قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


للمثقف في المجتمعات المتقدمة مكانة لا تدانيها مكانة أخرى نظرا لدوره المحوري في مسار الحياة البشرية والذي لا يقتصر على التقييم والنقد وحسب بل وعلى عرض المشكلات وتقديم الحلول أيضا الأمر الذي يفسح المجال لأجراء إصلاحات تساعد غالبا على توجيه المجتمع الوجهة الصحيحة وهذا ما لمسناه بشكل خاص في أهم ثورتين حديثتين شهدهما المجتمع البشري ألا وهما الثورة الفرنسية والثورة الصناعية ففيما يتعلق بالثورة الفرنسية ساهم المثقفون في أهم دور فيها ألا وهو تثقيف الناس بحقوقهم وتعبئتهم ليكونوا قادرين على المطالبة بها ممن كان يمثل ظل الله في الأرض فقد احدث مونتسكيو وجان جاك روسو و فولتير ثلمه في قناع السلطة البراق الذي كان يبهر العيون ببريقه المزيف بريق التفويض الإلهي الذي جعل الناس قانعين بما لديهم معتادين على البؤس والشقاء الذي تصوروه قدرا حتميا لا مجال للفكاك منه حيث دأبت السلطة السياسية والدينية على تضليل الناس بشان الحقوق التي لهم ولولا دور المتنورين من أصحاب القلم لبقي الظلم قائما ولما شعر الناس بضرورة وحتمية التغيير والأمر ذاته حصل في أثناء هدير الثورة الصناعية التي استغلها الأقوياء والمتنفذون لإنتاج عبودية جديدة هي عبودية الولاء لأصحاب رأس المال الذين ما رسوا طغيانا كبيرا كاد يعيد إلى الأذهان منطق العبودية القديم لولا حضور المثقف في الوقت المناسب ليقوم بواجبه في تحرير الناس من هيمنة وسطوة التباين الطبقي الذي يشيعه أصحاب رؤوس الأموال زارعين في نفوس الناس حب الكفاح من اجل العدالة والمساواة واستمر دور المثقف عامر بالمواقف الرائعة منتقلا بالناس من حال إلى حال فكان نتاج ذلك هذا العالم الأكثر اقترابا من مصالح البشر العليا بعد أن وقف المثقف يحارب الظلم تارة والفساد تارة أخرى منددا بالحروب الطائشة التي أشعلها سماسرة الموت وأعداء السلام ويكفي أن نذكر تلك المقولة التي أطلقها احد أعداء الثقافة ووزيرها في حكومة هتلر غوبلز عندما أشار إلى انه عندما يسمع كلمة ثقافة يستشعر الحاجة لان يتحسس مسدسه وفعلا وقف المثقفين الألمان إلى جانب مثقفي العالم في مواجهتهم للطغيان الهتلري فكان دور المثقف بارزا في أدانه هذا الواقع البائس والانتقال بالبشرية إلى واقع أفضل هذا الأمر هو الذي الهم الحكومات الغربية العمل على أعلاء شان المثقف وتقديمه على أي شان أخر فأصبحت أطروحات وأفكار وتحليلات المثقفين الركن الأساس في سياسات الدول ويكفي أن نشير إلى دور مثقفي الحرب الباردة في أبقاء حالة إلا حرب ومنع انجرار العالم إلى حرب نووية طاحنة تقضي على كل شيء ثم جاء مثقفوا النظام الدولي الجديد ليضعوا العالم أمام صورة جديدة وواقع جديد محذرين من مخاطر مهلكة كالإرهاب والكراهية كما تنبأ بذلك المثقف صموئيل هنتنغتون وغيره ونتيجة لهذا الدور الكبير والمساهمة العالية كرم المثقف في الكثير من دول العالم حتى أصبحت منزلته اكبر من منزلة السياسي فمن لا يتذكر ذلك الموقف الرائع الذي أقدم عليه محرر فرنسا شارل ديغول عندما سمع أن المفكر جان بول سارتر يرغب بمقابلته وكيف اجل اجتماع الحكومة ليلبي هذه الرغبة قائلا أن فرنسا كلها في الباب أي أن المثقف في نظره ليس شخصا بحد ذاته بل كل فرنسا ولعل من ابرز عادات السياسيين في البلدان الأوربية أشادتهم المستمرة بالمثقفين وبدينهم للحركة الحضارية معتبرين الجهود التي يقومون بها على أنها أساس النجاح الحضاري والتقدم الإنساني ف يوشكا فيشر وزير الخارجية الألماني يصف المثقف يورغن هابر ماز بأنه فيلسوف الجمهورية الألمانية الجديدة مؤكدا فضله في إرساء معالم الواقع الجديد وقتاله من اجل ترصين جبهة الحداثة بموازاة جبهة ما بعد الحداثة التي كادت تزلزل بنيان العالم المعاصر باستخفافها بقيم الحداثة ورؤاها فكان موقف المثقف بارزا في خلق ثقة بالجهد الإنساني وحتمية نجاحه لقد شارك كثير من المثقفين في خلق واقع جديد لشعوبهم وفقدوا من اجل ذلك أرواحهم وهنائهم ولعلنا في العراق مررنا بهذه التجربة في اغلب فترات تاريخنا وربما نمتلك تاريخا في ذلك يضاهي معظم التاريخ ( بمد الهمزة على الألف ) المعروفة انطلاقا من أول مثقف صلب على محراب الكلمة الحرة وصولا إلى عصرنا الحالي وهاكم أمثلة على ذلك ابن المقفع مترجم أو ربما مؤلف كليلة ودمنة الذي قطعت