قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يقال ان أول من وضع الأصنام فى الكعبة هو عمر بن لحي الخزاعي الذى وضع فيها صنم (هبل) ويقال انه حصل عليه من عبدة أصنام فى الشام. ثم بدأت القبائل المجاورة تتخذ أصناما أخرى لعبادتها ووضعتها فى الكعبة أيضا. ويقال ان مجموع الأصنام فى الكعبة بلغ 360 صنما حطمها الرسول بعد فتح مكة. ولكن عبادة الأصنام هذه تطورت عند العرب بمرور السنين وربما دخلت فى (جيناتهم)، فأخذوا يعبدون بعض الأشخاص الذين عاصروهم مثل الخلفاء والأئمة والصحابة وغيرهم. فقاموا بتنزيه هؤلاء الأشخاص عن كل خطأ وخطيئة، وقدسوهم وجعلوهم فوق البشر.

ثم ظهر بعد هؤلاء عدد من أئمة المذاهب بآراء مختلفة وطرق متعددة، ووافقهم ناقلى (او مختلقى) الأحاديث المنسوبة للرسول، وأصبح عدد الأحاديث أكثر مما يستطيع الرسول التحدث به فى ثلاثمائة عام او تزيد. وكلما زاد عدد هؤلاء ازداد تشرذم الناس وأخذوا يكفرون بعضهم بعضا ويحرضون على قتل الآخرين. وبعد استيلاء العثمانيين على الحكم (الخلافة) بدأ الأتراك يعاملون العرب على انهم مواطنون من الدرجة الثانية، وصاروا ينظرون اليهم على انهم اتباعهم، فيرسلون اليهم الولاة الأتراك الذين لاهم لديهم الا جمع الاتاوات وارسالها الى الاستانة (اسطنبول)، واذا ما نشبت حروب يجندون الناس ويبعثوهم الى الباب العالى لارسالهم الى جبهات القتال، ونادرا ما يسمع أهاليهم عنهم. وباستثناء بعض الولاة المصلحين فى بغداد مثل داود باشا ومدحت باشا، فان معظم الولاة لا يهتمون بفتح مدارس ولا انشاء مستشفيات ولا شق طرق، فخيم الجهل والفقروالمرض على الجميع.

انتهت الحرب العالمية الأولى وانتهى الحكم العثماني ووضعت معظم الدول العربية تحت انتداب بريطانيا وفرنسا، وبعد ذلك منح بعضها استقلالا شكليا.
بدأ عهد جديد وبدأت تظهر الى الوجود الحركات القومية التى تدعوا الى اتحاد العرب وتشكيل دولة واحدة منهم، وهذا حلم قد يستحيل تحقيقه، اذ ان معاهدة سايكس/بيكو بين بريطانيا وفرنسا قد خططت الحدود وقسمت بلاد العرب الى أجزاء عديدة وجعلت منها ممالك مثل العراق ومصر وامارات مثل شرق الأردن والكويت، ووقعت ليبيا تحت الحكم الايطالي كما كانت تونس والجزائر والمغرب مستعمرات فرنسية واصبحت اللغة الفرنسية فيها هى اللغة الرسمية، وكادت اللغة العربية ان تندثر فيها. وبمرور الزمن أصبح لكل من هذه البلدان خصوصياته التى تباعده عن البلدان العربية الأخرى.

واعلن عن تأسيس اسرائيل فى فلسطين عام 1948 وبدأ العرب يقدسون أبطالا جدد، وهاجوا فى كل بلدانهم، واتهموا حكامهم بالخيانة، مما نشأ عنه قيام انقلابات عسكرية بدأت بانقلاب حسنى الزعيم فى سوريا، و تبع ذلك انقلابات سامى الحناوي وأديب الشيشكلي. وفى عام 1952 قامت الثورة المصرية، وفى الأول من شباط 1958 قام الاتحاد بين مصر وسوريا برئاسة جمال عبد الناصر. وفى 14 تموز 1958 ازيل الحكم الملكي بعد ثورة الجيش العراقي بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم.


