قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تحتل القضية الفلسطينية مركز الصدارة بين القضايا العالمية الهامة ولهذا فقد وصفت بالقضية المركزية بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي، وحينما نتكلم عن رؤية واقعية فلا بد أن تكون فيها من الشمولية بحيث يتمكن الكاتب من إلقاء نظرة عامة على أكبر عدد ممكن من العوامل التي تؤثر على فرضية البحث الذي يركز عليه.

إن كاتب أي مقال لايمكن أن يعطي الموضوع حقه من البحث والتحليل والدراسة في مقال واحد ولكن بالإمكان وضع إطار عام من خلال المرور سريعاً على بعض العوامل ولهذا يتمنى الكاتب أن يضيء شمعة في الطريق لمن يريد أن يتوسع في البحث والدراسة حول الموضوع للوصول الى رؤية واقعية مبنية على إستراتيجيات وتكتيكات.

يقال في العلوم السلوكية إن أي قضية أو quot;مشكلة بحثquot; لابد أن تتاثر بالبيئة المحيطة بها ولهذا أردنا أن يكون المدخل لهذه الرؤية من خلال البيئة المحيطة وتجارب الآخرين.

إن فلسطين من الناحية الجغرافية لها حدود مع دول عربية وتسمى دول الطوق ولهذا ستكون البداية للتعرف على رؤية هذه الدول تجاه القضية من الممارسات والسياسات التي إتبعتها وكيف حررت نفسها من الإلتصاق الكامل بالقضية والدفاع عنها الى الإلتزام الجزئي بحيث بدأت هذه الدول تفكر بطريقة مختلفة عن الطرق التي إتبعها زعماء الحقبة التاريخية السابقة إبتداء من الاربعينات الى الخمسينات والستينات الخ...

ولنبدأ بأكبر دولة عربية وهي مصر وننطلق من موقفها تجاه قضية فلسطين وسنوجز قدر الامكان.

دخلت مصر عام 1948م الحرب مع إسرائيل من أجل تحرير فلسطين ثم عام 1956م، ثم حرب الهزيمة الكبرى في عام 1967م حيث وصلت القوات الاسرائيلية الى حدود قناة السويس وإستمر الصراع طويلا حتى تحقق بعض النصر في حرب أكتوبر عام 1973م وفيها إستطاعت مصر أن تستعيد ثقتها بنفسها وإستعاد الجيش ثقته أيضاً وبهذا يحق لكل عربي أن يفخر بالإنجاز الكبير مقارنة بالحروب السابقة التي كانت نتائجها سلبية.

أثناء الحرب إتضح للعديد من القادة السياسين والعسكريين أن القتال مع إسرائيل هو في الواقع قتال مع الدولة العظمى التي دعمت الكيان الصهيوني بالمال والعتاد والسلاح وحينها إتضحت الصورة التي جعلت الرئيس محمد أنور السادات أن يوافق على قرار وقف إطلاق النار والتفكير في حل أو تسوية أو مخرج مشرف من هذه الحرب التي هددت الإقتصاد المصري بالإنهيار، على إثرها بدأت مفاوضات عسكرية لفك الإشتباك بين القوات المصرية والإسرائيلية.

المهم بدأت القيادة المصرية تفكر بجدية لإستعادة الأراضي المصرية المحتلة في سيناء بالمفاوضات السلمية وجاءت زيارة الرئيس المصري للقدس وإلقاءه خطاب شهير في الكنيست الإسرائيلي بتاريخ 20 نوفمبر عام 1977م.

بدأت المفاوضات بين الجانبين وإستمرت لسنوات تم بموجبها إنسحاب إسرائيلي من سيناء ومن جميع الأراضي المصرية المحتلة، وإتضح للقيادات المصرية أهمية التفكير بواقعية لحل القضية وإستعادة الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، والإنفتاح على العالم وتنمية الإقتصاد وإعادة مشاريع البنية التحتية للتخلص من آثار الحرب المدمرة والتي كانت سبب في ضعف الإقتصاد وجميع أسس بناء الدولة القوية.

