قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ليس خبراً ولا مقالاً ولا احتجاجاً

ليس جديداً بالطبع أن يتم اعتقال أحد في العالم العربي، كل يوم يتم ذلك؛ للدرجة التي أصبحت وكالات الأنباء تتعامل باستخفاف شديد مع هذه الأخبار، بل لا تجد ذلك خبرا يستحق النشر بشكل منفرد؛ إن لم يكن المعتقل يمتلك قيمة إعلامية رمزية، تجعله خبراً عاجلاً أو لافتاً على الأقل؛ أو أن يكون الاعتقال بالجملة، كأن يعتقل مجموعة من الطلبة، أو مجموعة من المحتجين ليكون العدد كافيا لكتابة ثلاثة اسطر في خبر هامشي لمراسل وكالة أنباء أجنبية في الغالب، وعادة لا تجد وسائل الإعلام العربية التي تتعامل مع تلك الوكالات ما يدفعها لنشر هذا الخبر وحجز مساحة له على صفحاتها، أو من وقت بثها الثمين.. ليس فقط لان لديها قضايا أهم من اعتقال شخص بسبب فكره، بل لأن الأمر عادي في العالم العربي ويشبه أن يصاب شخص ما بزكام عابر، وكذلك لأن وسائل إعلامنا في دول بيوتها من زجاج فلا تريد أن تتلقى حجارة الآخرين...


يعرف هذا كل المشتغلين بالشأن العام، وتعرفه وسائل الإعلام العربية، وتعرفه حكوماتنا quot;الوطنيةquot; أيضا، ولم يحدث أن نظمت وسائل الإعلام العربية حملة مركزة للإفراج عن معتقل (استثني من ذلك معتقلي قناة الجزيرة) ولا حتى منظماتـ(نا) الحقوقية. المبادرات هذه تأتي من الغرب quot;الكافرquot;، صاحب المصالح في تفتيت quot;وحدتناquot; وفي إثارة النعرات لـquot;أمتناquot; وquot;دولناquot;؛ فهو عادة المستغل الدائم للقضايا الهامشية هذه! كما يرطن محللو(نا) الإستراتيجيون في وسائل إعلامـ(نا) وهم يرغون ويزبدون لماذا الآن ياسيدي لماذا الآن.. ولماذا تهتم أمريكا (سيدة الغرب الكافر صاحب المصالح) بهذا الشخص بالذات؛ وفي هذا التوقيت بالذات؟! وعادة لا يتساءل هؤلاء: لماذا اعتقل هذا الـ شخص؛ والذي يترفعون عن ذكر اسمه.. وفي وصلة الردح المعهودة لابد من المرور على ذكر معتقليـ(نا) لدى إسرائيل quot;الغاشمةquot; وتجاهل هذه الـ أمريكا ومن خلفها وأمامها وبجانبها الغرب بما فيه اليابان لهم...


أعتقل أصدقاء لي، واعتقل معارف، واعتقل كتاب أعرفهم، واعتقل مدونون كنت اقرأهم... لم يعد يفاجئني ذلك؛ ولستُ وسيلة إعلام لأظل متتبعا أحوال المعتقلين الذين يتكاثرون بنسبة أعلى من نسبة تزايد السكان في عالمنا العربي، ولم يعد لدي ما اكتبه عن الأمر، فكل منا مشروع معتقل في الحالة العربية.
وفي الحالة السورية تحديدا لم اعد أجد مبررا لاحتجاجي ولا مبرراً لكتابتي عن ذلك؛ ولم أعد ابحث حتى عن العرائض التي يدبجها آخرون تطالب بالإفراج عن أحد.. إذا لم quot;أتفشكلquot; فيها بالصدفة؛ فالنظام السوري يمتلك من الصفاقة ما يجعل أصواتنا تتحول الى مجرد تسجيل موقف لـquot;التاريخquot; ولستُ رجل مواقف ولا quot;تاريخيquot; كذلك، وهم من الكثرة للدرجة التي نحتاج صفحات لسرد أسمائهم بدون التهم التي صيغت لهم على مهل...

