قطيعة بين جيلين الاول يعاني الشيخوخة والاخر يعاني ازمة الهوية

الثقافة بما تمثله من مجموعة أفكار متنوعة متماسكة تمثل منظومة معرفية تعطي مجتمعها وأمتها البعد الحضاري ومكانتها التاريخية، وتجعل فيها حركة فكرية تنموية، فهي بذلك تتبوأ مكانة غاية في الأهمية لكل امة لا تريد لنفسها المراوحة في مكان واحد طالما كان ذلك يفصلها عن ركب العصرنة والحضارات الأخرى التي تتحرك للإسهام في صناعة المنظومة المعرفية الواسعة في عالمنا الذي نعيش فيه... عالم القرن الحادي والعشرين وما توحي إليه هذه المفردة من معاني كثيرة تتطلب جهودا حثيثة لأي جماعة آلت على نفسها السير باتجاه النضوج المعرفي والفكري.

أما اللاعب الأساس في هذا المجال فهو المثقف بما يمتلكه من أدوات معرفية وفنيّة تؤهله ليكون كذلك حيث ان حضور المثقف ومسؤوليته في تكوين البنية الفكرية للمجتمع والمساهمة في تجديد هويته الثقافية يكسب موضوع المثقف ومرجعيته الفكرية حيوية لا زالت تثير امام الباحثين والمهتمين تساؤلات كثيرة.

ومع ان ذلك يمنحه موقعا متميزا فأنه يجعله مسئولا عن انعكاسات الواقع الثقافي ومردوداته السلبية، وبذلك يلقى على عاتقه عبئا كبيرا تجاه مجتمعه وامته وهو ما يتطلب تواجدا فعالا من المثقفين في صميم الواقع كي يتمكنوا من استشعار العقبات والتعرف على معوقات الحالة الثقافية التوعوية لان المثقف ضمير الأمة ولسان حالها الذي ينشد الوعي ويمارس النقد وأول المهتمين بقضاياه وحامل هموم التجديد في الساحة التي هو فيها.

ان العراق يعد من اهم الحواضن الثقافية والحضارية على مستوى المنطقة وحتى العالم على مر فترات طويلة من التاريخ... وهذه الحواضن التأريخية يصعب عليها ان تموت لكنها قد تمر بمرحلة من الجفاف... فهي لا تستثنى من مرض الجمود والركود الثقافي فيما لو توفرت دواعي واسباب التراجع الثقافي، وهذا ما شهده العراق طيلة الجزء الاعضم من القرن الماضي.

ومع ان العراق تتوفر فيه دواعي النهوض فيما لو اريد له ذلك الا انه في الفترة الحالية لاتبدو عليه ملامح النهضة الثقافية المطلوبة، وذلك لان الثقافة العراقية لازالت محاصرة بمجموعة من المعطيات الضاغطة التي اودت بها ان تصل الى هذا الحال من التراجع والاخفاق.

اما ابرز تلك المعطيات فهي كما يلي:

ـ ان الثقافي لازال مثقلا ومكبلا باستحقاقات الواقع السياسي المشحون والممتلئ بالمتغيرات المتلاحقة باستمرار مما ادى الى احتلال السياسي للساحة الثقافية العراقية بقوة.

ان السياسي له طبيعة خاصة في التعاطي مع الحياة، كما ان ادواته معروفة... لا يلام في كثير من الاحيان حتى لو مارس الضرب تحت الحزام، لكن المثقف الذي يمتلك ادوات مهمة لا يمتلكها السياسي يلام بشدة حينما يترك مكانته لغيره فتغيب بغيابه الادوار المطلوبة جدا للثقافة العراقية.

ـ ان المثقف العراقي لازال حتى هذه اللحظة غير متكفل ومتحمل لكامل المسؤولية المناطة به، ومع ان الاجواء المشحونة قد تحد من مساحة حراك وفاعلية المثقف الا ان ذلك لا يمكن ان يكون مبررا لهذا التراجع الكبير في دور المثقف الذي انسحب وترك مكانه فارغا يملؤه من هب ودب.

كما ان البون الشاسع بين النخبة والجماهير واتساع المسافة بينهما ادى الى وقوع الجمهور فريسة للجهل والتخبط، فالنخبة المثقفة الواعية بما تمتلك من حس فكري وقدرة متميزة في تشخيص كوامن الخطر تشكل جهاز المناعة الاول للمجتمعات، إلا ان بعد المسافة بينهما سبب في مصاعب للجمهور في فهم النخبة من جهة ومعاناة النخبة فيما تطرحه على الجمهور من جهة اخرى، حيث ادت تلك الظروف بالجمهور ان يتهم النخبة بالمثالية والعيش في عالم المدن الفاضلة وفي المقابل اتهمت جماعات الفكر الجمهور بأنه لا يعي المثقف ولا يسعى بالنهوض في نفسه الى خطاب النخبة، وبين هذا او ذاك ضاع الموقف المطلوب من الجميع.

