قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

1-
استمتعت بقراءة كتابة صالح الراشد هنا في إيلاف المنشورة في 15 أغسطس عن quot;سياحة السعوديين في لبنانquot; وهو مقال جاء في الصميم، ذلك أنني حينما قرفتُ من لبنان في زيارتي لها قبل أيام واختصرتُ زيارتي بسرعة ندمت أشدّ الندم على تلك الزيارة، وأتمنى لو أستطيع مسحها من ذاكرتي، لم يكن تصرفي معقولاً بالنسبة للبعض، وقد خاطبني صديق شكوت له هذا الهراء الذي شاهدته في لبنان فهمس إليّ بجملة لطيفة حينما قال: quot;بلدان العالم الثالث تتشابهquot;، ففي المطار حينما تنزل بجوازك الأخضر يستفزّك أمن المطار البائس الذي يأخذ جوازك ويفتحه من الغلاف إلى الغلاف قبل أن يبهتك بنظرةٍ حاقدة، وبعد أن جلست في لبنان مدة قصيرة لم أستمتع بها ساعة واحدة، بعد أن كان بلد السياحة الأول في العالم العربي لم يعد سوى البلد السياسي الأول، فأهله في حالة من الاستفزاز الدائم، وقلّما تركب مع سائق التاكسي من دون أن يسرد بياناً سياسياً يبيّن فيه رأيه الشخصي في كافة المستجدات، فيملأ رأسك بالهراء، ويصدّع آذانك بالحديث الممل.

2-
بصراحة لبنان يمرّ الآن من ناحية السياحة على مسار هو الأخطر وأعني به quot;مصْرَنة السياحةquot;، حيث بات السعودي بالنسبة للبعض الصرّاف المتنقل، فيضايقك الناس في الشوارع والطرقات، كلّ يسدي خدماته المتنوعة، المشروعة والممنوعة، وكأنك في quot;مصرquot; ومصر معروفة بهذا الابتزاز السخيف، لكن أن تصل هذه الظاهرة إلى أرياف لبنان فإن هذا هو البلاء بعينه، خاصة وأننا ظننا لفترة من الدهر أن المجتمع اللبناني استوعب مفهوم quot;صناعة السياحةquot; بحيث يفهم التنوع الذي يضم السياح، فهم ليسوا على درجة واحدة من التفاهة والسقم، فالأماكن الحيوية مزدحمة ومعرضة للاستعراض والابتزاز، وكنتُ أطمح إلى زيارة مجموعة من الشخصيات والأماكن الإعلامية لولا الحرّ الشديد، والاكتئاب الفضيع الذي لازمني طوال تلك الرحلة التي كانت تشبه quot;الكابوسquot; الطويل الذي لم أفكّ لغزه حتى اليوم.

3-
لم تؤنسني سوى الأحاديث والحوارات التي نعمتُ بها مع المفكّر اللبناني وصاحب نظرية quot;نقد النصquot; في مقهى في شارع الحمراء، الذي غمرني بأخوّة لم أعرفها في كل المثقفين الأدعياء الذين قابلتهم من قبل، وحينما حدثته عن هذا التحوّل في لبنان عذرني، وراح يسترسل في سرد التحولات الاجتماعية بكل أطيافها، لقد جنّنت حرب تموز لبنان، وخضّته خضة كبرى، جعلته حبيس احتقان سياسي متوزع، لم يستطع الفكاك منه. أما عن الاستفزاز الذي يقابلك به بعض اللبنانيين الذين يقفون من السعودية موقفاً معادياً فلا تسأل عنه، بعضهم رأى أن وجود السعوديين في لبنان خطر، وأوصاني أحدهم بأن أنقل عائلتي فوراً إلى السعودية إن كانت معي، ذلك أنه ndash;حسب ما يدعي- وقف على معلومات تفيد بتهديد جماعات مسلحة للسعوديين في لبنان، لكن الأدهى من هذا كله، حجم الخراب الذي يعم لبنان كله، وأصبح لا يختلف عن أي مدينة عربية، لقد طمست معالم لبنان جبران وسعيد عقل وفيروز والرحابنة، احتفى لبنان أنسي الحاج والماغوط وأدونيس ويوسف الخال وعلي حرب وسمير قصير، وأصبح لبنان خاوياً إلا من بقايا ذاكرة لا تكاد تميّز معالمه إلا عبر تذكر تلك الأمكنة، أصبح لبنان لوحة كبيرة عليها ملصقات سياسية، وبات الناس في حالة استنفار من أجل رضع جيب هذا السائح، وأصبحنا في حالة تشبه المطاردة، في حالةٍ من الاستفزاز تبعث على اسوداد المزاج. خاصةً وأنني هربت من الرياض إلى لبنان، أبحث عن هدوء ولم أجد سوى الإزعاج، وعاد إليّ الضنك والقرف والتأفف بشكلٍ جعلني أنفر حتى من أقرب الأقربين.

