-1-

منذ ستون عاما وهي هنا..!
منذ ستون عاما وإسرائيل بيننا، جسمٌ وُجِد ولُصق عنوة في جسد إقليمي مغاير بالكامل لثقافة وتركيبة وإخلاقيات وعقلية شعوب هذا الشرق العتيق القائم منذ ابد الله هنا.
منذ ستون عاما وهي في حالة حرب.. في حالة حرب مستعرة على مرّ الأيام والسنين.. بل الساعات.. حربٌ متنوعة الأشكال، متعددة المحاور.
نجحت لمرات عدّة في حروبها مع النظام الرسمي العربي الذي يُدفع دفعا لتلك الحروب دون رغبة جدية من اقطابه.. نجحت في تحقيق الإنتصارات العسكرية وأنتزعت ارض وأعادتها، وأنتزعت أخرى وأعادتها، ولا زال امامها الكثير لتنتزعه وتعيده.. لكن.. هل يعيش شعبها حقا وضعا طبيعيا في مكانه الطبيعي؟
هل الشعب الإسرائيلي آمن في مكانه، في ارضه؟
آمن بين جيرانه حتى سابع جار.. التركي والإيراني والباكستاني ووو..!
لا بل.. والعالم اجمع.. العالم اجمع.
لكي تعيش وسط جيران، لكي تُعمّر بالإقامة بينهم عليك أن تحقق قدرا من الإنسجام. قدر متواضع من القبول.. الفهم.. المحبة.. الإقرار بحقك بالوجود.. بغير هذا يستحيل أن يطيب العيش.. البتة.. يستحيل...!

-2-

مثل الكثيرين.. بل الكثيرين جدا.. لم آخذ رأي السيد نجاد على محمل الجدّ.. البتة.
ومثلكم ومثل الكثيرين، إبتسمت بإشفاق لمقولة الرجل، بل نبوئته بزوال إسرائيل..!
لكن الصدمة الأخيرة.. الصدمة الجدية للغاية التي تعرضت لها كما الملايين في العالم اجمع... مشهد اطفال غزّة الذين كانوا يُسحبون من تحت الأنقاض اجسادا ممزقة.. جعلني فعلا اتساءل... هل إن لإسرائيل امل بالعيش الطويل بيننا؟؟؟
ببساطة.. ببساطة شديدة، لو كان الإسرائيليون واثقين من قدرتهم على العيش الطويل هنا لتخلوا عن الجولان منذ ثلاثين عاما.. لتخلوا عن الضفة والقطاع وسلموهما للفلسطينيين، لنجحوا في تطبيع العلاقات مع العرب، بل وحتى اقرب العرب وأكثرهم إعتدالا ( ولدرجة مفجعة مزرية )..!
لكنهم لا يثقون.. لا يستطيعون ان يثقوا لأن لا احد يثق بهم.. لا احد يقبلهم.. لا احد يستطيع أن ينسى كمّ الدم الذي اهرق على ارض فلسطين.. كمّ التضحيات.. الخسائر.. الأوجاع التي سببوها.. كمّ العار الذي يستشعره كل عربي.. كل فرد عربي بما فيهم المعتدلين ذاتهم الذين يعيشون على رشاوى الأميركان، وهم يبلعون الرشاوى ولا يفعلون شيئا جديا للقبول بهذا النسيج المسخ الذي الصق على عجل في هذه الأرض وبين هؤلاء الناس..!
اشك.. اشك بقوة بأن إسرائيل قابلة حقا وصدقا للعيش هنا.. بيننا..!
اشك بقوة.

-3-

حسنا.. عبر ستين عاما.. إجتهد الأميركان.. الإنجليز.. الفرنسييين..لإنقاذ إسرائيل.
جسور تسليح عاجلة عند نشوب الحروب..!
امم متحدة ومجلس امن راقص على الإيقاع الإسرائيلي دوما...!
إنقلابات وإنقلابات مضادة تحصل في بلداننا لغرض توفير انظمة اكثر إعتدالا من سابقتها لجهة القبول بإسرائيل.
حروب تنشب هنا وهناك بيننا.. بين حكامنا.. بين وعّاظنا.. لتوفير الغطاء لحماية إسرائيل وإستمرارها بالعيش لفترة اطول..!
فتن وعداوات تفتعلها المخابرات الأمريكية لجهة توسيع الخرق في العلائق بين شعوبنا وحكامنا.
رشاوى تدفع لهذا او ذاك من انظمتنا.. لإبعاده عن القضية..!
ملايين تدفع لإبعاد النظر عن إسرائيل.. توجيهه صوب جهات اخرى.. إيران.. افغانستان.. روسيا.. المد الشيوعي.. الخ.
ولم يتحقق شيء.. لم يتحقق شيء.. إذ انكسر كل شيء إبان إنتفاضة الحجارة ثم تموز 2006، وعاد الخرق ليتسع في يناير 2008، ويعلم الله ماذا سيحصل غدا وإلى اي مدى سيبلغ الغضب والكراهية لهذا الوجود الدخيل وداعميه في واشنطن..يعلم الله وحده.. وحده.

