قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

قاد الرئيس الأميركي المنتهية ولايته جورج دابليو بوش، إثر هجمات 11/9/2001 الإرهابية، في صفوف الحزب الجمهوري، انقلابا غيرمعلن، مدججا بطاقم من اليمين الراديكالي على رأسهم عين صقور المحافظين الجدد ـ نائبه المقرّب ومهندس سياساته ديك تشيني.

أحدثت هجمات سبتمبر انحرافا نوعيا في مسار سياسات فترتين رئاسيتين للرئيس بوش، الخارجية منها والداخلية، ما دعى إدارته إلى تبنّي استراتيجية سياسية ممانعة للإلتزامات الدولية الملحّة متذرّعة بشعار أطلقته هو: quot;الحرب على الإرهابquot;. وبالتناقض مع النهج السياسي الدولي الذي قاده بوش الأب، انسحب بوش الابن من معاهدة كيوتو للحد من الاحتباس الحراري العالمي، وعارض الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية، وتبنى سياسة الحرب الاستباقية (التي هي من وسوسات وزيرة خارجيته كوندي رايس) من أجل الإطاحة بأنظمة الحكم الديكتاتورية والأصولية الإسلامية المعادية للغرب.

وبموجب التفويض المفتوح الذي منحه الكونغرس الأميركي للرئيس بوش عقب هجمات 11/9، والذي يتجلى في التمحور السياسي حول قواسم الأمن القومي المشتركة، تبنّى التيار الراديكالي من أعضاء الحزب الجمهوري الحاكم (المحافظون الجدد) سياسة خارجية غاية في التشدّد والانعزالية، وسيطر التيار الأخير بطريقة غير مسبوقة على مفاصل الحكم في البيت الأبيض.، فتعزّزت النفقات العسكرية رغم تعاظم العجز المالي في الميزانية، وتوسعت البيروقراطية الفيدرالية إلى حدودها القصوى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وتعزّزت بتأسيس وزارة شاسعة للأمن القومي.

غير أن سياسة بوش الخارجية افترقت بليغا عن السياسة الخارجية لوجوه جمهورية بارزة من أمثال وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كسينجر، الذي تولى منصب رئيس الدبلوماسية الأميركية في فترة ولاية الرئيس ريتشارد نيكسون، والذي كان يعتقد، حسب ما جاء في مذكراته، أن الولايات المتحدة، بالرغم من قوتها، لا تستطيع السيطرة على العالم بالحجم الذي ترغب فيه، وأن توازن القوى في العالم هو مصلحة استراتيجية أميركية بعيدة المدى يساعد على حفظ أمنها واستقرارها الداخليين. وعلى جانب آخر نجد أن الرئيس الجمهوري الراحل، رونالد ريغان، كان يرى في الاتحاد السوفيتي السابق quot;إمبراطورية شرّquot; أيضا، لكنه لم يلجأ أو حتى يروّج يوما إلى إسقاط النظام الحاكم في تلك الدولة quot;الشريرةquot; ـ حسب التوصيف الأميركي ـ باستخدام بالقوة!

أحدثت سياسة بوش الخارجية المستجِدّة، حتى على أقرانه من أعضاء حزب الجمهوري أنفسهم من صف الجناح المعتدل، انقساما في صفوف الحزب الذي بدأ ينأى بنفسه عن تيار quot;المحافظون الجددquot; الذي تشكل من تلاقح تياري الفكر المحافظ: quot;السياسيquot; المعروف اصطلاحاً باليمين المحافظ، وquot;الدينيquot; المعروف باليمين المسيحي. وتصاعد الجدل حول أفكار هذا التيار على المستويين التطبيقي والنظري، حتى من جانب أحد أبرز منظّري هذا التيار، فرانسيس فوكوياما، في كتابه الذي أثار جدلا عميما والذي يحمل عنوان quot;ما بعد المحافظين الجدد: أميركا على مفترق طرقquot; After the Neocons: America at the Crossroad. وتعاظم تياران في إطار التيار المحافظ أحدهما يضم المحافظين التقليديين أوالأعضاء المؤسسين للتيار المحافظ من المعتدلين الذين ينظرون بعين الريبة والامتعاض إلى سياسات الرئيس جورج دبليو بوش انطلاقاً من إيمانهم بالنهج الواقعي في العمل السياسي بعيدا عن الجنوح إلى المعتقدات ذات الطابع الربوي حول الإلهام الديني والحرب باسم الله، هذا على النقيض من أنصار التيار المحافظ الراديكالي الديني الذين يرون في الرئيس بوش وينستون تشرشل الجديد الذي قاد الولايات المتحدة بسلام في عمق أتون الحرب.