كان عبد الناصر خطيبا بارعا، وكان يدرك جيدا انه لكي يوحد العرب تحت قيادته عليه كسب الشارع، وساعده على ذلك وجود كتاب بارعين مثل محمد حسنين هيكل، ومذيعين مؤثرين مثل أحمد سعيد. كان السلاح الأكبر بيده هو ترديده المستمر بعزمه على الغاء اسرائيل من الوجود، وصدقه الشارع فى أغلب البلدان العربية وبدأوا بعبادته. وفى عام 1956 سحبت امريكا وبريطانيا والبنك الدولي عروض القروض التى وعدوا مصر بها بسبب تقرب عبد الناصر من الاتحاد السوفييتى، مما اثار حنقه فأصدر أوامره بوضع اليد على شركة قناة السويس العالمية وتأميم القناة. وحسب اتفاق مسبق مع اسرائيل، قامت الطائرات البريطانية بتدمير القوة الجوية المصرية، كما هبط المظليون البريطانيون والفرنسيون على بور سعيد وبور فؤاد واشتبكوا فى قتال عنيف مع القوات المصرية. بينما قامت اسرائيل باحتلال سيناء. ثم توقف القتال نتيجة ضغط وتهديد الولايات المتحدة وتهديدات الاتحاد السوفييتي. انسحبت اسرائيل من سيناء بعد أقل من خمسة أشهر من احتلالها. أجمع المحللون المحايدون على ان تلك الحرب كانت نصرا سياسيا كبيرا لجمال عبد الناصر بالرغم من الخسائر البشرية والمادية لمصر، وعززت من (قدسيته) فى الشارع العربي.

قامت ثورة تموز وكان عبد الناصر فى موسكو، واثناء عودته بالطائرة الى القاهرة، ارسل برقية تهنئة الى ضباط الثورة. من المؤكد أن فرحته كانت عارمة لسببين: أولهما تخلصه من سياسي مخضرم، وهو نورى السعيد، الذى كان أكبر عائق أمام استيلائه على البلدان العربية، وثانيهما تخيل واهما ان ضباط الثورة فى العراق سيقدمون له البلد على طبق من فضة. وكان الشارع السوري قد فرض على رئيسه شكرى القوتلى ان يسلم زمام حكم سوريا الى ناصر خمسة أشهر قبل قيام ثورة العراق. ولما تأكد ان الزعيم عبد الكريم قاسم لن يسلمه العراق، سارع هو وأجهزة دعايته بالهجوم على الزعيم ولم يخلو كلامه من عبارات قبيحة ومنافية للأخلاق، وسماه (قاسم الآثم) و(قاسم العراق). ولم يكتفى ناصر بذلك بل أنشأ محطة اذاعة موجهة الى العراق من سوريا بمساعدة شركة نفط العراق البريطانية، و بدأ يحرض على الثورة ضده، وجهز العقيدعبد الوهاب الشواف الذى أعلن العصيان فى الموصل بالمال والسلاح. وفعل الشيء نفسه مع من يسمون انفسهم بالقوميين العرب ومنهم البعثيين. انضمت امريكا الى ناصر والبعثيين ونجحوا فى الانقلاب على الزعيم فى شباط من عام 1963 وأهانوه وقتلوه بعد دقائق من محاكمة هزلية صورية.

لسوء حظ العراق ان الثورة المصرية كانت قد سبقت الثورة العراقية، مما أتاح الفرصة لناصر الاستحواذ على عقول البلهاء والمغفلين والراكضين وراء الأحلام والسراب من العراقيين. فأصبح من الصعب جدا تقويمهم. لم يجد الزعيم بدا من الاستعانة بالشيوعيين فأثار بذلك حفيظة امريكا عليه. قانون الاصلاح الزراعي ألب الاقطاعيين عليه، أنصف المرأة وساواها بالرجل فى مسألة الارث فقامت قيامة رجال الدين سنة وشيعة عليه. صديقه وزميله بالأمس عبد السلام عارف انقلب عليه وحاول اغتياله بتحريض من القوميين وناصر، الكثيرون من ضباط الجيش كانوا يحلمون بمناصب كبيرة لم يستطع توفيرها لهم فحقدوا عليه. ثم كانت الطامة الكبرى عندما صادق على قانون رقم 80 بتأميم أعمال شركات النفط فى العراق مما جعل الغرب يخطط لتنحيته. وعند توقيعه على القانون كان يعرف النتيجة فقال للحاضرين ما معناه انه يوقع على صك اعدامه، وهذا عين ما حصل.
فى تلك الفترة، كان صدام وجماعته من البعثيين يخططون لاغتيال الزعيم، ولكنهم فشلوا، وفر صدام الى مصر حيث احتضنه ناصر كما احتضن كل أعداء الحكم الجديد وزودهم بالمال والسلاح حتى نجحوا بالاستيلاء على الحكم فى العراق فى شباط من عام 1963 وخابت آمال العراقيين ببناء وطنهم وخابت طموحاتهم بحياة حرة مرفهة بما ستجلب لهم الثروة النفطية من خيرات.

