قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يطالعنا العديد من الكتاب والمثقفين العرب بعناوين عن الفتنة ودور الغرب وأمريكا في إشعالها. مما يزيد الفتنة بين المواطن العربي وبين روح العصر! لأن إعادة الاعتبار لهذا المفهوم بعد أن توارى عن

إذا فشلت أمريكا نهائيا في العراق فالسبب يعود إلى هذه القوى الموجودة على أرض الرافدين! الآن سواء منها من هو في السلطة أو من هو في المعارضة تقريبا!إنها قوى ببساطة ضحكت على أمريكا : منها من رباها صدام ومنها من ربتها إيران
الإنظار في الثقافة الشعبية والشفهية لدى المواطن في بلداننا ومن أعاد أحياء هذا المفهوم بدلالاته الراهنة هم مثقفي الإسلام والإسلام القومي العربي بنسخته السنية. قبل أن يدخل الإسلام القومي الإيراني بلغته الشيعة على الخط ويعطي للمفهوم دلالاته الأخرى حتى أصبحنا اليوم أمام مفهوم له دلالتين رئيسيتين ومتقابلتين كما كان الأمر عند انبثاق المفهوم في التجربة الإسلامية الأولى ولكن هنا أضيف لها بعدا قوميا دولتيا. الدلالة الإيرانية الشيعية والدلالة السنية، وعاد المفهوم ليدخل عقل المواطن العربي وثقافته حتى الشفهي منها والتي هي بالأساس ثقافة ماقبل مدنية ولكن على قاعدة الوضع التاريخي الراهن وتداخلاته وتشعباته وهو ما أعطاه من جديد بعدا تاريخيا أضافيا!

إن الدلالة المعاصرة والمستخدمة والأقرب لمفهوم الفتنة هي التي نجدها في مفهوم الحرب الأهلية سواء كانت على خلفية دينية أم طائفية أم أثنية؟ وما يعنينا هنا هو المفهوم الطائفي للمصطلح. لأننا نجد أنه بحد ذاته هو مفهوما طائفيا في لحظة انبثاقه وحتى هذا التاريخ. مهما توسعت دلالاته مساحة وعمقا. ومناسبة هذا المقال قبل أن نتابع هو ماقرأته اليوم:
الخبر الأول هو كتاب للباحث الدكتور محمد عمارة الغني عن التعريف والذي يرد فيه عبارة تبيح قتل المسيحيين وهي الآن موضع نقاش في القاهرة ومداولات لكي يعتذر الدكتور عنها. ولا أعرف هل الاعتذار في مثل هذه الحالة وفي هذا الزمن كاف؟! وفي معرض رده يقول الدكتور أنه نقلها عن كتاب للعلامة أبو حامد الغزالي ـ جد السلفية ومتفرعاتها بلا منازع ـ وكأنني فهمت أن النقل من قبل الدكتور عمارة عن الغزالي يتم بلا تدقيق في كامل الجمل المنقولة. ولا أعتقد أن هذه القضية يمكن أن تصدق مع باحث ذو أسم رنان في السلفية العربية المحدثة! أيعقل بعد هذا الزمن وفي مصر بالذات أن يعاد كتابة هذه الثقافة مهما كانت الحجج والذرائع؟ على الرغم أنني أرى أن على العرب أن يحتفوا بمسيحييهم وأن لايميزهم سلبا أي قانون أو دستور في البلاد العربية لا بحجة إسلامية ولا بأي حجة أخرى! والمقال الثاني الذي قرأته هو للصحفي الغني عن التعريف أيضا ورئيس تحرير جريدة السفير طلال سلمان بعنوان:
( الفتنة.. بمعايير أمريكية ) وقبلها عدة مقالات تناول فيها هذا المعلم الإعلامي قضية الفتنة ومحور هذه المقالات يمكن تليخصه في عنوان مقالته الأخيرة اليوم: أن الفتنة صناعة أمريكية! دون المرور على إيران ولو من باب إكمال اللوحة الدلالية لموضوعه الحامي في لبنان والعراق وفلسطين كما يشير في مقالته حيث يقول ( ومع انهيار العراق تحت الاحتلال الأمريكي ومحاولة تغطية فشل المحتل بإشعال نار الفتنة في أرض الرافدين صارت الفتنة بذاتها سلاحا جديدا في يد هذا الاحتلال الأجنبي، ويتابع..لكن الإدارة الأمريكية تريد quot;فتنة مدجنة ومحمولة quot; يمكن نقلها إلى أقطار دون غيرها، ويمكن تحييد أقطار أخرى عن نارها، وهذا هدف يصعب تحقيقه، إذ أن الحاضر سيتداعى أمام موروثات ماضي الفتن الكبرى التي سبق لها أن مزقت quot; الأمبراطورية العربية ـ الإسلامية quot; وجعلتها أثرا بعد عين. ويبدو أن الإدارة الأمريكية تريد quot; خطر الفتنة quot; في لبنان، دون تفجيره، وتريد quot; الفتنة quot; في أرض السلطة الفلسطينية مطلقة، وتريدها محدودة في بعض أقطار الجزيرة والخليج، للترهيب وابتزاز المواقف ليس إلا.. ربما هذا ما يفسر بعض التحول الذي بات ملموسا في موقف الإدارة الأمريكية مما يجري في لبنان، إذ اكتشفت ـ على ما يبدو ـ أن الفتنة ستكون هائلة بحيث لايمكن استيعابها وبالتالي لا يمكن توظيفها..بينما التلويح بها كخطر محتمل وجدي كافيا لتحقيق الأهداف المبتغاة منها ) أخذت هذا المقطع لأنه يوضح بالكامل وجهة نظر السيد طلال سلمان. وبالأخص أنه يقر في تناقض بين بأن الفتنة هي من جعلت الأمبراطورية الإسلامية أثرا بعد عين! وهذه لن نناقشها لأنها وإن كان فيها جانب من الصحة ولكنها كانت أحد الأسباب الأقل أهمية في انهيار الحضارة الإسلامية وليس الإمبراطورية الإسلامية وهنالك فرق بين! فهنالك كثير من الإمبراطوريات تنهار ولكن حضارتها لاتنهار، أما الإمبراطوريات الدينية فقد انهارت مع حضارتها! في كل تاريخ البشر حتى هذه اللحظة، وهذا ليس موضوعنا الآن. إذا كانت الفتنة سببا في انهيار الإمبراطورية الإسلامية فكيف هي بمعايير أمريكية وبالتالي ما يجري الآن من فتنة أو فتنة محدودة أو فتنة قيد الدرس أو فتنة قيد الحدوث أو الإحداث أمريكيا لا علاقة لها سوى بأمريكا وأزلامها ـ المقصود هنا على الصعيد اللبناني قوى الرابع عشر من آذار وإن لم يتم ذكرهم بالأسم ـ على كل حال بالتأكيد الأستاذ طلال أدرى منا بشؤون لبنانه!إذن الفتنة بكل حمولاتها ودلالاتها هي ثقافتنا نحن! أما لجهة الحروب الأهلية فهي تعتبر من زاوية علوم التاريخ الاجتماعية والسياسية أمرا طبيعيا في ظل انتقالات الكثير من المجتمعات من مجتمعات ماقبل مدنية إلى مجتمعات معاصرة حتى أوروبا لم تنجو منها! فالعقلية الدينية الطائفية هي عقلية مبنية على نفي الآخر وهذا ما نحتاجه إصلاحا دينيا! يقوم به الغرب عنا عنوة أو بالرضا لا فرق! يقوم فيه من خلال ثقافته وحضوره بكامل جسده العسكري والسياسي والاقتصادي.

