قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حول بيان الأحزاب quot; الشيوعية quot; في بلدان شرق المتوسط

اجتمع نفر مطلع هذا الشهر في أثينا/اليونان قالوا أنهم يمثلون أحزاباً شيوعية في بلدان شرق المتوسط وأصدروا في نهاية اجتماعهم (5/1/08) بياناً باسم أحزابهم لا يشير حتى ولو بشكل عابر إلى الهوية السياسية لهؤلاء الأشخاص فيما عدا تضمين البيان إعلان انتسابهم للشيوعية خشية أن يعتبرهم من يقرأ البيان أنهم من أحزاب غير شيوعية. ثمة أحزاب بورجوازية ليست يسارية لديها برامج أكثر ثورية بكثير من البيان المعلن المنسوب لأحزاب تنسب نفسها للشيوعية. شرق المتوسط هو اليوم أكثر بقعة في الأرض ضاجة بالأحداث ويبدو أن الأحزاب المجتمعة في مؤتمرها المتوسطي لم يفتها هذا الأمر حيث أنها لم تتطرق فيما قررت لأي شأن من شؤون الكرة الأرضية الأخرى. إنها تعي ذلك ومع ذلك خلصت إلى قرارات ميتة ليس فيها أي روح شيوعية ولا تستحق أكثر من أن تلقى في سلة المهملات. وعليه فإنني أرجو من الشيوعيين ومن عامة القرّاء كذلك مرافقتي في التحقق من استحقاق هكذا بيان وتلكم مقررات..