أوصاله بأمر المنصور العباسي و الجعد بن درهم الذي ذبحه خالد القسري وسعيد بن جبير المقتول بيد الحجاج وحسين بن منصور الحلاج الذي صلبه المقتدر العباسي وابن الفرات وغيرهم الأمر الذي قد يجعل من العراق البلد الأكثر نزيفا للمثقفين بحكم تعرضهم لاضطهاد الغزاة والمستبدين المتعاقبين فالمثقف العراقي كان في الغالب داعما لحق الناس في الحياة الحرة الكريمة وكان يعمل من اجل تحقيق العدالة والمسا واة رغم علمه بما قد يسببه ذلك له من اضطهاد وقتل فقد كان لبعضهم مواقف غاية في الشجاعة والمبدئية كما في مواقف الزهاوي والرصافي والجواهري وغيرهم بل أن بعضهم تحدى الموت أمام اخطر حكام العصر وقابلوا القسوة بالصمود والثبات على الموقف ولا أريد أن اذكر اسماءا فاغفل بعضهم لان هدفي هو أن ابرز نضال المثقف والجهد الذي بذله في تعرية الحكام وإبراز أخطائهم وسلوكياتهم المنحرفة وتفنيد دعاواهم وشعاراتهم المزيفة وقد لا أغالي إذا قلت أن لبعض المثقفين دور واسع حتى في التمهيد للتغيير أو في الدعوة أليه بغض النظر عن وجود قسم أخر ربما وقف في الطرف المضاد ومارس دورا معاكسا لان هذا مما يدعم الحاجة إلى تدعيم دور المثقف وتجنيده لصالح بناء الواقع الجديد ومثلما صرخ تشيخوف ذات مره أمام القيصر بأنه إذا أعطي خبزا ومسرحا فانه بإمكانه أن يعطي شعبا مثقفا بإمكان المثقف العراقي (وللكلمة مدلول خاص) أن يمارس نفس الدور ويقدم للديمقراطية شعبا أمينا على حقوقه حريصا على أداء واجباته بما في ذلك السهر على حماية دولته وديمقراطيته مما قد تواجهه لان المثقف هو الوحيد القادر على ذلك لعدم ارتباطه بمشروع فئوي لان رجل الدين لايمكنه أن يفعل ذلك مهما امتلك من نزاهة وإخلاص لأنه يعيش في بلد منقسم دينيا وطائفيا ونفس الشيء بالنسبة للسياسي الذي لن يكون قادرا على التخلص من فئويته التي يترتب عليها نجاحه الانتخابي لكن المثقف ربما يمكنه أن يكون رسول السلام والمحبة بين الأطراف العراقية لأنه لايمتلك هوية فئوية أو مشروعا سياسيا خاصا ولا يوجد متخيل ضده كما هو الحال مع المتخيل ضد رجلي الدين والسياسة ما يجعله قادرا على ممارسة دوره التثقيفي دون الخشية من تأويل خاطئ أو سوء تقبل على أن يتم ذلك من خلال مؤسسات ثقافية صرفة ودون تدخل من الحكومة أو الأحزاب السياسية لان أي تدخل من هؤلاء في مهام المثقف أو في دوره سيكون له رد فعل عكسي وسينظر لجهودهم على أنها انحيازا من المثقف لهذا الطرف أو ذاك الأمر الذي قد يدفع إلى التشكيك بهذا الدور وعدم التعاطي معه وبالتالي فقدان ادات مهمة من أدوات البناء الديمقراطي أن لم تكن هي أهم ادات لما تقدمه من حجج وأطروحات تساهم بشكل أكيد في تدعيم المسار الديمقراطي ولأجل ذلك نحن بحاجة لخطوتين مهمتين الأولى أعطاء حصانة سياسية وقانونية للمثقف تجعله متحررا من أي قيود قد تؤثر على خطابه السياسي أو الثقافي وتمنحه الثقة للقيام بمهامه في النقد والتحليل دون الخشية على حياته أو كرامته وتضمن له ضمان أي حقوق يخشى أن يفقدها بسبب طروحه أو أرائه فالمثقف هو أكثر من يستحق الحصانة واهم من يحتاجها لأنه يمارس دورا خطرا وغير محمي ولان مهمته عامة أي ليست لنفوذ سياسي أو ما شاكل فان الواجب الأخلاقي يفرض أن يحصل المثقف على دعم وحماية من الدولة بشكل خاص لأنها المستفيدة الأولى منه فدعم كهذا ربما يساهم في دعم حملاته الثقافية وإنجاح مهمته الوطنية والإنسانية هذا ناهيك عما يؤدي أليه من الارتقاء بواقع الثقافة وبدورها ضمن سياق الحالة العامة أما الخطوة الثانية المطلوبة فهي في إنشاء مجلس عام للثقافة لا يكون خاضعا لسلطة الحكومة حتى يبقى مستقلا عن أي تأثير أو هيمنة بحيث يمكنه أن يؤدي رسالته دون الخشية من أي اتهام بتحيز لحكومة أو لطرف من الإطراف لان وضع مؤسسة كهذه تحت ولاية مؤسسة أخرى ك الحكومة هو تدمير لهدف الثقافة وتبخيس لدورها وربما يساهم في إفشال أي طرح ثقافي يقدم لدعم العملية السياسية لان الطرح الثقافي أو النقد أو التحليل سيكون متهما منذ البدا بفقدان الاستقلالية وسيفقد تأثيره تبعا لذلك لذا ادعوا من خلال هذا المقال كل من الحكومة ومجلس النواب إلى القيام بهاتين الخطوتين الهامتين لأنهما سيساعدان على إنجاح المسار الديمقراطي ودعم عملية بناء البلد متمنيا من جميع المثقفين الدعوة إلى ذلك لأنهم الأولى بحمل هذه المهمة.

باسم محمد حبيب