وهذا بالضبط ما ترفضه طهران من بين ما ترفض طبعا! بينما نجد أن النظم العربية التي تساعد الأمريكان ـ كما يوحي الكاتب في أكثر من مكان قد بدأت بهذه العملية تحت الضغط أو بإرادتها لم يعد مهما الآن إلا في سياق هذا القبول ومدى جديته وسرعته وانعكاسه على الوضع المجتمعي في هذه المجتمعات. الحروب الدينية في أوروبا التهمت الأخضر واليابس ومع ذلك لم نتعظ!

ليس لأن شعوبنا لا تتعظ بل لأن أنظمتنا السياسية لاتريد أن تتعظ ولا حتى مؤسساتها الثقافية الدينية والطائفية في وجه من وجوهها لا تريد أن تتعظ. والمثال الإيراني بين ولاحاجة للتعليق عليه كثيرا فقد إمتلأت الصحف في تشريح هذا الأمر. بعد أن أقر مع الأستاذ سلمان بالطبع أن السلطات العربية تتحمل كامل المسؤولية في قمع أقلياتها على كافة الصعد ومنها الأقليات الشيعية. ولكن هل هذا القمع العربي كان خاصا في الشيعة فقط؟! ولهذا أشار هو في أكثر من مقال على تحميل صدام مسؤولية ما جرى للعراق. ولكن السؤال : لماذا الفتنة لا تهدد إلا المجتمعات التي تسعى إيران لاختراقها؟! هذا السؤال لم يجب عنه الأستاذ طلال في كل مقالاته الأخيرة والمتواترة عن الفتنة في البلاد العربية. ودوما يرمي الكرة في الملعب الأمريكي وهو العارف أكثر منا مثلا:
في حال خرجت أمريكا من العراق الآن ستلتهمنا طهران ونحن أحياء! وستلتهم لبنان بعد سورية!الفتنة ياسيدي هي إيرانية سلفية سنية جهادية مدعومة ببقايا النظام العربي والإسلامي القائم منذ ما قبل سقوط السوفييت وحتى هذه اللحظة. ونقول بقايا لأن البشرية لم تعد في روحها مكانا لنظم دينية أو تسلطية أو شمولية إن أحببت.