فصل المقال، إن الحرب الأميركية في العراق، ومنذ الإطاحة بنظام صدام حسين واستمرار القوات الأميركية بالتواجد الواسع هناك إثر إنجاز quot;مهمةquot; تقويض الديكتاتورة الصدامية ـ السبب المباشر لدخولها الأراضي العراقية ـ، الحرب اللامنتهية التي صوّرها المناهضون لها على أنها أسوأ كارثة نزلت بتاريخ الأمة الأميركية على مستوى السياسة الخارجية، إنما تُعتبرالسبب الرئيس في وقوع الشرخ الذي تعمّق في مسيرة الحراك السياسي الأميركي، على مستوييه الحزبي والشعبي، والذي أدّى، نهاية، إلى خسارة مدويّة للجمهوريين لمنصب الرئاسة، وأغلبية مقاعد مجلسيّ النواب، خسارة دفع ثمنها الأغلى السيناتور جون ماكين إثر هزيمته الأخيرة أمام خصمه الفائز بالمكتب البيضاوي أوباما، لمجرد أنه ـ أي ماكين ـ نأى بنفسه عن شخص جورج بوش وجوقة صقوره، دون أن يفلح في أن ينأى بسمعة الحزب الجمهوري ومبادئه المتأصلة عن نزعات الصقور الفردانية المتعالية.

ومن اللافت ما صرّح به ريتشارد بيرل، أحد عتاة المنظّرين للحرب في العراق، وفي حوار تلفزيوني خاص، ما مفاده اعتقاده الجازم quot; أن خروجا مبكرا للقوات الأميركية من العراق إثر سقوط نظام صدام حسين كان بإمكانه أن يسجّل انتصارا سابقا للإرادة السياسية الأميركية ورغبتها المبدأية في نشر الديمقراطية في العالم، وينأى تاليا بسمعة أميركا عن التشويه الذي لحق بها على المستويين الدولي والإنساني في آنquot;.

ومنذ انطلق الدخان الأبيض في واشنطن معلنا فوز الديمقراطي باراك أوباما برئاسة الولايات المتحدة، ارتفع من جانب المعسكر الجمهوري المهزوم دخان من لون آخر، يهدف إلى تدارس أسباب الهزيمة المدويّة التي شهدها الحزب الجمهوري، في السلطتين التشريعية والتنفيذية، بعد أن كان قد فرض منذ العام 2002 سيطرة كاملة على نظام الحكم في الولايات المتحدة لم تشهده البلاد منذ أربعينات القرن الفائت في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور.

يرى المفكّر الجمهوري من جناح المعتدلين جورج وييل في كتابه الصادر مؤخرا، والذي يحمل عنوان quot;رجل أميركا الأوحدOne Manrsquo;s America، أن انفراد مؤسسة الرئاسة الأميركية مؤخرا بشؤون السياسة الخارجية يعدّ سابقة شكّلت حجر العثرة في مسار التطور السياسي على الصعيدين الداخلي والدولي، وذلك لأن طغيان دور الرئيس على أدوار المؤسسات الأخرى فتح الباب على مصراعيه لسياسات قادت إلى إخفاقات مربكة في تحقيق الأهداف الأميركية المحفّزة لحقوق الإنسان وإحقاق الديمقرطيات في العالم. وينتقد وييل فكرة quot;تبجيل الحل العسكريquot; باعتبارها وصفة سياسية إسعافية يلجأ إليها المحافظون الجدد لإخراج، إدارتهم أولا، والولايات المتحدة تاليا، من الوعكة السياسية التي تنتابها. وهذا مبدأ تعود إرهاصاته الأولى إلى فكر الرئيس تيودور روزفلت الذي طالما انتقد افتقاد الأميركيين في عهده للحماس اللازم من أجل تشكيل إمبراطورية أميركية، مشدّدا في الوقت عينه على الأهمية الاستراتيجية لتمركز القوة بيد رجل واحد.

العام 2008 هو عام الصحوتان في الولايات المتحدة الأميركية: صحوة quot;التغييرquot; الذي أعلنه الرئيس المنتخب أوباما شعارا وخارطة لطريقه السياسي، وصحوة quot;الإصلاحquot; في أروقة الحزب الجمهوري من أجل إعادة قراءة الحدث والعقيدة والتاريخ، والولوج إلى المستقبل باجتهادات سياسية عادلة، ودماء شابة مجدِّدة، قد تشدّ بشرة أصابتها بقع الحروب المتفشيّة هنا وهناك بتجاعيد الشيخوخة المبكّرة، غير المرجوّة!

مرح البقاعي

[email protected]