوقها يبرز أن حركة حماس تولي الموضوع أهمية كبيرة لاسيما وأننا نعيش في مجتمع يغلب عليه العاطفة، والانجرار السريع وراء الإشاعات وحملات التشويه التي تتبادلها الفصائل الفلسطينية لاسيما الكبيرة منها في التنافس الدائر بينها على السلطة. وأن هذا الموضع يعد أيضاً موضوعاً حساساً في مجتمع يغلب عليه المحافظة والتدين، ويغلب عليه التصديق والتقبل دون بذل أدنى جهد من التمحيص والبحث. ونحن هنا في هذه المقال لا نهدف إلى معالجة الموضوع فقهياً فهذا ليس من صميم اختصاصنا بل نحاول أن نقرأ تداعيات هذا الموضع شعبياً وكيف يتم توظيفه سياسياً على المستوى الرسمي والشعبي.

ولابد من القول إن هذا الموضوع ينتابه التناقضات، وكما يقول المثل فقد انقلب السحر على الساحر. فالذي يُتهم اليوم بالتشيع من قبل الخصوم السياسيين كان يتهم في بداية الثمانينات فصيلاً إسلامياً أخر كان يربطه آنذاك بإيران علاقات جيدة بالتشيع. ولكن هذه الاتهامات لم تأخذ بعداً شعبياً كبيراً كما هي عليه الآن لأن ذلك الفصيل كان صغيراً في تلك الفترة وليس له امتداداً جماهيرياً كبيراً، وثانياً لأن الشعب الفلسطيني كان في تلك الفترة مندفعاً بمعظم أفراده انتماءاً أو تعاطفاً أو توجهاً على الأقل نحو منظمة التحرير الفلسطيني كإطار علماني لا يفتح حيزاً كبيراً للبعد الديني أو المذهبي، وثالثاً أن الشعب الفلسطيني لم يكن على درجة كبيرة من الوعي والثقافة كما هو عليه الآن بعد تعدد الجامعات، وغزو التلفزيون والفضائيات والانترنت لأبنائه في عقر دارهم. ومن هنا بقي هذه الخلاف بين الفصيلين الإسلاميين: الفصيل الأم من ناحية، والفصيل المتهم بالانشقاق من ناحية أخرى في إطار محدود ونخبوي، ولم يأخذ البعد الجماهيري كما هو عليه الآن.

ويمكن القول هنا أن الشارع الفلسطيني يتسم بالتناقض بهذا الخصوص، حيث أن ما يرد من اهتمام بالموضوع لا يتعدى ترديد عبارات تُسمع من صديق هنا أو هناك، أو فتوى هنا أو هناك، أو فضائية هنا أو هناك، أو خطبة جمعة من خطيب واعي أو غير واعي هنا وهناك. وأن الأمر لم يتعد فهماً سطحياً للموضوع، أو ترديداً ببغائياً لعبارات مبهمة ومشوهة بعيدة عن العمق، وأنها تأتي من باب التوظيف السياسي بعيداً عن الدراسة الفقهية المتخصصة والواعية. فمن التناقض الواضح شعبياً أن الميول الشعبية قد اتجهت إلى شيعة لبنان وعلى رأسه حزب الله، بحيث حملت صور الزعيم حسن نصر الله، وعلقت هنا وهناك في حربه الأخيرة مع إسرائيل، وتحول الشيخ حسن نصر الله من زعيم حزب شيعي إلى زعيم قومي عربي. وبالطبع جاء التوجه الشعبي الكبير له في فلسطين لأسباب سياسية أي من باب دعم له في معركته ضد إسرائيل التي تشكل العدو الرئيس للشعب الفلسطيني. وهنا فإن الشارع الفلسطيني لم ينقسم تجاه الشيخ حسن نصر الله الذي برز لنا إعلامياً كزعيم سياسي أكثر منه كرجل دين وفقيه. ولذلك فإن هذه الصورة النمطية للشيخ حسن نصر الله في الوجدان الشعبي الفلسطيني لم يتم تناولها وتوظيفها سياسياً بين الأطراف، وبذلك لم توجه لحركة حماس مثلاً اتهامات في علاقاتها مع حزب الله بينما واجهت حركة حماس حملة تحريضية قوية بخصوص العلاقة مع إيران سواء على المستوي السياسي الرسمي الفلسطيني أو على الصعيد الفصائلي. وهذا يبرز أنه لا يوجد هناك محوراً شيعياً موحداً بل مواقف سياسية متباينة فبينما يقف شيعة العراق إلى جانب الولايات المتحدة في غزوها للعراق يقف شيعة لبنان ضد السياسة الأمريكية فيما يتسم موقف إيران بالغموض تجاه الوجود الأمريكي في العراق ومحاولة التناغم معه واقعياً وبين التصعيد في ملفها النووي دولياً.