عن المدون رضا عبدالرحمن علي
في كل هذا وفي ظل هذا اعترف أن اعتقال رضا آلمني فهو أحد المدونين فيمواقع عدةومن هناك بدأت علاقتي معه. ورضا ذو الـ 32 عاماً ينتمي لمجموعة قليلة في العالم العربي تعتقد بالقرآن فقط ولديهم منطق ما، في ما يعتقدون؛ ويسمون quot;القرآنيونquot; وهم فئة ضعيفة وهامشية وليس لديهم quot;نداباتquot; كما يقول المثل العامي، وأحد أبرز وجوههم الكاتب أحمد صبحي منصور..


كنت قد استشهدت بما كتبه رضا في مدونته ، قبل قليل من اعتقاله في بحث عن quot; الانقسام الطائفي عربيًا من خلال تعليقات القراء والذي يدور حول انقسام القراء حول تصريحات القرضاوي حول التشيع، وكنت قد ذكرت أنه لم يحتج أحد على تكفير القرضاوي للقرآنيين، سوى رضا.. الذي كتب احتجاجاً خافتاً لا يكاد يسمع على هذا التكفير وهو يناقش ماجاد به القرضاوي.. لم يكن يعلم رضا أن تكفير القرضاوي لهم أعطى إشارة البدء لأجهزة أمن الدولة المصرية لتشن هجومها عليهم فالمباحث في الدول العربية مؤمنة إن اقتضت المصلحة، وعلمانية إن أرادت، وملحدة إذا اقتضى الأمر، وسنية عند الضرورة، وشيعية في حال ما، وعلوية في مقام آخر؛ وليبرالية إن استفاد ولي نعمتها...


كان رضا قد كتب قبل ذلك في مدونته التي تحمل اسم quot;العدل الحرية السلامquot; عن استدعاء الأزهر له كموظف على ملاكه والتحقيق معه لأنه ينشر فكراً ضالاً، وخصم من مرتبه الضئيل (305 جنيها مصريا= 55 دولار تقريبا) عشرة أيام، كان احتجاجه يشبه وجهه المسالم فهو يرى أنه يكتب وينشر خارج أوقات الدوام وأن الجهة التي يعمل لديها لا شأن لها في الأمر؛ ويرى بدهشة الأطفال وبحججهم البسيطة أن الفكر يرد عليه بالفكر؛ وليس بالاستدعاء والخصم من الراتب الضئيل أصلاً؛ أذكر أني ضحكت يومها لمنطقه البسيط السليم.. وقلت إن رضا رغم عمره الثلاثيني مازال طفلاً quot;يغني في الطاحونquot;


لفت انتباهي تغيب رضا عن المدونات فترة طويلة، ومواضيعه تحظى بنقاش من الإسلاميين ويكون رده عادة بسيطا لطيفاً مسالماً، واعترف أن العين الساهرة غوغل هو من قادني الى نبأ اعتقاله؛ حزنتُ.. هذا كل ما لدي.. فقد اعتقل رضا يوم 27 تشرين الأول (أكتوبر) من هذا العام؛ لم يكن وراءه أحد، لا وسائل إعلام ولا أحزاب ولا منظمات (استثني المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي منظمة لم أسمع بها قبل اعتقال رضا)، لذلك بالكاد وجدت أخبارا قليلة عنه في صحيفة مصرية أو اثنين، واغلب ما ذكر عنه مأخوذ من مدونته، ووجدت كذلك محنة القرآنيين في موقعهم البسيط، الذي يحمل اسم quot;أهل القرآنquot;. لا قرابة رحم ولا قرابة فكر تربطني مع رضا، ولا مع القرآنيين؛ رغم ذلك أصابني خبر اعتقاله باكتئاب.