إن الإدارة الأمريكية إن خسرت في العراق فليس نتيجة لانفلات الوضع الأمني أو وجود ما يسمى مقاومة بل يكمن السبب الأساسي في أن القوى التي انتقلت إليها السلطة في العراق هي قوى إيرانية بامتياز. أم أن قوى الإئتلاف الشيعي أو الحزب الإسلامي أو جبهة الدليمي ـ المطلق أو علماء حارث الضاري هم ذو ثقافة علمانية ومدنية ولا يريدون الفتنة!

وإذا فشلت أمريكا نهائيا في العراق فالسبب يعود إلى هذه القوى الموجودة على أرض الرافدين! الآن سواء منها من هو في السلطة أو من هو في المعارضة تقريبا!إنها قوى ببساطة ضحكت على أمريكا : منها من رباها صدام ومنها من ربتها إيران! ربما يستغرب القارئ من هذا الأمر ببساطة أمريكا أخطأت كثيرا في العراق ولكنه غدرت من المعارضة العراقية السابقة! وسيتضح هذا الأمر عند خسارة انتخابية للإئتلاف الشيعي أو نجاح قائمة كقائمة علاوي!

سنرى عندها هذه القوى وهذه المصافحات مع الإدارة الأمريكية الآن ماذا سيحصل لها؟
وبالعودة إلى مفهوم الفتنة! فهي دوما تحتاج إلى طرف ثالث كما يوحي المفهوم بدلالته التاريخية واللغوية حتى! وكنا سابقا قد حاولنا أن نرميها على اليهود ولازلنا ـ عبدالله بن سبأ ـ وهنا الآن لا نجده نحن إلا في أمريكا. أما في فلسطين وبغض النظر الآن عن كل شيء إيران ليست بعيدة عن قيام فتنة مسلحة! والسؤال الأخير ماذا لدى إيران لتقيم نفوذا في دولنا سوى إشعال ثقافة الفتنة؟ وهل لديها نموذجا اجتماعيا يكون طموحا لأي شعب من شعوب العالم؟

وماذا لدى القوى السلفية والجهادية غير الفتنة [ الحرب الأهلية ] تنظيرا وعملا وقيما؟ هل لدى إيران قوى عسكرية تستطيع من خلالها تأمين نفوذا قويا في دولنا؟ أم هل لديها حضارة متطورة على حضارتنا كحال الغرب؟ لديها سيولة نفطية وآيات في قم فقط يريدون تحويل كل شيعي في العالم إلى عضو في حزب سياسي طائفي. ثقافة الإسلام السياسي بكل طوائفه وسلطه وتنظيماته المقاوم منها وغير المقاوم ثقافة إن لم نستطع إصلاحها دينيا فعلينا إلزامها بقبول التعايش الذي ينبذ العنف مهما كانت مبررات الدعوة إليه. نحن خسرنا وفق منطق كل القوميين العرب على اختلاف تلاوينهم خسرنا الحرب وليس معركة! وهذا يقتضي الاعتراف منا بهذا الأمر ولدينا اليابان وكوريا الجنوبية نماذج وغيرها! ألمانيا حتى هذه اللحظة فيها قواعد أمريكية! إيطاليا إسبانيا..الخ


والخسارة هنا لا تعني القبول بقواعد أمريكية فهذا أمرا لا يعنيني، ولكنني أتحدث عن خسارتنا الحضارية وهذا طبيعي لأن حضارة الغربية الوافدة إلينا والتي نتمتع بمنتجها على كافة الصعد هي الأرقى قيميا وماديا. و ثقافة الفتنة ومن خلفها هي التي خسرت الحرب لأنها ثقافة سلطتنا في هذه البلاد، وحتى الغرب يتحمل الجريمة في هذا الأمر. لأنه تواطئ معها في سياق مهمته الأساسية وتحشيده عالميا في ماعرف بالحرب الباردة. والغرب وخصوصا أمريكا لاتريد الفتنة ليس كرم أخلاق منها أبدا ولكنها لا تخدم مصالحها في أي حال من الأحوال. وسيكون لنا عودة إلى هذا الموضوع حول أمريكا والفتنة التي يتحدث عنها العرب!


#1ـ الخبر عن كتاب الباحث محمد عمارة.
http://www.alarabiya.net/Articles/2007/01/09/30602.htm
#2ـ مقالة السيد طلال سلمان على موقع جريدة السفير اللبنانية
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=535amp;ChannelId=11481amp;ArticleId=924

غسان المفلح