كذلك يكمن التناقض على المستوى الشعبي الفلسطيني في الموقف من شيعة لبنان والموقف من شيعة العراق. فشيعة لبنان وعلى رأسهم الشيخ حسن نصر الله يلقون كل تعاطف في الوجدان الشعبي كما ذكر سابقاً بينما الشيعة في العراق يلقون كل نقد ولفظ ونقمة في الوجدان الشعبي الفلسطيني بسبب تحالفهم مع المحتل الأمريكي والبريطاني ضد العراق ولاسيما السنة فيه. وأن الشعب الفلسطيني الذي يعاني الاحتلال وويلاته لا يمكن أن يقبل بالاحتلال الأمريكي والبريطاني لبلد عربي شقيق كان داعماً للقضية الفلسطينية ويشكل ظهيراً لها. كما أن الجرائم التي يرتكبها شيعة العراق خاصة عصابات مقتدى الصدر ضد اللاجئين الفلسطينيين هناك قد ساهم في تفاقم وازدياد النقمة الشعبية الفلسطينية.

وبين هذا وذاك تقع إيران بين المعارضة والتأييد، فبينما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تقيم علاقات مع إيران منذ عهد الخميني، والتقاء الرئيس ياسر عرفات به ولكن منظمة التحرير سعت إلى توازن هذه العلاقة وعدم تجاوزها بأي حال من الأحوال العلاقات العربية، وسعياً من الرئيس الراحل عرفات الحفاظ على استقلالية القرار الفلسطيني وعدم الاندفاع به نحو المحاور. كما أن طبيعة منظمة التحرير الفلسطينية العلمانية قد ساهمت في رسم حدود هذه العلاقة تكتيكياً وعدم تجاوزها إلى تحالف استراتيجي. وبقيت تتراوح بين المد والجزر حسب المواقف السياسية وحسب التقاربات والتباعدات الفلسطينية العربية، والعربية الإيرانية. ولكن تشهد الساحة الفلسطينية الآن انقساماً حاداً على المستوى الرسمي والشعبي من إيران فبينما تقيم الحكومة الفلسطينية من خلال حركة حماس علاقات جيدة وتقارباً كبيراً مع إيران التي تشكل الداعم المالي الرئيس للحكومة منذ تشكيلها إضافة إلى الدعم السياسي فإن الرئاسة الفلسطينية ومن خلفها حركة فتح توجه الاتهامات لإيران بتدخلها في الشأن الداخلي الفلسطيني، وتنتقد حكومة حماس في إقامتها محوراً إيرانياً سورياً يشكل تهديداً للقرار الوطني الفلسطيني المستقل، ويلحق الضرر بالقضية الفلسطينية التي تحتاج إلى الانفتاح على المجتمع الدولي. وتنظر الرئاسة إلى أن إيران توظف الملف الفلسطيني في خدمة مصالحها الإقليمية والدولية لاسيما ملفها الأكثر جدلاً مع الغرب والولايات المتحدة وهو الملف النووي، وأنها تستخدم الملف كورقة ضغط عليهما. وقد حاول رئيس الحكومة درء الاتهامات الموجه لحكومته وحركته بهذه الخصوص فصرح بعد زيارته الأخيرة لإيران أن حكومته منفتحة على الكل، وإنها لم تجد الترحيب والدعم إلا من إيران فهل ترفض ذلك. وربما تدفع حكومة حماس ثمناً لموقفها هذا من حيث رفض المملكة العربية السعودية من التعامل مع الحركة رسمياً، وعدم منح الشيخ إسماعيل هنية استقبالاً رسمياً في المملكة العربية السعودية، وكذلك وبشكل حذر الموقف المصري والأردني الرسمي. كما تدفع حكومة وحركة حماس ثمن ذلك شعبياً من خلال استغلال حركة فتح للعلاقة الوطيدة بين الحكومة وإيران من أجل مهاجمة الحركة، وكيل الاتهامات لها بالتشيع الذي يلقي معارضة ونقمة شعبية ودينية عليها.

ولكن لا بد من الإشارة هنا إن السجال في فلسطين وحسب رأينا لا يخرج عن نطاق توظيف سياسي شعبي ساذج للبعد المذهبي السني والشيعي لأنه وكما ذكر سابقاً لا يوجد في المجتمع الفلسطيني انقساماً مذهبياً شيعياً سنياً بخلاف الحال في السعودية ودول الخليج الأخرى، وأن هذه الاتهامات والمناكفات لن تبحر بعيداً مجتمعياً وفكرياً وفقهياً وأنها ترتبط بتنافس آني سياسي بين حركتي حماس وفتح. وأن على حركة حماس أن تعي حدود العلاقة مع إيران، وأن تدرك تداعياتها السياسة داخلياً وخارجياً حتى لا يدفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً لمواقفه مثلما حدث في حرب الخليج سنة 1990-1991، وأن سعي حركة حماس لفك الحصار على حكومتها لا يكون بالدخول في نفق من التعقيدات الدولية، وأن التحليق بالقضية بعيداً عن قد يفقدها خصوصيتها الوطنية ويدخلها في تصنيفات وهويات عدة تزيدها تعقيداً وتأزماً. وأن تعي حدود الوجدان الشعبي الفلسطيني، وألا تغامر كثيراً في هذا الموضوع على حساب العلاقات العربية الفلسطينية. وألا تنجر إلى تحالفات ومحاور ربما ستدخل القضية الفلسطينية في متاهات النزاعات والاستقطابات الإقليمية والدولية. كما أن على حركة فتح عدم توظيف الملف المذهبي في معركتها السياسية مع حركة حماس حتى لا يتم الانجرار بعيداً به، وتدخل المجتمع الفلسطيني شعبياً في خضم صراعات فكرية ومذهبية تحيد به عن معركته الحقيقية ومشروعه الوطني. لأن اللعب على وتر ظاهرة مذهبية لا يعرفها مجتمعنا بشكل معمق، وليست جزء من نسيجه المجتمعي والمذهبي التاريخي والسياسي ستدخلنا في دوامة لا يعرف عقباها سوى الله سبحانه وتعالى.