هذه تجربة أكبر دولة عربية إختارت طريق السلام لتحقيق مطالبها بدلاً من الحرب التي إنتهت بالدمار وهناك دولاً عديدة حققت التنمية فبعد الحرب العالمية الثانية التي أتت على الأخضر واليابس وإنتهت الزعامات الشخصية لقيادة العالم وحل مكانها مؤسسات المجتمع المدني ولعبت دوراً هاماً في تنمية الإقتصاد وأسست دولة قادرة على النمو والتطور وتحقيق الرفاهية لشعوبها بدلاً من الإستمرار في الحروب التي تحصد أرواح مئات الآلاف من البشر بل الملايين.

وينبغي على القادة الفلسطينيين أن يتعلموا من هذه التجارب وأن يستفيدوا من التجربة المصرية ولاسيما أن مصر تساند المواقف التي تدعم السلام ضمن إطار تسوية شاملة لقيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.

وسارت الأردن على نفس الدرب بعد أن دخلت في حروب مع إسرائيل وفي نفس السياق التاريخي، إتضح للملك حسين أنه لابد من توقيع إتفاقية أو معاهدة سلام مع إسرائيل وتم التوقيع على معاهدة وادي عربة التي أنهت صراعاً مريراً مع الكيان الصهيوني ومر الأردن بالكثير من الأحداث وسنذكر أهمها.

بعد حرب عام 1967م إحتلت إسرائيل الضفة الغربية وتم تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين الى الأراضي الأردنية ليستقروا في مخيمات الأمر الذي زاد من تعقيد الوضع الإقتصادي والديموغرافي والإجتماعي وغيرها.

إنطلقت شرارة أحداث أيلول الأسود عام 1970م مما زاد الأمور تعقيداً ورغم ذلك نشطت المنظمات الفلسطينية المتعددة الإتجاهات لتحقق هدف واحد هو تحرير الأراضي الفلسطينية بالكفاح المسلح ولكن تلك الأحداث أدت الى خسارة كبيرة للفلسطينيين ولجأت تلك المنظمات الى لبنان لتواصل المقاومة، وتسارعت الأحداث بشكل كبير وتم ترحيل المقاتلين الفلسطينيين وتوزيعهم على بعض الدول العربية.

توجهت القيادة الفلسطينية الى تونس كمقر لها وإتضح للقيادة الفلسطينية أنه لابد من التفكير في أسلوب جديد لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، بدأت مفاوضات السلام في أوسلوا بالنرويج ولم تكن حال الدول العربية الأخرى بأحسن حالاً من حال الفلسطينيين الذين تشتتوا من جديد وبدأت تظهر صراعات طائفية في لبنان أدت الى الحرب الأهلية هناك والتي إستمرت لأكثر من عقد من الزمان.

على البوابة الشرقية بدأت العراق حربها مع إيران وإستمرت ثمان سنوات عجاف وكان لابد للقيادة الفلسطينية من الإستمرار في المفاوضات مع الإسرائيليين ومن وراء الكواليس في النرويج لتنجم عن ذلك إتفاقيات أوسلوا، والتي كانت بمثابة بصيص من النور في نهاية النفق المظلم الذي تمر به المقاومة الفلسطينية، وعلى إثر هذه الإتفاقيات عادت معظم القيادات والمقاتلين الفلسطينيين الى الأراضي المحتلة.

سوريا لم تكن بأحسن حالاً من الدول العربية الأخرى ودخلت الحرب مع إسرائيل وسقطت مرتفعات الجولان السورية تحت جحافل القوات الإسرائيلية المدعومة من القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية.

هنا نود أن نتوقف قليلاً لنتأمل الوضع العربي المتشرذم إثر الهزائم المتلاحقة على يد القوات الصهيونية والحروب الأهلية والصراعات الإقليمية، كل ماتقدم جعل الدول العربية تفكر في إستراتيجية جديدة وهي quot;إستراتيجية السلامquot; لأن الواقع العربي ينم عن ضعف عام في الجيش والإقتصاد وكل نواحي الحياة.

ومن يدرس التاريخ يستلهم منه العبر والدروس فهناك مشاكل لاتقل أهمية لأصحابها عن القضية الفلسطينية ونذكر منها التجربة الفيتنامية وكيف إستطاعت قياداتها القيام بالمفاوضات وبأعمال مقاومة لتحرير البلاد من الدمار الأمريكي الذي صب جام حممه عليها وإستطاعت المقاومة الشعبية أن تجبر أمريكا على إنهاء الحرب هناك.

