قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

هناك ظاهرة معروفة في ميدان علم النفس الاجتماعي، والمرضي منه على وجه التحديد، تتمثل في عدم اعتراف المريض الذي أصيب فجأة بعاهة كبيرة- عاهة ستتحكم لاحقاً بصورة دائمة في قواه الحركية وعاداته اليومية، وربما في موقعه الوظيفي والاجتماعي- بالواقع المعاش، ورفض الانصياع لتعليمات الأطباء والمعالجين، بل التصرف أحياناً بعدوانية سافرة، يرمي بها صاحبها إقناع المحيطين، أو إجبارهم على الإقرار بأنه ما زال الشخص القوي المعافى، القادر على أداء مهامه على أكمل وجه. ويكون الموقف أكثر تعقيداً حينما يختلط الموقف بردات الفعل الناجمة عن المرض مع تصورات جنون العظمة، والهالة الزائفة التي كانت نتيجة تصرفات البطانة، ومجاملاتها الجوفاء، وتفاعلاتها مع مركب النقص، والرغبة العارمة في الهيمنة والتسلط لدى الشخص المعني.


ولكن مع مرور الوقت، ومع تزايد عدد الصدمات، يستفيق المريض رويداً رويداً، ويتأمل في وضعيته بواقعية أجدى؛ فيقر بجانب من التغيير الحاصل، ويصر على وقتية أو عدم صدقية الجانب الآخر. وهكذا تتوزع النوازع والهواجس. ومن الملاحظ أن الاستجابة لا تكون في مثل هذه الحالات واحدة، مشتركة، بل تأخذ أبعادا مختلفة، تتوقف إلى حد كبير على تجربة كل إنسان، وملامح شخصيته، وطبيعة التفاعل بين المحيط الخارجي والاستجابة الداخلية.


ما دفعني إلى هذا الاسترسال هو ما نلاحظه هذه الأيام في محاكمة أركان النظام العراقي السابق؛ فهؤلاء يبدو أنهم قد أدركوا، أو اعترفوا، من الداخل بهزيمتهم، وأيقنوا أن لغة الشعارات والمزايدات - التي كان طاقم فريق الدفاع يحرص على تسويقها - لم تعد تعط ثمارها، خاصة بعد أن فُتحت الملفات، وتبيّن للرأي العام المحلي والدولي مدى بشاعة الجرائم المرتكبة التي كانت بفعل الرغبة الجنونية في التمسك بالحكم، وبأية وسيلة. ومن أجل تجسيد هذه الرغبة، أقدمت الزمرة التي اغتصبت العراق وجميع مكوناته على مدى أكثر من ثلاثة عقود، على ممارسة كل الموبقات، وسعرّت الضغائن والأحقاد ضمن النسيج العراقي، وعرضت خدماتها - غير الجليلة - على دوائر القرار الدولي، مقابل الظفر بموافقة ما تمكنها من الاستمرار في التحكم والقتل.
إن ما نلاحظه في سلوكية أركان نظام صدام السابقين هو أن الكل يريد أن يتنصّل، ويعمل جاداً من أجل دفع التهمة عن نفسه وإلصاقها بالآخر؛ وذلك بعد أن سلموا بالأمر الواقع، وأدركوا، واعترفوا أن الحكم قد خرج من أيديهم، لذلك فالأفضل بالنسبة إليهم هو الخروج بأقل الخسائر، هذا على الرغم من صعوبة هذه المهمة، إن لم نقل استحالتها.


إننا لا نأتي بجديد، إذا قلنا ان محاكمة النظام العراقي السابق الجارية حالياً هي محاكمة فريدة وهامة، فضلا عن أنها واعدة ومنذرة لكل الأنظمة الاستبدادية الأخرى في المنطقة. وهي محاكمة مرحلة بذاتها، مع كل إفرازاتها المتشعبة المتواصلة على كل المستويات، لذلك من الصعب أن تعطي مثل هذه المحاكمة ثمارها المرجوة، ما لم يتم القطع مع عقلية النظام السابق ومنظومته المفهومية، وجملة ممارساته التي كانت تقوم على أساس فرض الرغبات والنزوات، واعتماد اسلوب تصفية الخصوم وإبعادهم.
كما ان الإغراق في الفساد والإفساد، سواء من قبل المسؤولين في الإدارة الجديدة، أم من المحتمين بهم، المستفيدين من الوضعية برمتها، يدفع بالناس إلى تساؤل مشروع، يتناول مصداقية وعود التغيير الديمقراطي، واحتمالات ما بعد المحاكمة.


لكن اللافت المؤرق في الوقت ذاته، هو اصرار مجموعة المستفيدين السابقين، والمستجدين، والمنتمين زوراً إلى الفكر وأهله، على التغني بالمآثر والأمجاد الزائفة؛ والتغاضي الوجداني - قبل البصري- عمّا ارتكبه نظام صدام من جرائم ندر أن يكون لها مثيل في تاريخنا المعاصر.
إن هؤلاء يثيرون التوجس والقلق بشأن المستقبل بسوية لا تقل خطورة عن جرائم صدام نفسها؛ فالذهنية التي تسوّغ الجريمة، وتشرعنها، وتدافع عنها، لا تقل فتكاً عن السلاح المستخدم، إن لم نقل أنها تظل الحاضنة التي تستمد منها جرائم الحقد المحلي بأسمائها المختلفة الزاد والنسغ.

د. عبدالباسط سيدا

[email protected]