-4-

الفلسطينيون.. ادركوا عبر تجربتين أو ثلاثة أو ربما خمسة.. ادركوا نقطة الضعف الكبيرة في الوجود الإسرائيلي الغريب غير المنسجم.
هذا الجسد اللصيق لا يحتمل صمودا طويل الأمد..!
هذا العملاق.. هذا الفيل المارد.. لا يستطيع أن يحتمل وخزات كثيرة صغيرة تتوالى عليه عبر فترات طويلة..!
إقتصاده ينهك في الحال.. جمهوره يضج لمرأى الدم اليهودي ولو ببضعة التار لا اكثر..!
سمعته في العالم كله.. تهتز بقوة لمشهد بضعة صور مفجعة لضحاياه...!
حتى هذا القليل الذي يبنيه عبر السنين مع الجيران، سرعان ما يتفتت.. يهتز اولا ثم يسقط بقوة ليعيد الكرة إلى المربع الأول.
انظمة العرب أدركت باكرا.. أنها ليست أهل لحرب أو تحرير.. هزيمة الأيام الستة سحقتها بالكامل..!
وهواجسهم الداخلية ليست هواجس وطنية البتة.. هم ناس فارغون سياسيا وثقافيا ونفسيا.. تجار مثل تجار قريش إبان الدعوة المحمدية..!
هاجسهم كهواجس المرحوم ابا سفيان.. أن تصل القافلة للزبائن وكفى الله المؤمنين القتال..!!
لكن من لا قافلة له.. من لا يملك ارضا ولا بيتا ولا وطنا ولا مدرسة لأطفاله ولا راتبا مضمونا نهاية الشهر.. ولا رغيف خبز إضافي لإفطار الغد..!
مثل هذا لا مناص له إلا أن يقرأ الحدث بعين أخرى..عين يمتزج بها الأمل بالعمل..!
عين يعرف من خلالها أن زعماء إسرائيل لا يقلون مهنية تجارية عن زعماء العرب، مع فارق أنهم متحضرون قليلا وأن بضع وخزات هنا وهناك تنهك الفيل الكبيرالمتحضر الذي لا يملك في واقع الحال قضية حقيقية.. بضع وخزات تلقيه ارضا..!
وقد قالوها للعرب.. كرروا ما قاله السيد نصر الله عام 2006،.... اتركونا نقاتل بدمائنا وكفّوا عنا شتائمكم ولعناتكم وتشكيككم وتآمركم..!
هذا كل ما يريدونه.. فهل تركهم العرب بحالهم؟
بالتأكيد لا.. لا يمكن.. وظيفتهم لا تسمح لهم.. القافلة وأمان القافلة المتخلفة يتطلب أن يتآمروا بأقصى ما يستطيعون.. اقصى ما يستطيعون..!
حكامنا.. أنظمتنا السياسية.. معتدلة لدرجة الوقاحة.. لدرجة الجبن.. لدرجة الخبث والغباء والعمالة والرخص..!
ابا سفيان وصحبه إنقلبوا لاحقا من قيادة القافلة التجارية إلى إستثمار القافلة الدينية وركوب الموجة وقيادتها حتى امكن لهم أن يكونوا إمبراطورية عظيمة لم تغب الشمس عنها لعقود طويلة من السنين..!
أما من لدينا فهم دون اولئك بكثير..!
من لدينا اقرب إلى العبيد.. العبيد..!
والعبد يعيش على رضى سيده.. من يؤويه.. يطعمه.. يحميه.. يكسيه إن عصى؟
منْ؟
فأنى له أن يغضب سيده؟
أنّى..

-5-

ولكن إسرائيل مدججة بالأسلحة..!
لديها كل الأسلحة المحرمة دوليا.. لديها احدث الطائرات مما لا يحلم العرب بإمتلاكه.. لديها اسلحة نووية لا يلاحقها البرادعي ولا مجلس الأمن ولا..!
لديها صناعة تسليحية جبارة.. لديها رساميل هائلة في الخارج.. لديها خبرات علمية عظيمة بينما هي تقوم كل يوم بتصفية علماء العرب وآخرهم قرابة الخمسة آلاف عالم وأستاذ جامعي عراقي قامت بتصفيتهم على يد ادواتها في العراق تحت ظل وبمباركة الإحتلال وأذنابه..!
وليكن.. وليكن..!
فهي لا تستطيع البتة مهما فعلت ان تغير دماء الناس..جيناتهم الوراثية.. قناعاتهم التاريخية العتيقة الراسخة في الضمير والمتوارثة عبر الكروموسومات من جيل إلى جيل.
هي لا تستطيع.. لا تستطيع لا هي ولا الأمريكان ومجلس الأمن وبقية الغرب أن تخلق عربا آخرين بلا ذاكرة أو بذاكرة معطوبة..!
ولو نجحت مع العرب.. فأنّى لها أن تنجح مع غير العرب ممن يلتقون مع هؤلاء في ذات القناعات الدينية التي توارثوها جيلا إثر جيل، حتى غدت مسلمات يستحيل عليهم الخروج من ثوبها.
تجربة الحادي عشر من سبتمبر.. تجربة مفتتح القرن الواحد والعشرين.. تؤكد بمنتهى الجلاء أن من المستحيل أن تذلّ قوما إلى ابد الله وتنتظر منهم الإستسلام والتسليم والإبتسام بينما حذاءك فوق رأسهم..!
مستحيل.. مستحيل.
ليس بهذا يمكن التعايش والقبول.
البتة..!

كامل السعدون