أما على الصعيد الرسمي العربي فمن الواضح أن السياسة الرسمية العربية قد وظفت الخلاف المذهبي في خلافاتها السياسية. فمثلاً عارضت المملكة العربية السعودية العملية العسكرية التي قام بها حزب الله في يوليو وتم بموجبها خطف جنديين إسرائيليين وقتل آخرين، واعتبرت ذلك مغامرة، وقد وظفت إسرائيل الموقف السعودي وغيره من مواقف دول عربية أخرى في خدمة مصالحها الخاصة، وآلتها الإعلامية والسياسية خلال الحرب.

في فلسطين وجدنا من يعمل على إنشاء مجلس أعلى للشيعة في فلسطين ثم تم التراجع عن الخطوة بسبب المعارضة الشعبية لذلك. كذلك هناك دلائل على ازدياد التشيع في جمهورية مصر العربية وكذلك في سوريا. وحيث أن السعودية لاسيما في المناطق الشرقية منها تضم أعداداً لا بأس من الشيعة فإنها تعتبر أن ازدياد التشيع يمس بأمنها القومي لاسيما وأن التشيع قد يحمل في طياته تبعية ونفوذ إيراني يهدد استقرار المنطقة.

انجرت بعض الدولبقصد أو بدون قصد وراء المخطط الأمريكي الذي يهدف إلى ضرب الهوية العربية وتفكيكها، وضرب التيار القومي الذي ساد في العالم العربي منذ منتصف القرن الماضي إن لم يكن قبل ذلك والذي تجاوز المذهبية والطائفية وحاول تحقيق الوحدة العربية اعتماداً على وحدة العرق العربي، ووحدة التاريخ، واللغة والثقافة والماضي والمصير. ومن هنا فإن ما يشهده المشرق العربي الآن هو إعادة صياغة أمريكية للتحالفات والهويات. فهي لا تسعى فقط إلى فكفكة العالم العربية والقضاء على آماله وطموحاته القومية في الوحدة العربي بل تعمل على تفكيك الدول القطرية القائمة وانشطارها إلى كيانات مفككة متصارعة تعتمد على المذهبية والطائفية والعرقية. ومن هنا يمكن القول إن السياسة الأمريكية تقوم على تفكيك الهوية الوطنية والقومية في العالم العربي بما يعرف باسم نظرية الفوضى الخلاقة أو البناءة. وأن هذه السياسة تلقى صداً لها في بعض الدول العربية لاسيما المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية وجمهورية مصر العربية، وأن ذلك تجلى في تصريحات برزت إلى العلن من ملوك ورؤساء تلك الدول اتجاه إيران، والمحور الشيعي... الخ. وأن الإعلام الرسمي لتلك الدول، ومؤسساتها الدينية قد انطلق بناء على توجهات وأوامر سياسية في معالجة ظاهرة التشيع والتخويف منها في محاولة لمحاصرتها شعبياً وسياسياً وعسكرياً. وأن الإعلام الرسمي وغير الرسمي قد دفع بالقضية لأن تكون قضية شعبية تلوكها الألسن كبيرها وصغيرها، خواصها وعوامها، علمائها وجهالها.

لابد من الإشارة أخيراً أن على الشعب العربي عدم الانجرار وراء السياسة الأمريكية ومخططاتها، وعدم الاندفاع نحو حرب مذهبية وطائفية، وانه يجب الحفاظ على الهوية الوطنية والقومية واعتبار المذهب شأناً خاصاً وليس مثاراً للتمحور والتحزب. العراق لجميع أبناءه ولبنان لجميع أبناءه، وأن الانجرار للبعد المذهبي والطائفي سوف يؤدي إلى حروب أهلية لن تزيد العالم العربي سوى ضعفاً، ولن تزيد الاستعمار الأوروبي سوى قوة وشرسة في مهاجمة مقدرات الأمة العربية وتشطيرها إلى كيانات ضعيفة هزيلة متناحرة أكثر سوءاً من القطرية التي نعانيها.

د. خالد محمد صافي