ـ لازالت الثقافة تعاني البعد المخيلاتي العاطفي وذلك من خلال التركيز على الادب فـ( الثقافة لا تستدعي سوى الشعر والقصة والمقالة، وأحياناً المسرح، فإذا كان المجال يتسع لأكثر من ذلك، دخلت الموسيقى والفنون التشكيلية. وإذا ذكرت مفاهيم (علوم، تكنولوجيا، هندسة، اكاديمية، تربية وتعليم ) في حديث عن الثقافة، كان التجاهل، وربما الامتعاض. ويرفض المسؤولون تكريم بعض المثقفين بحجة أنهم (علماء)!. لقد سارت الثقافة العراقية برجل واحدة، هي الثقافة الأدبية ).

ـ الثقافة العراقية تعاني شيخوخة الادوات والفكر والخطاب:

اولا: لان اغلب رموزها هم ابطال عقود سابقة ولت ولازالوا يتعاملون مع الواقع المعاصر من زاوية رؤية تشكلت لديهم في زمن قد مضى.

وثانيا: لان الجيل الجديد بعيد كثيرا عن الجيل السابق بمعنى ان هناك منطقة فراغ وحلقة فارغة تخللت الاجيال الثقافية العراقية بسبب سياسات البعث وانعكاسات اخطاءه التي تبعتها حروب وحصار قوّض جيلا ثقافيا بشكل كامل، وعلى حد قول الكاتب نبيل ياسين: فأن ( فالمثقف مايزال يطاب بوصابة وزارة الثقافة عليه كقاصر لايستطيع التصرف بالثقافة،ويظهر نفسه لها مرتزقا بحاجة إلى اموالها لكي يظل تابعا للسلطة، ويحاول ان يخدش حياء الحكومة بعرض حاله عليها كفقير لايستطيع طبع انتاجه الرغائي المكرر والمنسوخ.فيما يتوسل اتحاد الادباء العراقيين في مذلته التي اكتسبها كاتحاد سلطوي فاشي سابق، السلطة كي يكون جزء منها وتحت وصايتها واشرافها تمديدا لفترة احتواء السلطة الرسمية لانتاج افكار ورؤى الثقافة... المثقف العضوي الذي يتحول الى سلطة تبحث عن تجنيد المثقفين والافراد في جماعات موحدة عقليا وفكريا اي جماعات متماثلة غير قادرة على الاختلاف والجدل والنقد )، وهذا ما يؤيده كاتب اخر ( المتابع للشأن الثقافي العراقي ألان سيحس ان الثقافة العراقية تعاني من أزمة الترهل والركود وعدم الشعور بالمسؤولية فالأسماء التقليدية بقيت هي نفسها مهيمنة على المشهد الثقافي العراقي،ونمط الأداء المسيطر على الفعل الثقافي ينطلق من أرضية (التنميط) الذي مارسه النظام السابق على العقل العراقي دون ان نجد ثقافة بديلة او اعلاما بديلا او حتى فنا بديلا... انا ارى ان المشكلة تكمن في عدم فهم طبيعة التغير الذي حصل في العراق وعدم الالمام بمناخاته المحركة وعدم تصورالعلاقة بين طبيعة التغيير وبين مناخه العام وبالتالي عدم القدرة على انتاج أليات جديدة تتماشى مع الفهم الجديد ).

ـ هنالك صراع وطيس هيمن بقوة على الجماعات الثقافية العراقية وهو الصراع بين مثقف الداخل ومثقف الخارج حتى وصلت الحالة بين الجبهتين الى حد الصدام والقطيعة.

ـ الرموز الثقافية العراقية واركانها تعاني وجع الشتات والبعثرة في هذا البلد او ذاك ولا توجد ثقافة مؤسساتيه كمراكز الابحاث والمعاهد المختصة بالدراسات تعمل على وتيرة التراكم الذي يختزل المسافة ويوفر الجهد الوقت.

ان الاجيال التي لمعت نجومها في عقد الستينات والسبعينات وما قبل ذلك كانت تتجاذب المعادلة فيها اطراف ثلاثة هي القومي ( بما في ذلك الفكر البعثي ) والشيوعي ( المد الاحمر ) والاسلامي، وان المعادلة في تلك المرحلة كانت تختلف كثيرا عما هي عليه الان.

واذا كانت اشكالية الشيخوخة تسيطر على ذهنية كبار المثقفين العراقيين الذين لازالوا حتى هذه اللحظة يتربعون على عرش العديد من المؤسسات الثقافية والاعلامية العراقية فان الجيل المعاصر يعاني اشكالية من نوع اخر فهو حتى هذه اللحظة عاجز عن خلق هوية واضحة لنفسه، وبين هذه وتلك تعاني الحالة الثقافية تراجعا واضحا رغم جميع الخطوات الجيدة التي خطتها في ظل المساحة الكبيرة من الحريات المتاحة لها في ظل العراق الجديد.

جمال الخرسان

كاتب عراقي

[email protected]