قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بينما كنت اقرأ احدى المقالات في احد المواقع فاذا بها تذكرني بمقولة خالدة قالها لينين ( الحقد موجه سئ في السياسة )، وتذكرت معها نقاشا دار بيني وبين مدرس اللغة الروسية اثناء فترة دراستي في روسيا البيضاء ( الاتحاد السوفيتي السابق ) حول الدافع الاساسي لمقولة لينين تلك، حيث تساءلت حينئذ فيما اذا كان لينين يقدم لنا بمقولته تلك نصيحة خالصة هي استنتاج فكري بحت ممتزج بملاحظات ومشاهدات على رفاقه من واقع العمل، ام ان لينين كان بتلك المقولة يُسقط شعورا داخليا ويحاسب النفس ذاتيا على كره مستديم لم يتمكن التخلص منه تجاه رجال الدين انتقاما لمشهد اعدام شقيقه الذي لم يبارح ذاكرته. لم يكن صعبا على استاذ اللغة الروسية ( وهو رجل المخابرات ايضا حيث كان معروفا ان مدرسي اللغة للاجانب هم عملاء لجهاز المخابرات السوفيتي ) ان يحس بان سؤالا ماكرا قد اصبح امامه، فضحك ضحكة ماكرة وقال فقط ( ربما هذا وذاك ) وغيًر بسرعة البرق مجرى النقاش حيث عُدنا الى قواعد اللغة الروسية. وهكذا هي الافكار كما هي الحياة سلسلة مترابطة، فالمقالة ذكرتني بالمقولة وهذه الاخيرة بسلسلة المقالات التي انهالت في الايام الاخيرة على المواقع وهي تتناول موضوعة الدعوة التي اطلقها غبطة الكاردينال البطريرك عمانويل الثالث دلي لاطلاق سراح من لم تثبت ادانتهم، وذكر بالاسم نائب رئيس الوزراء العراقي السابق طارق عزيز، حيث رأى معظم الاخوة الاساتذة الافاضل الذين كتبوا تلك المقالات غرابة في تلك الدعوة وذات اثر سلبي على شعبنا، بل وجد البعض فجأة نفسه، محكمة كنسية كاملة، اعطت الحكم بتحريم الرجل فانتزعت منه مسيحيته وانتمائه الطائفي، وبالتالي اعطت الاسباب المشروعة في الاستغراب من دعوة الكاردينال الى اطلاق سراحه! وهنا تكمن المفارقة والازدواجية فاذا كان هذا البعض يرى ان طارق عزيز لم يكن مسيحيا او كلدانيا في يوم من الايام بينما يشكك الاخر في مسالة بقائه حتى اليوم على دينه ومذهبه، بالرغم من ان الدين والمذهب هما علاقة ومسألة شخصية كما يفهمها كل العالم المتحضر، فما الضير اذن في ان يدعو رجل دين مسيحي الى اطلاق متهم ( ليس على دينه ) اذا لم تثبت ادانته، والمسيح على خشبة الصليب وهو في قمة ألامه، جلجل بصرخته المدوية المسامع وهو يطلب من ابيه ان يغفر لصالبيه لانهم لايعرفون ماذا يفعلون! ربما هؤلاء الاخوة سيحدًون اقلامهم ويخرجون غدا بمقالات عتاب جديد لغبطة الكاردينال بعد ان سمعوه اليوم من على شاشة قناة عشتار وهو يصلي لاجل الذين قاموا بالتفجيرات الجديدة في كنائس بغداد والموصل، أم ربما لاعقدة سياسية لدى بعضهم مع فاعلي تلك التفجيرات!