1.أهم ما بحثه المجتمعون كان السيادة اللبنانية ولذلك احتلت البند الأول في مقرراتهم. السيادة اللبنانية وهي اليوم أهم قضية سياسية في الشرق الأوسط إلا أنها لا تندرج في حال من الأحوال كقضية شيوعية وهي لا تعني البروليتاريا العالمية من قريب أو بعيد. ما يهمنا في هذا القرار، قرار الحفاظ على السيادة اللبنانية، ليس هو أن ذلك يثبت قطعاً أن المجتمعين ليس لهم أدنى علاقة بالشيوعية فقط بل إنهم ليسوا أمناء لقضايا شعوب المنطقة غير الشيوعية أيضاً. صيغة القرار تفضح ذلك حيث يطالب المجتمعون إسرائيل بشكل غير مباشر باحترام سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها. لم يجرؤ quot; الشيوعيون quot; المؤتمرون على التصريح باسم الدولة التي تنكر سيادة الدولة اللبنانية ولا تعترف بتلك السيادة وتتدخل بفظاظة في الشأن اللبناني الداخلي. إسرائيل تطالب لبنان منذ قيامها وحتى اليوم بأن يعترف بها وبالحدود الدولية بينهما، ولبنان هو من يرفض ذلك من باب التضامن مع سوريا أكثر مما هو مع العرب؛ وهذا عكس ما هو عليه الحال مع سوريا حيث يطالب لبنان سوريا بالاعتراف به وبترسيم الحدود بينهما وسوريا ترفض ذلك على الدوام. لماذا لم يسمّ مؤتمر quot; الشيوعيين quot; الأشياء بأسمائها؟ عكس مثل هذا القرار الفضائحي موقف الحزب quot; الشيوعي quot; اللبناني الذي لا يمتلك أية سياسة تخص الصراع الدائر في لبنان ـ غريب أمر حزب لا يمتلك سياسة واضحة محددة بالنسبة لسيادة بلده المنتهكة !! ـ كما عكس خيانة الحزب quot; الشيوعي quot; السوري المنضوي لما يسمى زوراً بالجبهة التقدمية بقيادة بعث الأسد.
2.القرار الثاني جاء يخص القضية الفلسطينية، وهي القضية التي لم يحسن الشيوعيون التعامل معها عندما كانوا شيوعيين وكذلك بعدما لم يعودوا شيوعيين. قامت إسرائيل كقاعدة متقدمة للإمبريالية متجاوزة بذلك حقوق اليهود الفلسطينيين. وعندما كانت القضية الفلسطينية الساحة الرئيسية للصراع ضد الإمبريالية في كامل المنطقة العربية رفضت الأحزاب الشيوعية آنذاك تبني البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية وتشكيل فصائل مقاومة مسلحة إلا في وقت متأخر وبصورة هشّة. اليوم لم تعد إسرائيل قاعدة إمبريالية غير أن quot; الشيوعيين quot; لا هم لهم إلا مقاومة إسرائيل والعنصرية الصهيونية. القضية الفلسطينية تحولت إلى نزاع على أراضي وهو ما تعترف به منظمة التحرير الفلسطينية وسائر الدول العربية ولم تعد قضية قومية تتعلق بالبنية الإمبريالية بأي شكل من الأشكال، لكن الشيوعيين بعد أن لم يعودوا شيوعيين وخلت أجندتهم من كل الحروف والأسماء فإنهم في حالة ضياع ولم يعودوا يتذكرون إلا فلسطين حالهم كحال الحكام العرب الذين لا يتذكرون فلسطين إلا لتوظيفها في قمع شعوبهم. أما الحزب الشيوعي الإسرائيلي فقد غدت حقوق الأقلية العربية في إسرائيل قضيته الأولى والأخيرة لأسباب انتخابية أكثر منها أسباباً ديموقراطية وترك مسألة الصراع الطبقي لعناية الأحزاب الصهيونية.
3.القرار رقم (3) يثير في النفس الضحك الممزوج بالسخرية المرّة. quot; الشيوعيون quot; يطالبون بإطلاق سراح السجناء السياسيين الفلسطينيين واللبنانيين والعرب في السجون الإسرائيلية !! لكن السلطة الفلسطينية لا تطالب بإطلاق سراح سجناء سياسيين، بل بإطلاق سراح أسرى حرب. في السجون الإسرائيلية عشرة آلاف أسير حرب وليس بينهم أي سجين رأي. لعل الحزب الشيوعي المصري طالب في الإجتماع بإطلاق سراح آلاف السجناء السياسيين في السجون المصرية لكن المؤتمرين رأوا أن في اقتصار المطالبة على السجناء المصريين تنكّراً لحقوق عشرات الألوف من سجناء الرأي في السجون السورية والمطالبة بإطلاق سراحهم أيضاً من شأنه أن يحرج الحزب الشيوعي السوري ويخاطر بالمكافئات المجزية التي يتقاضاها زعماؤه من النظام السوري. وأخيرا وجد المؤتمرون مخرجاً مريحاً من المأزق فطالبوا بإطلاق سراح quot; المساجين السياسيين quot; في سجون إسرائيل طالما أن هذا لا يزعج أحداً فإسرائيل هي الجحش الذي يحمل كل البرادع العربية، وسكت المجتمعون، لعارهم، على آلاف المساجين السياسيين ومعتقلي الرأي في سوريا.
4.يطالب البند الرابع بإخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل وخاصة الأسلحة الإسرائيلية. لم يحذر المجتمعون ملالي إيران من إنتاج القنبلة الذرية التي ستتجاوز أخطارها كل قنابل الكيان الصهيوني حيث يمتلك الملالي في إيران مشروعاً لتشييع منطقة الشرق الأوسط وأسلمتها، عودة للخلافة الإسلامية وولاية الفقيه، بخلاف المشروع الصهيوني الذي ينحصر في الأرض الفلسطينية بل حتى في جزء منها. كما تجاهل المؤتمرون الأسلحة الجرثومية والكيماوية التي تنتجها دول أخرى في المنطقة. وبالعموم فإن مسألة أسلحة الدمار الشامل تخص الإنسانية جمعاء وليس الشيوعيين وحدهم. وطالما أن الشيء بالشيء يذكر نستذكر في هذا السياق الصخب العالي حول الأخطار الداهمة للأسلحة النووية على البشرية جمعاء الذي وظفه خروشتشوف وخلفاؤه في الكرملين لإخفاء حربهم الطبقية ضد البروليتاريا السوفياتية.