استولى البعثيون على الحكم بانقلاب دموي وقتلوا الآلاف من العراقيين دون تمييز بين عسكري او مدني، واغتصبوا النساء وقتلوهن. وبعد تسعة شهور من انتصارهم انقلب عليهم صديقهم بالأمس الطائفي عبد السلام عارف، وقتل منهم من قتل وفر الباقون وعاد صدام وصحبه الى عبد الناصرالذى احتضنهم ثانية.

الجماهير العربية المجنونة بحب جمال عبد الناصر نصبوا منه الها وعبدوه، حتى انه بدأ يصدق ما تقوله دعايته عنه. وأخذ يوجه التهديدات الى الغرب واسرائيل، ومرة خطب قائلا انه يملك (صواريخ تصل لجنوب لبنان)، و أطلق على صواريخه أسماء: الناصر، الظافر، القاهر، وعرض اثنين منها فى شمال بغداد فى مدخل معسكر التاجى حيث كانت هناك قطعات عسكرية مصرية لحماية عبد السلام عارف وجماعته. ثم طلب من القوات الدولية التى تفصل بينه وبين القوات الاسرائيلية المغادرة لكي يهاجم اسرائيل ويلقى بها الى البحر كما كان يقول ويكرر. وكانت حرب الأيام الستة التى دمر فيها الجيش المصري، وهربت الطائرات الحربية المصرية التى نجت من التدميرالى السعودية، تماما مثلما فعله بعد ذلك صدام حسين عندما هرب طائراته الى ايران. بعدها كانت تمثيلية استقالته، ولكنه وبناء على رغبة الشعب المصري -حسبما قال- سحب استقالته واستمر بالحكم، والغريب ان الجماهير العربية، وبدلا من تنفض يدها من الرئيس المهزوم فانهم زادوا فى تقديسهم له، واستمر ذلك حتى حتى بعد رحيله فى ايلول 1970.

نعود الى البطل الجديد صدام، فانه كان يحكم بصفته نائبا لأحمد حسن البكر، مع انه فى الواقع كان قابضا على الحكم بيد من حديد، وقد شرع ببناء جيش كبير وصرف البلايين على تسليحه. و أصبح رئيسا بصورة رسمية فى عام 1979. وأول عمل قام به هو الفتك بزملائه وأصدقائه من البعثيين الذين يخشى منافستهم له. ومنذ عودة البعثيين فى عام 1963 أخذوا فى ابعاد الشيعة عن مركز السلطة، وعن المراكز العليا للجيش عدا قلة منهم لا يشكون بولائهم لهم. ثم بدأ صدام بتهجير البعض من الشيعة بتهمة العمالة والتبعية لأيران فهجر منهم عشرات الالوف ورماهم على الحدود الأيرانية بدون ماء او طعام، وأغلبيتهم الساحقة لم يشاهدوا ايران قبلا ولا يفهمون من اللغة الفارسية شيئا، فهاجمتهم الكلاب وافترست الكثير منهم، ثم هاجم ايران عام 1980 بتحريض من امر يكا ودول الخليج، وأدخل العراق فى حرب دامت 8 سنوات، وكلفت العراقيين مئات الآلاف من القتلى وما لا يقل عن مليوني جريح ومعوق، وخسر العراق شط العرب وبعض الأراضي التى احتلتها ايران.
وبعد سنتين فقط دخلت جيوش صدام الى الكويت وقتلت ودمرت ونهبت كما فعلت سابقا عندما احتلت المحمرة فى ايران. وكانت خطة أمريكية محكمة ابتلعها صدام بكل غباء، فكانت بداية نهايته.
ثم كان الانذار الأمريكي له بالانسحاب، ورفضه، وكيف لا يرفضه وان مجرد ذكر اسمه يهز أمريكا، كما كان يهتف له أعوانه (صدام اسمك هز أمريكا)، وصدقهم؟ ودمر القصف الجوي والصاروخي العراق، وعاد العراق الى العصر الحجري كما حذر بوش (الأب). وكان الحصار الاقتصادي والذي استمر أكثر من اثني عشر عاما ذاق العراقيون منه الويل كل الويل بينما القائد الضرورة كان مشغولا ببناء القصور التى يقصر عن ادراكها الخيال، ولكي يسخر أكثر من الشعب فسماها قصور الشعب. أما حفلات العائلة الحاكمة، والاحتفالات بيوم ميلاد البطل فلم تنقطع بل ازدادت رونقا وجمالا، وفرض على الناس ان يوقدوا الشموع فى بيوتهم كمشاركة فى تلك الاحتفالات بينما كان الأطفال يموتون بالآلاف بسبب سوء التغذية.