لست هنا في معرض الدفاع عن ماضي الرجل ودوره، فمن المؤكد ان مايقال لايخلو من الحقيقة، ولكنني اؤمن ان الرجل السياسي تنتهي حياته بنهاية دوره السياسي، وعلى هذا الاساس يبقى العمر السياسي وليس العمر البايلوجي هو مقياس الحياة هنا، ان كل العوامل ( سقوط النظام، المرض، الشيخوخة ) تشير بما لايقبل الشك ان نائب رئيس الوزراء السابق طارق عزيز قد انتهى سياسيا، ومن الصعوبة إن لم يكن من المستحيل ان تمنح له الحياة فرصة سياسية اخرى، بالرغم من ان اي حكم محايد يمكن ان يرى في ان امكانات الرجل المهنية، كسياسي لتلك المرحلة وليس لغيرها، لاتقل باي شكل من الاشكال بل تتفوق على كثير من رموز السياسة في العراق في الوقت الحاضر. ان السياسي الذي لايكتفي بموت خصمه سياسيا بل يتعدى ذلك الى المطالبة بموته بايلوجيا عليه ان يعود الى مقولة لينين السابقة ويعترف صراحة بان غريزة الحقد والانتقام تسيطر، ربما بالضد من ارادته، على تفكيره. وإلا قولوا لي مالذي يخسره شعبنا كمجموع، ويخسره كل منا شخصيا لو أطلق سراح طارق عزيز وعاش بايلوجيا فترة اضافية ما، حسب مشيئة الله؟! أم ان بعضنا بات حريصا كل الحرص على ان تكون له في القصاص حياة؟! وهنا ينبغي على المرء ان يعترف صراحة متجنبا الازدواجية في الشخصية مرة اخرى، حين يُسقط من جهة كل مشاعر الرغبة في الانتقام وينفي من جهة اخرى ان تكون تلك المشاعر تملك ثقلا رئيسيا في حركة يراعه ومايسطره من افكار لان الكثيرين يمتلكون القدرة على تفهم اسباب ذلك، كون الاذى العميق الذي لحق به قد ترك جرحا في صدره، كانت معي، في احدى الدورات،أخت عزيزة من الكورد الفيليين، حاصلة على شهادة الماجستير في الكيمياء من السويد، وقد وصلت الى السويد بعد رحلة معاناة طويلة وشاقة ابتدأت عندما رُميت مع عائلتها على الحدود العراقية الايرانية اثناء فترة الحرب في الثمانينات، استنادا الى قرار صدر انذاك بتهجير العوائل التي سميت انذاك بانها تبعية ايرانية، جلسنا نشرب القهوة في الاستراحة، واخذنا النقاش الى السياسة و وضع العراق بعد الاحتلال واخبار القتل والعنف والارهاب، فقالت لي وبصراحة بان كل هذا لايهمها بقدر مايهمها انها ترى في الوضع الجديد إشباعا لغريزة الانتقام التي تتملكها بسبب المعاناة التي سببها النظام السابق لها، قالت، دون ازدواجية او مجاملة، انها بشر وليست ملاك كما انها ليست سياسية مُجبرة على احترام قواعد وقوانين الصراع السياسي، وهكذا وجدت نفسي ايضا مُجبرا على احترام تلك الصراحة وتقدير تلك المشاعر. لكن الاخت الفيلية لاتكتب في السياسة وليست جزءا من العمل السياسي لان ذلك يعني واجبات وحقوق و ظرفا يتطلب منك في بعض الاحيان ان تجمعك قبة او مائدة واحدة مع خصومك، بل ربما مع قتلة اشقائك وابنائك، كما تجمع اليوم قبة البرلمان العراقي وموائد اجتماعات المنطقة الخضراء وباعتراف بعض الاقطاب فيها.

ان السبب الرئيسي وراء الرغبة في المحافظة على حياة اعضاء القيادة العراقية السابقة، ناهيكم عن ضرورة فتح صفحة جديدة من التسامح والمصالحة على قاعدة ( لاتنه عن خلق وتأتي بمثله )، يكمن في الانتصار للتاريخ المسكين، حيث هؤلاء، متهمين كانوا امام التاريخ أم شهودا له، يجب ان يوثقوا تلك المرحلة بتفاصيلها ومن حقنا، كشعب دفع ثمنها، ان يعرف كل شئ عنها، وليس عدلا ان يدفن، مع انهاء هؤلاء بايلوجيا، اسرار كبيرة يمكن ان تكون دروسا عظيمة تمنع تكرار تلك المأسي في المستقبل. ربما يمتلك الكثيرون قناعة مفادها ان الحلفاء ماكانوا ليحكموا على هتلر بالموت الجسدي لو تمكنوا من القبض عليه حيا.

اما هذه الدعوة، وعلى الرغم من انها شملت جميع من لم تثبت ادانتهم، التي جاءت على لسان غبطة الكاردينال فانها ليست غريبة ولايمكن ان تحمل لنا اثارا سلبية لانها وببساطة، اي هذه الدعوة، تتماشى حرفيا مع نظام المحاصصة المعمول به بعد الاحتلال والذي اصبح لايتحسس منه احد، بل ترى فيه معظم التيارات السياسية النافذة دليل عمل يجب مراعاته، فعندما تطالب هيئة علماء المسلمين بالافراج عن وزير الدفاع العراقي السابق سلطان هاشم ويفعل النفوذ الشيعي فعله في غض النظر عن مذكرة الاعتقال التي أشيع انها صدرت بحق رجل الدين العراقي الشاب مقتدى الصدر، تأتي دعوة غبطة الكاردينال بحق طارق عزيز سلسة منسجمة مع قياسات المحاصصة ولاتخرق بنودها، اما الذين يرون ان دعوة الكاردينال تعيقنا من لعب دور( المثل ) الذي يُقتدى به على الساحة السياسية العراقية فعلى هؤلاء ان يمعنوا النظر في هذه الساحة مليا فيعرفوا ان معظم لاعبيها اليوم ليسوا ( رسل السياسة ) بل هم تُجارها وهم ( ابناء سوق ) من الدرجة الممتازة يتعاملون فقط مع لغة الارقام والربح والاستحواذ على ما يمكن الاستحواذ عليه، اما ( الامثال ) فهي باقة ورد ربما، في زحمة التنافس وجولات المساومات، لايجد هؤلاء ( التجار ) لحظة من الزمن للثناء على رائحتها الطيبة.

بقدر ما يشكل الحساب الجنائي حقا مشروعا للمدان فان العقوبة التاريخية تفوقه باضعاف وهكذا فان الانهاء الجسدي ليس الحل الاوحد لحسم الصراع مع اي سياسي تم اعلان موته سياسيا او حتى المنتكس سياسيا في مرحلة ما، سواء كان من يحمل اسم المسؤول او السياسي هذا هو، سلطان هاشم، او طارق عزيز، او المالكي، او الجلبي، او الربيعي، او علاوي، الى اخر القائمة مع تتابع الزمن. تُرى، هل ستصل النخب السياسية العراقية الى مرحلة من النضج السياسي تتمكن فيها من وضع قوانين متحضرة تضبط الية الصراع السياسي وتكون بمثابة مواد دستورية مقدسة لايصح التلاعب فيها!!

د- وديع بتي حنا
[email protected]