5.أما عن التهديدات الأمريكية والإمبريالية الأخرى للشعب السوري، الواردة في البند الخامس، فمن الغريب جداً أن هؤلاء السياسيين، ولا أقول الشيوعيين، لا يعلمون، وهم السياسيون الضليعون في امتهان السياسة، أن الولايات المتحدة الأميركية والدول quot; الإمبريالية quot; الأخرى دأبت على استعطاف النظام السوري صباح مساء كيلا يرسل المخربين والانتحاريين إلى كل من العراق ولبنان ليكون هناك علاقات تعاون وصداقة بين الطرفين مما يسمح بتقديم مساعدات كبيرة لسوريا، إلا أن النظام السوري ظل يرفض كل هذه العروض السلمية والديموقراطية باستمرار لأنه يرى في الديموقراطية أجله المحتوم وهو محق في ذلك. ونحن جميعاً تابعنا اتصالات الرئيس الفرنسي، وخلافاً لرغبات الشعب اللبناني، مستعطفاً الرئيس السوري للمساعدة في تفريج الأزمة في لبنان دون جدوى. يبدو أن ممثلي ما يسمى بالحزب الشيوعي السوري في المؤتمر عملوا على تبني قرار مخالف لواقع الأمر لا لشيء إلا لتسجيل نقطة لصالح النظام السوري وزيادة المكافئات بالتالي التي يتقاضاها زعماء الحزب (أو الحزبين الشيوعيين) من النظام القمعي في سوريا. وفي هذا السياق فشل المؤتمر في أن يطالب النظام السوري بتحرير الجولان؛ ولنا هنا أن نسأل هؤلاء quot; الشيوعيين quot; عن الجهة المقصودة بمطالبتها بتحرير الجولان الواردة في البيان، هل هي حزب الله أم إسرائيل، إن لم تكن النظام السوري نفسه؟! من هي الجهة المطالبة بتحرير الجولان أيها الشيوعيون سابقاً؟؟
6.طالب المؤتمرون بإيقاف التهديدات العسكرية للنظام الإيراني. لم يذكر المؤتمرون الجهة المقصودة بالتهديد وذلك لأن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية تجيز لمجلس الأمن استخدام كل الوسائل لمنع إنتهاك نصوص المعاهدة من قبل الموقعين عليها ومنهم إيران. المعلوم أن الولايات المتحدة هي التي تؤكد أنها لن تسمح لإيران بامتلاك السلاح النووي حتى ولو تطلب ذلك استخدام الوسائل العسكرية. الولايات المتحدة هنا لا تتجاوز القانون الدولي بتهديداتها بل إن من واجبها أن تحول دون امتلاك ملالي إيران السلاح النووي. ولذلك كان على المؤتمرين quot; الشيوعيين quot; أن يطالبوا سلطة الملالي في إيران بإخضاع كافة منشئاتهم النووية للتفتيش المطلوب من قبل هيئة المراقبة الدولية. هيئة المراقبة التابعة للأمم المتحدة تؤكد أن السلطات الإيرانية لا تسمح لها بالتفتيش المطلوب وتسارع في إنتاج اليورانيوم المخصب. بعيداً عن هذا، تعلن الولايات المتحدة أنها على استعداد لإقامة أفضل العلاقات مع السلطات الإيرانية في حال كفت هذه السلطات عن ممارسة القمع بحق القوى الديموقراطية في إيران وعن التجاوزات الفظة لحقوق الإنسان وقيامها بإجراء انتخابات عامة تبيح المشاركة لمختلف القوى السياسية. فهل يتنكر المؤتمرون لمثل هذه الحريات؟ وأي شيوعيين هم هؤلاء الذين يدافعون عن السلطات الدينية الرجعية السوداء في إيران؟! هل التحقوا بعصبة الملالي في إيران وبحزب الله في لبنان؟!
7.في البند السابع طالب المؤتمرون بجلاء قوات الإحتلال quot; الإمبريالية quot; عن كل من أفغانستان والعراق. لا الشيوعيون العراقيون ولا الشيوعيون الأفغان كلفوا المؤتمرين بهذه المطالبة! هل استشار المؤتمرون الحزب الشيوعي العراقي في تبني مثل هذا القرار؟ لو شارك الحزب الشيوعي العراقي في المؤتمر ـ وهنا نتساءل عن سبب غيابه ـ لنصح المؤتمرين بعدم تبني هكذا قرار خاصة وأن الحكومة العراقية التي يشارك فيها تستمهل مجلس الأمن الدولي بتمديد بقاء القوات الأجنبية في العراق. ومن المؤكد من جهة أخرى أن المؤتمرين يعلمون تماماً بأن الإدارة الأميركية تستعجل الإنسحاب توفيراً للنفقات الباهظة وتستمهل الكونجرس كيلا يتعجل بالمطالبة بالإنسحاب قبل اكتمال القدرات العراقية في الحفاظ على أمن الشعب العراقي الذي انتهكه الإرهابيون المتوافدون من كل حدب وصوب بسبب وبغير سبب. ألا يدافع هؤلاء quot; الشيوعيون quot; بهكذا قرار عن قوى الإرهاب وقوى الرجعية مثل طالبان وانتحاريي القاعدة؟
8.حسناً طالب المؤتمرون بوقف العمليات العسكرية التركية في شمال العراق. لكن هذه الحسنة نفتها صيغة القرار إذ جاء بمعناه أن سبب المطالبة بوقف العمليات ليس هو الحفاظ على سيادة العراق وعلى أمن وسلامة الشعب الكردي في كردستان العراق، بل هو خشية المؤتمرين من أن يستدعي ذلك تدخل القوى الإمبريالية ـ والمقصود هنا الجيش الأميركي في العراق. التدخل العسكري الأميركي المتوقع بحكم القرار إنما هو لحماية الأكراد من بطش العسكرية التركية. وفي تلك الحالة لن يجرؤ أحد على وصف هكذا تدخل إلا بأوصاف حميدة. وبالقياس نستذكر هنا حظر الطيران على سلاح الجو التابع لصدام في أجواء كردستان الذي فرضه سلاح الجو الأميركي مما سمح بتطور كردستان السلمي بما في ذلك قواها السياسية ومنها الشيوعيون.
9. و 10 ليس لدينا أي تعليق على البندين التاسع والعاشر المتعلقين بجلاء القوات التركية عن شمال قبرص وبإزالة كافة القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة وعدم إنشاء أخرى غيرها سوى أن مثل هذه المسائل هي مسائل وطنية ولا تخص الشيوعيين وحدهم وهي بالتالي لا تشير إلى هوية المؤتمرين السياسية.