ثمان نسوة هن كل من احتج على الاعتقال
لم تذهب وسائل الإعلام الى عائلة رضا فهو أقل من خبر، ولا يحتمل صورة، ومن هم أهله إذاً لتأخذ تصريحاتهم؛ فهو ليس مرشح سابق لرئاسة ولا رئيس لحزب ولا كاتب مشهور في جريدة كبرى، ولا منخرط في منظمات لحقوق الإنسان انه موظف يدون في مدونته بعد انتهاء عمله؛ لذلك وجدتُ أن أخيه كتب تعليقاً في موقع أهل القرآن quot;قامت مباحث امن الدولة باقتحام منزلنا وتفتيشه ومصادرة جهاز الكمبيوتر والطابعة. ولا نعرف سبباً للقبض عليه، rlm;ولا نعرف لماذا تقوم مباحث امن الدولة بمعاملتنا بهذه الطريقة. وهذا الأسلوب القاسي. في تضليلنا وإبعادنا وحجب rlm;اي أخبار عنا بخصوصه. فنحن لا نعرف أين هو الآن ولا أي معلومة عنه ولا عن الطريقة التي يعاملوه بها rlm;rlm;.ونخشى عليه من طرق الوحشية والتعذيب التي يستخدمونها في استجواباتهم للمعتقلين، ونسأل الله أن يحفظه من rlm;تصرفاتهم غيرا لآدميةquot; rlm;

أما والدة رضا فهي لم تكن تملك سوى البكاء في الاحتجاج الذي نظمته ثمان نساء من عائلته الأربعاء الفائت 19 تشرين الثاني (نوفمبر) أمام مكتب النائب العام بدار القضاء العالي، وبعد بحث طويل حتى عرفت أن مكان الاحتجاج في محافظة الشرقية في مركز كفر صقر؛ فرضا هامشي مثلنا ولن يتضامن معه سوى عائلته، ووالدته(على ما وجدت في موقع أهل القرآن) ظلت تبكي طوال الوقفة، وتصرخ quot;أنا عايزة أعرف ابني فين من 25 يوماquot;، أما شقيقة رضا الصغرى quot;هبةquot; فهي تعتقد بأمل باهت هو القضاء والنيابة quot;لو أخويا متهم مش بيتعرض على النيابة ليه؟quot;، فيما تشير الشقيقة الثانية quot;عزةquot; الى الاضطهاد الذي يواجهونه في قريتهم لأنهم قرآنيون، مطالبة بالرد على فكرهم بالفكر بدلا من الاعتقال، وتقول أن جدودهم هم من قاموا بتحفيظ القرآن لكبار الشيوخ، أما أخته الثالثة فتشير إلى محنة القرآنيين المسالمين فـ quot; ما في مناسبة تحدث للعائلة وتجتمع فيها سواء أفراح أو غيرها، إلا ويهجم عليهم الأمن ويعتقل أحدهمquot; كما شكت باكية من اضطهاد الناس لأسرتهم، وأن أبسط أشكال هذا الاضطهاد هو عدم قبول أبنائهم في quot;الكتاتيبquot; لتحفيظ القرآن، متهمينهم بالكفر لأنهم quot;قرآنيونquot;. وعائلة رضا ليس لها مطالب كثيرة فقط تريد أن تطمئن على ابنها وتعرف أين هو...


كنت قد كتبت قبلا عن غياب الضمير الأخلاقي العربي، ورغم أني أعرف هذا إلا أنه فاجأتني تعليقات الإسلاميين المتشفية والمحرضة على اعتقال البقية الباقية من القرآنيين، ويحضرني هنا حكاية في تراثنا تقول أن رجلا يركب حصانه في الصحراء وجد رجلاً آخر مرمى على الأرض؛ فنزل عن حصانه ليرى ما الأمر؛ فقال له الرجل المرمي أنه لم يعد يقوى على المسير، فاركبه حصانه وسار بجواره على رجليه، بعد أن اعتلى ذاك الرجل الحصان لكزه هارباً بالحصان... ناداه صاحب الحصان وقال له أرجوك خذ الحصان لكن لا تحدث أحداً بما فعلت لأنك بهذا تقطع المعروف بين الناس..! كيف سيطلب الإسلاميون بعد قليل من الآخرين أن يتضامنوا معهم عندما تصبح مباحث أمن الدولة علمانية وتعتبرهم خطرا عليها وتعتقلهم...

اسمع.. اسمع يا رضا
امبارح كنّا عـ الحديد
وهلأ صرنا عـ الحديد
وكل شي عم يغلا ويزيد
...
فقط نحن البشر في هذه المنطقة من العالم نرخص يا رضا

خلف علي الخلف