لقد أثارت زيارة الرئيس العراقي جلال الطالباني إلى دمشق اهتمام المراقبين والمتابعين من المهتمين بالشأن السوري على اختلاف توجهاتهم ومستوياتهم؛ وقد ذهبت التكهّنات بأصحابها إلى كل منحى ومذهب؛ منهم من ركّز على التوقيت، ومنهم من شدّد على امكانيات النجاح، ومنهم من تساءل حول جدوى الزيارة أصلاً..


لكننا سندع كل ذلك جانباً، سيما اننا لانمتلك بعد التفصيلات الخاصة بجدول المباحثات، ونقاط الاتفاق والتباين، وغير ذلك من الأمور الاجرائية التي ما زالت مغلّفة بعبارات الكياسة والمجاملة العامة، الموشّاة بالتقية الروّاغة؛ سندع كل ذلك إلى حينه، وسنتوقف عند البُعد الرمزي الدلالاي للقاءٍ تاريخي بحق، جمع بين نهجين متعارضين إلى حد التتناقض، تتحدد ملامح مستقبل المنطقة بفعل حصيلة الصراع بينهما. نهج تعددي واقعي، أقرّ بالبنية الفعلية لمجتمعه على صعيدي الإنتماء والإتجاه، وتمثّل ذلك في الوفد العراقي نفسه الذي ضم شخصيات فاعلة، شخصيات امتلكت من القدرة الذاتية والثقة الشعبية ما يؤهلها للتحرك بعيداً عن عقد الخوف والتحسب؛ لذلك صافحت وابتسمت كما يحلو لها، من دون أي قلق أو توجس. كانت ترمز بالفعل إلى أطياف المجتمع العراقي، تتباهى بالتنوع الذي تستمد منه المشروعية والقوة.


أما على الجانب الآخر، فقد كان وفد النهج الأحادي المفروض قسراً، يضم تلك الشخصيات التي كانت - وما زالت - تتحرك على المستويين الذاتي والعام، بناء على التعليمات السرمدية لأمراء الظلام، شخصيات تصافح بالمقادير المقدرة، وتبتسم وفق النسب المسموحة، وتلتفت يمنة ويسرة بحثاً وخشية.


كان الوفد العراقي مجاملاً، أقرّ بفضل سوريا في ايام الشدة، لكنه كان يدرك في قرارة نفسه أن جوهر الدكتاتورية هو ذاته في كل مكان وزمان، فالدكتاتورية لا تستطيع التكيّف مع الرأي الآخر، تمقت البعد الآخر، وتعمل من أجل الغاء الخصوصية الأخرى. قد تتقاطع المصالح أحياناً، لكن الطبائع هي التي تتحكم في نهاية المطاف.


أما الطرف السوري السلطوي، فقد تمترس خلف عبارات مبهمة، عبارات توحي بالكثير ولا تلزم بأي شيء؛ فهو قد أُرغم على استقبال الغريم نتيجة العزلة المجسّمة الشمولية التي باتت تضغط عليه من جميع الاتجاهات؛ عزلة دولية، وأخرى اقليمية، وثالثة عربية، ورابعة داخلية شعبية، وربما خامسة ذاتية؛ عزلة كانت بفعل مقدمات كثيرة متشعبة، تبلورت نتيجة الحركة الداخلية ضمن النظام ذاته، تلك الحركة التي دفعت به نحو تسليم المفاتيح إلى الحليف الإيراني من دون أن يتقن ناصية اللغة الفارسية كما ينبغي؛ وقد أوهمه ذلك أن أبواب الجنة قد غدت مفتوحة أمامه، لذلك تقاسم والنظام البطريركي الشريك ارتكاب كل الموبقات، أملاً في وأد الخطر الآتي.

إن زيارة الرئيس العراقي والوفد المرافق المعبّر إلى دمشق - بما لها وما عليها - تؤكد أن النظام السوري على دراية تامة بأن الاستحقاقات المفصلية قد آن أوانها، وان خديعة التضليل والشعارات لم تعد تنطلي على الناس؛ خاصة وأن الأوراق جميعها قد باتت مكشوفة، لذلك اضطر من دون رغبة وإرادة على استقبال أولئك الذين أنهوا حكم quot;الرفيقquot; في بلادهم، ويقدمون أنفسهم نموذجاً واعداً - بعد تجاوز أخطاء وعثرات المرحلة الانتقالية بطبيعة الحال - للشعب السوري نفسه الذي كابد، ويكابد، نتيجة العقلية quot; الرفاقيةquot; ذاتها، والممارسات الثوروية عينها.


وما نريد أن نصارح به الاخوة العراقيين هنا هو أن الدعم الحقيقي الذي تلقوه إبان السنوات العجاف كان من الشعب السوري - بكل مكوّناته- الذي أيّد بصدق، وقدّم العون بنزاهة، ورغب باخلاص في انقشاع الغيمة الدكتاتورية على العراق، أملاً في تدفق شعاع شمس الحرية من الشرق، بعد عقود من الظلام انهكت البلاد والعباد. أما النظام- السوري- فقد كانت له على الدوام حساباته السلطوية التكتيكية التي لم تلتقِ يوماً مع مصالح شعبه وتطلعاته.


إن ما يجري راهناً في العراق، على الرغم من كل السلبيات والتجاوزات غير المسوّغة بل المرفوضة، يعد باكورة مبشّرة تتطلع إليها شعوب المنطقة بأسرها، والشعب السوري على وجه التحديد، هذا الشعب الذي يدرك قبل غيره معنى حكم زمرة تتخذ من الحزب الواحد واجهة، ومن الشعب - كل الشعب- دريئة، ومن الأجهزة المخابراتية الاخطبوطية أذرعاً، وذلك للإمساك الحديدي بالدولة والمجتمع، وإرغام الناس على التسبيح بأفعال المؤلهين، بل والتفاخر بنعمة الخضوع والإنقياد quot;لحكمةquot; الحاكم quot;السماوي المبجّلquot;.

د. عبدالباسط سيدا