4-
أما عن السعوديين هناك فلا تسأل، وأنقل هنا نص الأستاذ صالح الراشد كاملاً من مقالته حينما كتب: (تذهب إلى مشروع السوليدير، فلا تجد إلا أعراباً وأعرابيات من بني خليج، هربوا من صحاريهم، وسياط صيفهم اللهّـاب، ليتحلقوا عند حلول المساء حول ساعة ساحة النجمة، وفي المقاهي التي تحيط بها، يلبسون أغلى وأثمن الأزياء الإيطالية، والساعات السويسرية الثمينة التي اختلط ذهبها بالألماس.. اللافت للناظر في ساحة النجمة، أو في الأزقة المتفرعة عنها، أن صغار بني خليج وبعضاً من كبارهم، لا يغازلون إلا بنات قومهم، رغم أن الواحدة منهن تبدو وكأنها فيل صغير، تكدس عليها الشحم واللحم حتى لا تكاد تميز صدرها من قفاها، ليثبت الخليجي أن العنصرية تتملكه قيودها من رأسه وحتى أخمص شهواته) هذا النصّ الضافي لا أزيد عليه، فقد صدّرنا الانحطاط حتى في المسائل السياحية، وقد شاهدت مضاربات بين السعوديين وهم سكارى وأنا أتناول قهوتي صباحاً في مقهى على الروشة بشكل يثير الاشمئزاز، واستغرابي كان من تباطؤ جهاز الأمن في التدخل وكادت إحدى المضاربات أن تصل للدم فيما بينهم وهم في اعتقادي حفنة من حثالة المجتمع السعودي وهم على ما يبدو من الذين امتلأت جيوبهم وتصحّرت عقولهم، فيالهم من سفاء وعربان لا يعرفون معنى السياحة.

5-
هناك مدن تشعر معها بالارتياح هذا ما أكنّه مثلاً لمدينة الرياض التي أسكن فيها، وهي أحب إليّ من كل مدن الأرض، وأشعر بمديونية إزاء ما منحتْني إياه هذه المدينة التي تشبه الجدّة التي أثقلتها تجاعيد الزمن وتضع كفاً على كفّ حباً وأسفاً على سكانها وحينما أمشي في شوارعها ليلاً مترجلاً، أشعر أنني أحتكّ بأرضٍ تغمرني بدفئها، كما أكنّ حباً جماً لمدينة بريدة التي ولدت بها وترعرعت فيها وتعلمت فيها، ويسكنها أبواي إلى اليوم، وهي مدينة تجسد زخم الحب العائلي، وأشعر بالدفء وأنا أتسلل من الرياض إليها، وأعشق الطريق إلى بريدة، وهو الطريق السريع الذي تأسس في عهد الملك فهد، في بريدة هناك حيث رائحة مصلّى أمي، ورائحة طبخها الذي أحافظ على تذوقه كلما زرتها، كما أحنّ إلى بيت جدتي هناك، ففي بيتها تعلمنا نحن الصبية الشقاء والعبث والصخب، واحتملتْنا أيما احتمال، كما أحنّ إلى مدنٍ أخرى، مثل مدينة جدة التي أستمتع بها، وحينما قدمتُ من لبنان مشمئزّاً ذهبت إلى جدة لأربعة أيامٍ متتالية، جلستُ فيها مع أصدقاء من معادن نادرة لا يغيّرها الزمن، أعني بهما خالد السبيعي، وسليمان الغصن، كنا نتلو تراتيل الحب والحزن، والسقم والشفاء، العبث والانتظام، الطيش والاعتدال، كما أن جدة لها رمزية روحية، وأشعر باستمرار بحنينٍ إليها، هذه هي أمكنتي، فأنا لم أدخل في معمعات التكشّخ والادعاء، أنا لا أستمتع في كل الأمكنة التي تبتزّون بها معاشر المهمّين، أنا يكفيني مقهى بموسيقى هادئة على شاطئ في جدة عن كل سياحاتكم وانتداباتكم الارتزاقية، أنا لم ولن أدخل مساحات الارتزاق والتذاكر المجانية في المؤسسات الحكومية أو الشرهات من الشيوخ والمسؤولين، يكفيني راتبي الزهيد أن أقتص بعضه لشراء تذكرة إلى جدة وأقابل أصدقائي هناك.

6-
تستفزني مشاهد البهجة التي لا تتواءم ومستوى جدّيتي وصرامتي، ومساحات قرفي، ونبرات ألمي، فأنا شخص أنفر من مساحات البهجة والأنس الزائد عن اللزوم، أحب أن أبقى حبيس تأملاتي، وأن أحافظ على مستوى حزني وتأملي في البشر، وعلى حدّ قول سيوران: (لكي تحافظ على عزلتك تعلّم كيف تكون بغيضاً) وهو ما صنعْته، فأنا ليست وظيفتي في الحياة أن أضحك الناس، فهي مهنة مقرفة وهي للبهاليل فقط، وإنما أن تتأمل في العالم والمحيط وتمارس الاشمئزاز والقرف، والأنفة والسخرية من هذا العالم، لقد حاولتُ أن أخالط الناس وأبدو سعيداً بهلولاً مثلهم، وأن أخدمهم لكنني عجزت، أو قوبلت بالنكران، وبقيتُ كما أنا، الكاتب الذي يمارس النقد وأنا الذي أنتقد نفسي أكثر من انتقاد أي شخصٍ آخر، نحتاج إلى حواس كثيرة، لندرك مساحات السخف والنتن داخل أدعياء الثقافة والدين والسياسة، هذا هو المهم، لذا اكتشفوا مدنكم داخل نفوسكم، اعرفوها هناك، كل سنة وساحتكم وادعاؤكم وتكشخكم بخير أيها العربان.

فهد الشقيران
كاتب وصحافي سعودي.
[email protected]