لا يمكن وصف ما يدور و يجري من بشاعات رهيبة و إرهاب أسود و تقتيل جماعي في مدن العراق و قراه و اسواقه و شوارعه بأي وصف معقول يمكن أن يتقبله شعور أي إنسان مهما بلغ به التوحش و الهمجية مبلغه؟

كما لا يمكن أبدا السكوت عن الجرائم الفظيعة المقترفة ضد البشرية في العراق و التي تجاوزت في أشكالها و أنماطها و حجمها كل دورات الإرهاب التي دخلتها دول الشرق ألأوسط وحتى العالم، فإرهاب الجماعات الأصولية في مصر مثلا و الذي أخذ حيزا مهما من حقبة التسعينيات قد تراجع كثيرا لدرجة الإضمحلال و الإرهاب المجنون القائم في الجزائر منذ عام 1991 قد خفت حدته كثيرا.

أما الإرهاب الأسود الفظيع القائم في العراق فإن بشارات ( العم سام ) للأسف لا توفر أية تطمينات و لو شكلية للإنسان العراقي المسحوق بالذل و عار الإحتلال و الأزمة الإقتصادية الساحقة ليضاف لكل تلك الهموم التي تهد الجبال توسيع مساحات الموت المجاني و العبثي الذي يهدف في النهاية للإجهاز على العراق و شعبه بالكامل و تفتيت الدولة العراقية بشكل نهائي وقد لاحت مؤشرات ذلك بكل وضوح من خلال حالة الهرجلة و الفوضى التامة في الدولة العراقية بعد تبادل الإتهامات بالتقصير و العجز وحتى التواطؤ الفاضح بين رئاسة الوزراء ووزارات الداخلية و الدفاع و قادة المؤسسات ألأمنية وقيادة عمليات بغداد التي تم إستبدال قائدها الفريق عبود قنبر كجزء من محاولة حل أزمة الإختراق الأمني و حالة الفلتان و الرخاوة و الهشاشة القيادية التي تعصف بالعراق؟ متناسين أن هول ما حصل خلال الشهور ألأخيرة إعتبارا من أغسطس مرورا بأكتوبر ووصولا لديسمبر هي أمور أكبر بكثير من قدرات و طاقات كل ألأجهزة ألأمنية و العسكرية العراقية التي تقوم بإجراءات أمن وحماية تدمر حياة المواطن العادي و لكنها تنهار بالكامل أمام مخططات الجماعات الإرهابية من البهائم الإنتحاريين الذين يخترقون كل حصون وقواعد الأمن و السلامة.

الأمر يا سادة يا كرام أكبر بكثير من قدرات و إمكانيات ( قنبر ) أو ( المالكي ) بإعتباره القائد العام للقوات المسلحة بحكم منصبه؟ القضية تتمركز حول جعل و تحويل العراق منطقة قتل وقتال للجماعات الإرهابية في العالم؟ وهو مخطط واسع المدى يحمل صفات أممية و كونية تتجاوز القدرات العراقية بكثير؟ أليس مستغربا بالكامل أن تخرس و تصمت كل مخابرات الدنيا المتواجدة حاليا في العراق عن معرفة أسرار و مسارات تحرك الجماعات الإرهابية و إختيارها للأهداف بتوقيتات ملفتة للنظر و سهولة تحركها اللوجستي من دون عراقيل حقيقية، في العراق يتواجد و منذ الإحتلال ألأممي الأمريكي عام 2003 كل مخابرات الدنيا، فالمخابرات الأمريكية و مخابرات المارينز تحكم قبضتها على أدق التفاصيل في العراق؟ كما أن المخابرات البريطانية لها عيون لا تخط الرصد؟

أما المخابرات الإسرائيلية بفروعها فلها في العراق حضور و أي حضور؟ هذا دون الحديث عن الأجهزة الإستخبارية الإيرانية و عيونها المنبثة و الراصدة لكل ( نملة ) تتحرك في أرض العراق، وكذلك مخابرات الباب العالي التركي إضافة لجميع مخابرات دول الجوار الشرق أوسطي و حتى مخابرات سيريلانكا لها وجود فاعل و مؤثر في العراق؟ فهل من المعقول و المنطقي أن لا تعلم كل تلك الأطراف شيئا أو أنها لا تعرف خيوطا من هنا وهناك ليتم تحميل المسؤولية و إلقائها على عاتق الفريق ( قنبر )؟ مثلا؟ إنها مهزلة حقيقية يشارك في صياغة مفرداتها كل أهل الحكم العراقي دون إستثناء، فتلك البهائم الإنتحارية لم تأت من الفضاء كمخلوقات غريبة، بل أنها تعيش بين العراقيين الذين يقدم بعضهم خدمات لوجستية مهمة لأولئك كي يضربوا ضرباتهم الغادرة و الجبانة؟ فأين عيون الرصد؟ و أين نشاطات المتابعة لكل تلكم الأجهزة العملاقة؟..