نفذ صبر الأمريكان لمراوغة صدام لمفتشى الأمم المتحدة، فأنذره بوش الابن ان يغادر العراق مع ولديه الى اي مكان يختاره، ولكنه فضل البقاء فى العراق عسى ان يفلت من الغارات الجوية ولا يدخل الأمريكان فيبقى هو القائد العظيم المنتصر حتى وان قتل نصف الشعب ودمر البلد. ولكن كان حسابه غلطا كما كان دائما فدخل الأمريكان وهرب القائد، وعثروا عليه فى حفرة بعد مقتل ولديه وهروب عائلته للخارج مصطحبين معهم بلايين الدولارات العائدة للشعب العراقي. قدم للمحكمة وكان يسخر منها، وتوكل عنه عشرات المحامين من مختلف الجنسيات ودامت المحكمة أكثر من سنة، ومع ذلك يقول عنها أتباعه ومريديه بأنها غير عادلة وانه أعدم ظلما، خاصة وانه أعدم فى يوم عيد الأضحى، وكأنه لم يقتل او يتسبب بمقتل مئات الألوف ان لم يكن الملايين من العراقيين ولم يكن يهتم فى اي يوم يقتلهم.
ذهب (البطل) صدام وظهر فى العراق المسكين أبطال جدد يرتدون العمائم والعقل والكوفيات والسدائر، وعاد الشارع العراقي يهتف للقادمين الجدد، ولكن خاب أمله بعد ان وجد عددا كبيرا منهم يستلم تعليماته من الدول المجاورة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وخفت الهتافات وحل محلها الوجوم والترقب واليأس الشديد. وأنستهم آلامهم الجديدة آلامهم الماضية. وظهر من يطالبون بحاكم دكتاتوري قوي جديد يخلصهم مما هم عليه، ويجعلوا منه صنما جديدا يعبدوه.


صباح اليوم (الخميس 24 يناير) قرأت مقالة السيد علي السيريني في ايلاف بعنوان (القارىء الكارثة.....) يطلب منى فيها بصورة غير مباشرة، ان أظهر انتمائي بقوله: (كل جماعة لها مفاهيمها وألوانها وتوزيعاتها، وفى واقع كهذا على الكاتب ان يختار انتمائه وهويته الى الجماعة،اي لايمكن قبول منطقة ثالثة وسطى، منطقة محايدة، تعاين وتتفحص ودون موالاة او معاداة). وجوابى هو ليس هناك منطقة محايدة بين الخير والشر. أما عن انتمائى فأنا - كما هو حال معظم العراقيين- لا انتمى لمجموعة او حزب، فانى أعتبر نفسى عراقيا فوق وقبل كل شيء، وما يؤذى أبناء بلدى يؤذينى وما يفرحهم يفرحنى، ولا فرق عندى بين عراقي وآخر وان اختلفا فى الدين او المذهب او القومية او اللون او الجنس. أعيش فى بلاد الغربة منذ أكثر من ربع قرن، وأشعر بلوعتها، ويقض مضجعى فراق الأهل والأحبة. ولكننى كما يقول الشاعر:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ــــــ فما الحب الا للحبيب الأول
كم منزل فى الأرض يألفه الفتى ـــــــ وحنينه أبــــــدا لأول منزل
أو كما قال شاعر آخر:
بلادى وان جارت علي عزيزة ـــــــ وأهلى وان شحوا علي كرام


عاطف العزي
كندا