قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

شهد واقع المسلمين في الغرب تحولا بنيويا وسياسيا وثقافيا عميقا، فعلى أدنى تقدير يحصل ذلك منذ ما يقارب عقدا من الزمن، أما على أقصى تقدير فإن مقدمات وبوادر ذلك التحول، ترتبط بالسياق التاريخي العام، الذي كان يحكم العلاقات الإسلامية الغربية، عقب الاستقلال السياسي الذي حققته دول العالم العربي والإسلامي والثالثي، ويأتي على رأسها الصراع العربي الإسرائيلي وما تولد عنه من أحداث مختلفة، ثم تليه حرب الخليج، سواء في نسختها الأولى أم الثانية، ثم الصراع الجديد بين الغرب وإيران، وغير ذلك من المواجهات الباردة، والصدامات المباشرة.


غير أن أغلب هذه الصراعات والأحداث كانت تتم على الخارطة العربية أو الإسلامية (فلسطين، العراق، إيران، سوريا، لبنان، أفغانستان، السودان...)، فكانت ضحيتها الأولى الشعوب المسلمة الأبية، في حين كانت تعيش الشعوب الغربية في اطمئنان تام، لا تبالي بما يقترفه حكامها، باسم الديمقراطية، أو باسم مواجهة الخطر الأحمر، أو باسم اجتثاث الإرهاب الإسلامي، أو غير ذلك، لكن سوف، لا محالة، يأتي الدور عليها، فتصبح بيدقا في معادلة الصراع الغربي الإسلامي الجديد، لا سيما عندما تنتقل عدوى تلك المعارك، التي بدأها وخطط لها حكام الغرب، بمباركة من الكثير من المؤسسات السياسية والثقافية والإعلامية الغربية، إلى عقر دار الغرب، فتصبح المواجهة قائمة ومحتملة في أي وقت على الخارطة الغربية، كما تم في نيويورك وواشنطن ومدريد ولندن وغيرها، مما سوف يجعل الشعوب الغربية تعيش أو تعايش جملة من التجارب التي كانت، قبل مدة قصيرة، لا تطلع عليها، إلا من خلال وسائط الإعلام المختلفة، وذلك من باب التسلية أو ملء الفراغ أو إشباع حاجتها إلى المعرفة الحرة، أما الآن فإنها تتلظى بأخطارها المحدقة بها، إن لم يكن ميدانيا، فعلى الأقل نفسانيا، حيث تتفاقم عليها هواجس الخوف من المسلمين، الذين صاروا، حسب ما تغذيه وتسوقه مختلف وسائط الإعلام، بمثابة قنابل موقوتة تتحرك في كل أنحاء الغرب، ولا أحد يعرف متى وأين تنفجر!