لئن توجب علينا الاعتراف بأي انتماءٍ للمؤتمرين في أثينا في مطلع هذا العام للحركة الشيوعية فإن أي نظرة عامة إلى مقرراتهم المعلنة في بيانهم تؤكد دون لبس أو غموض أن المجتمعين إنما هم من أهل الكهف ولا يمتون بصلة إلى عصرنا الراهن. كان المشروع اللينيني في قيام الثورة الإشتراكية العالمية قد استدعى وخاصة بعد خروج الإتحاد السوفياتي من الحرب العالمية الثانية كأقوى قوة في الأرض، استدعي قيام حركة تحرر وطني تقوم من الجهة المقابلة بالمساعدة في تفكيك النظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي وإنجاز الإنتصار النهائي والحاسم للثورة الإشتراكية العالمية. وهكذا نشطت الأحزاب الشيوعية في البلدان المحيطية في العالم الثالث كبلدان الشرق الأوسط في ثورة التحرر الوطني 1946 ـ 1972.

بيان أثينا (غير الشيوعي) الصادر عن الأحزاب quot; الشيوعية quot; في مطلع هذا الشهر ينتمي تحديداً لتلك الفترة، فترة التحرر الوطني خلال الربع الثالث من القرن المنصرم. في الكهف نامت هذه الأحزاب لأكثر من ثلاثة عقود وأفاقت اليوم لنجدها قد انقطعت تماماً ليس عن الحركة الشيوعية فقط بل عن الفكر الماركسي أيضاً. أفاقت لتخطب خطاب التحرر الوطني ولم تع ِأن التاريخ قد مر مسرعاً خارج كهفها فكان أن توفى الرأسمالية بعد أن توفّى الإمبريالية رسمياً وقد أعلن ذلك رسمياً في بيان صادر عن الأمم المتحدة في العام 1972.

من المعلوم أيها السادة المؤتمرون أن الشيوعية هي الجنين الذي حملت به الأم الرأسمالية والذي كان سيتوفاها حال ولادته كما أكد لنا ذلك الحكيم كارل ماركس بعد الفحص المخبري. وفي العام 1919 ظهر الحكيم فلاديمير لينين يبشر العالم بأن الأم الرأسمالية قد أدخلت في غرفة الولادة وهو يعالجها بالطلق الصناعي فيما يسمى بالثورة الإشتراكية في الحلقة الضعيفة لتلد وليدها الشيوعية. في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ظهر غول همجي على المسرح الدولي قام بافترس الأم والوليد معاً. بدأ الإنهيار متزامناً في العوالم الثلاث التي ورثها العالم من الحرب العالمية الثانية. حقيقة أن الدول الرأسمالية سابقاً لم تعد رأسمالية ولم تعد إمبريالية هي حقيقة تؤكدها الوقائع على الأرض وليس المعتقدات الجوفاء المتقادمة منذ زمن.