و أين جهاز المخابرات العراقية الذي دخل في غيبوبة منذ إقالة أو إستقالة رئيسه السابق الجنرال محمد الشهواني قبل شهور قليلة / وهي الإستقالة التي هدد صاحبها بإثارة فضيحة مدوية و نشر للغسيل الوسخ وهو الأمرالذي لم يحدث بعد دخول الولايات المتحدة على الخط؟ فهي في النهاية من يحرك جميع الخيوط؟ القضية واضحة و لا تحتمل أية شكوك إفتراضية و بما يؤكد بان لعبة الإرهاب الدموية في العراق تقف خلفها أجهزة إستخبارات دولية تمتلك من الموارد و أسباب و أساليب التحرك ما لا تمتلكه دول؟ لا بل أنني لا أتردد عن القول أبدا بأن تلك المخابرات قد تمكنت من إختراق التنظيمات الأصولية و ركبت موجتها و باتت توجه بوصلتها بطريقة إحترافية وهي عملية قديمة و معروفة في النشاطات الإستخبارية وقد تكررت كثيرا في أحداث عمليات الإرهاب في الشرق ألأوسط خلال العقود الماضية، لأنه بصراحة في ظل الوجود الدولي المكثف في العراق فإنه لا يمكن أبدا تبرئة ذلك الوجود من العديد من النشاطات المريبة التي تغلف أطر الصراع على المصالح الدولية و الإقليمية؟


مؤشرات خطر واضحة

قبل التفجير الإنتحاري الأخير يوم الثلاثاء الأسود الثامن من ديسمبر الماضي بيومين صرح رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بأنه سيتخذ موقفا من الجانب الأمريكي إن تفاوض الأمريكان مع البعثيين العراقيين؟ ربما لم ينتبه بعض المراقبين لذلك التصريح الغريب ! و لكنه كان على أية حال الشرارة التي سبقت العملية الإرهابية الأخيرة خصوصا و إن الإنتخابات العامة القادمة تخطط العديد من الدوائر الستراتيجية الخارجية و الداخلية في العراق لأن تكون إنتخابات مفصلية حاسمة في تقرير الصورة العراقية خلال العقد القادم الذي ستشهد سنواته ألأولى القادمة الإنسحاب الأمريكي الموعود و الذي لا نعتقد أبدا بأنه سيكون إنسحابا كاملا و شاملا؟ فالأمريكان لم يقطعوا الفيافي و البحار و القارات، و لم يصرفوا كل تلك الترليونات الخرافية من أجل إنسحاب سريع في ظل عدم إتضاح الصورة و الرؤية الستراتيجية و المستقبلية للشرق الأوسط الكبير، وحيث فشل المشروع ألأمريكي الطموح فشلا واضحا في تطبيق النوايا التي كانت معلنة قبل عملية ( حرية العراق ) التي إنتكست منذ شهورها ألأولى لتتحول لمستنقع عسكري و ميدان نزال و صراع عرقي و طائفي فشلت معه كل خطط التنمية و التطور و البناء السابقة، فلم يبن شيء في العراق سوى مؤسسات ديمقراطية مهلهلة أضحت للأسف عبئا على خطط التنمية الموعودة و المؤودة؟ لا نعتقد بأن أي مسؤول عراقي حالي أو لاحق بإستطاعته تحقيق المعجزات في فرض الأمن و إعادة الخدمات و تنشيط الدورة الإقتصادية؟ فتلك أمور مرتبطة بتوافق دولي و إقليمي و حروب المخابرات القائمة اليوم في العراق لا تشكو من قلة المعلومات أو إنعدامها، بل على العكس تعاني من تخمة معلوماتية هائلة ومن صراعات جوهرية و مفصلية على النفوذ و المناصب و فرض الأولويات و الأجندات، ويبدو أن أهل المشروع الديني و الطائفي يعانون اليوم بشدة من إخفاقهم الذريع ! وهو المطلوب تماما في هذه المرحلة و حيث يدفع الشعب العراقي وحده فواتير التحولات المستقبلية؟ و الصراعات على المناصب و المسؤوليات فيما عملية التنمية و النمو الإقتصادي مشلولة بالكامل، الإرهاب في العراق ذو ملامح و سمات إقليمية و دولية زاعقة، وبدون ضمانات أمنية دولية وخطط ستراتيجية مساندة فاعلة من دول العالم الحر فإن صورة المستقبل العراقي سوداء تنذر بشر مستطير و تحمل معها نذر التقسيم و التشتت و الضياع التام، وحينما يتدث الأمريكيون صراحة و يعلنون بأن أياما صعبة تنتظر العراق؟ فصدقوا تحذيراتهم لأنهم في النهاية لا ينطقون من فراغ...! و تلك هي المعضلة..؟ و الحر تكفيه الإشارة؟


[email protected]