أما التجربة الصينية فهي درساً يجب الإقتداء به وأخذ العبرة منها ولاسيما أن الصين تشكل أكبر نسبة سكان في العالم، وبدل أن تخوض الحرب لتحرير هونج كونج من بريطانيا إنتظرت حتى إنتهاء مدة الإتفاقية بينهما وخاضت مفاوضات مريرة حتى عادت هونج كونج الى السيادة الصينية.

هناك دروس مستفادة من ألمانيا الدولة التي كادت أن تسيطر على العالم ولكنها هزمت على يد الحلفاء بقيادة أمريكا، وإستطاعت من خلال إستراتيجية جديدة أن تبني قاعدة إقتصادية وأصبح الإقتصاد الألماني من أقوى إقتصاديات أوروبا ولم ترغب ألمانيا أن تخوض الحرب مرة أخرى ولكن بقوة الإقتصاد إستعادت سيادتها على شطريها وتوحدت ولم تكتف بذلك وإنما عملت على توحيد أوروبا لتصبح ألمانيا لها القول الفصل في أي سياسة أوروبية سواء كانت داخلية أو خارجية.

أما التجربة اليابانية والتي لاتقل شأناً عن التجارب الأخرى، فقد أعادت بناء إقتصادها الذي إنهار تماماً بعد الحرب العالمية الثانية أما اليوم فقد أصبح الإقتصاد الياباني من أقوى الإقتصاديات في العالم من حيث الكم والحجم والتقنية والإختراعات اللإلكترونية التي غزت أمريكا في عقر دارها إقتصادياً وليس عسكرياً ولازالت تطالب بمقعد في مجلس الأمن كما هو الحال مع ألمانيا.

لذا ينبغي على الفلسطينيين إستخلاص الدروس والعبر والعمل على معرفة مصادر قوتهم وضعفهم والتفكير بأسلوب جديد لتحقيق أهدافهم معتمدين على الله ثم على أنفسهم من خلال الإقتصاد والعامل الديموغرافي الذي يعتبر من أهم مصادر القوة لديهم في مواجهة تزايد الهجرة الصهيونية الى فلسطين ولهذا لابد من إعادة النظر في الإستراتيجية الفلسطينية تجاه تحرير الأرض والشعب بتبني سياسات جديدة أكثر واقعية.

نحن لاننصح القيادات أن تتخلى عن المقاومة وإنما هناك أشكال عديدة من المقاومة والتي أثبتت جدواها في كثير من حروب الإستقلال كما حدث في الهند التي نالت إستقلالها وخرجت من نير الإحتلال البريطاني حيث كانت الإحتجاجات والإعتصامات لها الدور الأكبر في رحيل الغازي البريطاني عنها ولهذا نرى أن تستفيد القيادات الفلسطينية من كل تلك التجارب ومن تجربتها الذاتية لتكمل المفاوضات مع الإسرائيليين برعاية أمريكا ووسطاء دوليين وتستمر على هذا النهج بعد أن تعالج الأخطاء السابقة وتمحي وآثارها وتتطلع الى السلام بتفاؤل.

على القيادات أن لاتتجاهل الظروف السائدة في العالم والمعقدة وأن تبدأ مرحلة جديدة من مراحل الصراع العربي الإسرائيلي وهي الضغط على إسرائيل من خلال المقاومة والمفاوضات التي ستكون شاقة ومضنية ولكنها ستأتي ثمارها بعد حين وستجبر إسرائيل على الإعتراف بالدولة الفلسطينية تنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

لذا نعتقد أن المفاوضات والمقاومة هما الأسلوب الأمثل وليس منطق الكفاح المسلح وحده إنما الإثنان معاً، مفاوضات سلام ومقاومة شعبية حسب مقتضيات المرحلة وتطورها على أرض الواقع حتى يتم الإعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني الذي تُفرض عليه القيود ومازال صامد ولابد للقيد أن ينكسر ولابد للعدو أن يندحر.

في النهاية يتوجب على إسرائيل أن تنسحب وأن تعترف بالدولة الفلسطينية وبالتعايش السلمي بين الشعبين، إن أرادت السلام الحقيقي لأن هذا الحق غير قابل للتصرف ولايزال أمام المنظمات الفلسطينية الكثير من العمل، ومن خلال الوحدة الوطنية تتحقق الأهداف وعلى رأسها الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

مصطفى الغريب