الإنتاج القومي في سائر الدول الرأسمالية سابقاً يندرج معظمه وبنسبة 70ـ80% في خانة الخدمات التي يتم إنتاجها فردياً (Individual Production) حيث يتجسد تقسيم العمل بصورة حدية قاطعة، وليس بالأسلوب الرأسمالي (Associated Production) حيث يغيب تقسيم العمل نهائياً. ثلاثة أرباع الإنتاج القومي في الدول الرأسمالية سابقاً تنتجه اليوم الطبقة الوسطى، هذه الطبقة التي استولت على السلطة بحكم سيادتها المطلقة في الإنتاج وأقامت نظاماً طارداً للإنتاج الرأسمالي يتميز بالاستهلاك الواسع (Consumerism) لا يقوى النظام الرأسمالي على احتماله.

ما كان ذلك ليحدث في العالم الرأسمالي وما كان لينهار بالترافق أيضاً العالم الثالث لو لم يفترس غول الطبقة الوسطى السوفياتية الثورة الإشتراكية في عقر دارها وقام أجيرها نيكيتا خروشتشوف يعلن في المؤتمر الإستثنائي الحادي والعشرين للحزب الشيوعي عام 1959 نهاية دكتاتورية البروليتاريا التي هي بالنهاية حارس الثورة الإشتراكية وضمانتها الوحيدة. كان عام 56 هو بداية انهيار العالم الإشتراكي الذي اكتمل في العام 91. إفتراس الثورة الإشتراكية من قبل الطبقة الوسطى السوفياتية هو المسئول أولاً وأخيراً عن انهيار العالمين الرأسمالي والوطني التحرري. الأحزاب المؤتمرة في أثينا وأحزاب أخرى مثلها كانت قد أيدت تأييداً مطلقاً إلغاء دكتاتورية البروليتاريا عام 59 ولذلك أثقل النعاس جفونها ونامت نوم أهل الكهف لنصف قرن طويل وأفاقت اليوم ترطن رطانة حركة التحرر الوطني المنقرضة.

التناقض الرئيس الذي وجده ماركس قبل مائة وستين عاماً في النظام الرأسمالي بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، بين الرأسماليين والبروليتاريا، ورأى فيه العلة غير القابلة للعلاج التي ستأتي على النظام، ذلك التناقض المعروف لم يعد هو التناقض الرئيس اللاعب اليوم على المسرح الدولي حيث منتجو البضائع، البروليتاريا، يأخذون دور الكورَس ويتراجعون إلى مؤخرة المسرح في شرق آسيا. التناقض الرئيس اللاعب اليوم على المسرح الدولي هو التناقض بين منتجي السلع من جهة ومنتجي الخدمات من جهة أخرى، بين الطبقة الوسطى من جهة والطبقة البروليتارية ومعها فلول الطبقة الرأسمالية من جهة أخرى. العالم يستنزف اليوم في معركة لم يشهد مثيلاً لدمويتها عبر التاريخ. اليوم يجري تقتيل البروليتاريا العالمية بهمجية لا تتصف بها إلا الطبقة الوسطى.

بعد انهيار العوالم الثلاث وبعد انهيار المشروع اللينيني للثورة الإشتراكية بصورة خاصة ظهر عالم جديد لا علاقة له بالعالم القديم. تغيّر الإنتاج وتغيّرت وسائل الإنتاج. قبل قرن أو مثل ذلك كانت الطبقة الوسطى الرقيقة للغاية تنتج الخدمات لغرض واحد وحيد هو خدمة الإنتاج السلعي، أو خدمة العلاقة بين العمال من جهة والرأسماليين من جهة أخرى. أما اليوم فقد انعكس الأمر تماماً فغدا دور الإنتاج الخدمي هو تحطيم تلك العلاقة وأخذ الإنتاج السلعي يسخّر في خدمة الإنتاج الخدمي. صحيح أن هذا هو ضد طبيعة الأشياء إلا أنه الواقع الذي يفرضه غول الطبقة الوسطى المتسلطة. ولذلك بتنا نسمع مقولات إقتصادية فاسدة تعاكس طبيعة الأشياء مثل مقولة quot; إقتصاد المعرفة quot; وأخرى أكثر فساداً وهي أن quot; العمل لم يعد له القيمة الحدية في الإنتاج quot;. سيتساءل الشيوعيون من أهل الكهف.. إذاً لماذا التعويل على مقولات فاسدة والإدعاء بقيام عالم جديد مختلف؟! الجواب على مثل هذا التساؤل يتمثل بعدة أسئلة على شيوعيي أهل الكهف الإجابة عليها قبل أن نسلم بقناعاتهم، وهي..