في ظل هذا السياق الجديد، سوف يحاول العديد من السياسيين والإعلاميين الغربيين استثمار ورقة الإسلام، قصد تحقيق مجدهم السياسي أو نجاحهم الإعلامي، على ما لهذه الورقة من وقع في لا وعي الشعوب الغربية، حيث توارثت عن التقاليد الكنسية والأدبيات الاستشرقية تلك الصورة القديمة، التي تحط من قيمة الإسلام الدينية والحضارية حينا، وتخوف من قوته وبطشه حينا آخر، ويمكن تقسيم أولئك الذين يرتكز خطابهم السياسي أو الإعلامي على مبدأ الإساءة إلى الإسلام، إلى أربعة أصناف هي كالآتي:
1-الجهل وغياب المعرفة الموضوعية اللازمة بالإسلام دينا وتاريخا وحضارة، حيث هناك الكثير من المثقفين الغربيين الذين يسيؤون إلى الإسلام، عن عدم معرفة أساسية بالإسلام والمسلمين، ويتم ذلك، في أغلب الأحوال، بناء على ما يقرأونه في الإعلام والصحافة، ثم ما يتلقونه من كتب المستشرقين ومؤلفاتهم.
2-الاستثمار السياسي لورقة الإسلام، حيث ثمة العديد من السياسيين الذين يوجهون، بوعي تام، مختلف الإساءات إلى الدين الإسلامي وذويه، مشككين في حقائقه العقدية وإسهاماته الفكرية والتاريخية والإنسانية، لأن هذا الأسلوب المبني على المناورة الأيديولوجية والإعلامية من شأنه أن يكسب أصحابه مزيدا من القوة والقبول في الأوساط الشعبية، التي يجهل أغلبها حقيقة الإسلام ورسالته العالمية العادلة، حتى أن ثمة من السياسيين والحزبيين من لا يستخدم هذا الأسلوب المعادي للمسلمين والأجانب إلا أثناء المنافسات الانتخابية، وبمجرد ما تنتهي تلك المنافسات يخمد صوتها وينحجب.
3-ظاهرة العنصرية والتعصب العرقي أو الديني أو الأيديولوجي، حيث أن عداء أصحاب هذا التوجه للإسلام والمسلمين نابع من ممارستهم للتفريق العنصري، بين مختلف الأجناس التي تعيش في الغرب، حسب ما تقتضيه مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية، ويظهر أن المسلمين يوجدون في ذيل لائحة العنصريين الغربيين، ليس لأن الإسلام متأخر كما يزعم بعضهم، وإنما لأنه يعتبر الأنموذج الأسمى للإنسان في كل زمان ومكان، والحقيقة المثلى التي تهدد كل حقيقة دينية محرفة أو حقيقة وضعية ملفقة، وأغلب هؤلاء العنصريين يدركون ذلك، ليس في العصر الحديث فقط، وإنما منذ البعثة النبوية الشريفة.
4-الصنف الرابع يجمع بين الأصناف الثلاثة السابقة كلها، فهو أولا وقبل كل شيء ذو طبيعة عنصرية، تجعله يفرق بين ما هو غربي وما هو شرقي، بين ما هو مسيحي أو يهودي وما هو إسلامي، بين الأصليين والأجانب، بين الشماليين والجنوبيين وغير ذلك، ويحاول جاهدا أن يستثمر سلوكه العنصري هذا أثناء مختلف المناسبات الانتخابية، مركزا في مذكرته الانتخابية على الخطر الأجنبي والإسلامي، الذي يهدد أمن ورفاهية الغرب، ثم إنه يؤسس خطابه السياسي والإعلامي على مغالطات تاريخية ومعرفية تنم عن جهله العميق بدين الآخر وثقافته وتاريخه وما إلى ذلك.

وتندرج في خانة الصنف الأخير زمرة من السياسيين والمثقفين الهولنديين، الذين يوفقون في خطابهم السياسي والإعلامي بين سائر مواقف الأصناف الثلاثة الآنفة الذكر، من جهل بارز بالإسلام دينا وتاريخا وثقافة، وعنصرية عارمة موجهة إلى كل ما هو إسلامي، وتوظيف أيديولوجي لورقة الإسلام، باعتباره، حسب زعمهم، يشكل خطرا على الغرب، وتجدر الإشارة في هذا الموضع، إلى أسماء مشهورة سواء أعلى الصعيد المحلي والهولندي، أم على المستوى الغربي والعالمي، كبيم فورتاون وتيو فان خوخ وأيان هيرشي علي وخيرت فيلدرس، وهي أسماء ساهمت بقسط وافر في تشويه صورة الإسلام في هولندا، فروجت في مختلف المحافل السياسية والإعلامية أفكارها المعادية للإسلام وأهله، وقد أفلحت، بشكل أو بآخر، في أن تستميل بعض شرائح المجتمع الهولندي، من العنصريين والمثليين الجنسيين والمرتدين عن الإسلام والملحدين وغير ذلك، وتزرع في نفوسها المريضة مواقفها الخبيثة المبنية على تخويف تلك الشرائح من الخطر الأخضر، الذي هو الإسلام، وترهيبها من انتشار سلوكات التطرف والإرهاب والكراهية التي يتحلى بها المسلمون، وهي سلوكات من شأنها أن تدمر المجتمعات الغربية وتقودها إلى الخراب!

التجاني بولعوالي
باحث مغربي مقيم بهولندا
www.tijaniboulaouali.n