1.لماذا يتم مبادلة الخدمة بأضعاف أضعاف قيمتها الحقيقية مقابل السلعة؟
2.لماذا غدا مجمل الإنتاج القومي في الدول الرأسمالية الكلاسيكية هو من الخدمات؟
3.هل ثمة إمكانية من إنتاج الخدمات بالطريقة الرأسمالية؟
4.لماذا غدت الطبقات الحاكمة في الدول الرأسمالية الكلاسيكية من الطبقة الوسطى وغدت الصيحة الإنتخابية الأعلى في هذه الدول بل وفي العالم أجمع هي المحافظة على الطبقة الوسطى، على خيرها ورفاهها؟
5.لماذا أصبحت الدولة الرأسمالية الأعظم وهي الولايات المتحدة أكبر المدينين في العالم بل وفي التاريخ؟
6.لماذا غدت الولايات المتحدة الأميركية أكبر مستورد للبضائع وللأموال بعد أن كانت أكبر مصدر للبضائع والأموال في منتصف القرن المنصرم.
7.لماذا أفرغ الدولار (رسمياً) من كل قيمة رأسمالية له خلافاً لأبسط قواعد النظام الرأسمالي فانتهى برميل النفط ليباع بمائة دولار بعد كان بخمسة فقط، كما غدا لدى الصين 1000 مليار دولاراً في احتياطياتها، و 750 ملياراً لدى اليابان و 500 لدى روسيا؟

ثمة مائة سؤال وسؤال من هذا الطراز لن يستطيع شيوعيو أهل الكهف الإجابة على أي منها. ويترتب عليهم إذّاك أن يقرّوا بأنه لم يعد لهم أدنى علاقة بالشيوعية ولا بالماركسية التي ألفباؤها تقول أن كل موقف سياسي لأي جهة ولأي حزب لا بدّ أن ينبع أصلاً من علاقات الإنتاج السائدة. كان موقف الآباء المؤسسين الأوائل للشيوعية، كارل ماركس، فردريك إنجلز، فلاديمير لينين وجوزيف ستالين مستنداً إلى علاقات الإنتاج الرأسمالية السائدة آنذاك. اليوم تبدلت علاقات الإنتاج ولو إلى علاقات مؤقتة وعابرة لكنها قادرة على محو الطبقة الرأسمالية في مراكز الرأسمالية الكلاسيكية بشكل خاص وعليه لا بدّ من تغيير برنامج الثورة الإشتراكية التي اغتيلت في الخمسينيات وبرنامج حركة التحرر الوطني التي انهارت في السبعينيات ولم تعد واردة على أجندة التاريخ.

إن قوة ماركس اليوم هي أقوى مما كانت عليه حتى في باكورة الثورة الإشتراكية. ما ينقص الشيوعيين اليوم هو أن يكونوا أمناء لماركس وللماركسية وهو ما يساعدهم على الوعي بحركة التاريخ وبالتطورات الطارئة في مساق التطور الإجتماعي ـ نقول الطارئة لأن حركة عتاة الإمبريالية في مؤتمر رامبويية 1975 التي انتهت بتدهور النظام الرأسمالي لم تكن متوقعة وجاءت خارج مسار التاريخ. الحزب الشيوعي الفلسطيني، وهو من الأحزاب المشاركة في المؤتمر وفي إصدار البيان، كان سباقاً إلى أن يعي بأنه لم يعد له أدنى علاقة بالماركسية اللينينية فكان أميناً لنفسه وتخلّى عن اسمه quot; الحزب الشيوعي الفلسطيني quot; ليصبح quot; حزب الشعب quot; كما اقتفى أثره الحزب الشيوعي بقيادة رياض الترك في سوريا وأحزاب أخرى. مثل هذه الأحزاب تريد أن تقطع كل صلة لها بالتراث الماركسي اللينيني وبالمشروع اللينيني في ثورة أكتوبر الإشتراكية. من أجل أن تكون الأحزاب الموقعة على بيان أثينا أمينة لنفسها ولقواعدها فعليها ألا تخجل من تغيير اسمها بعد أن فقدت كل صلة بالتراث الماركسي اللينيني وبتراث ثورة أكتوبر. إن تخليها عن الهوية الشيوعية من شأنه دون شك أن يخدم الحركة الشيوعية خدمة جلّى.

فـؤاد النمري
www.geocities.com/fuadnimri01