قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

برحيل الشيخ آية الله العظمى حسين علي منتظري التي حدثت قبل أيام قليلة ، يغيب عن ساحة العمل السياسي و الميداني في إيران واحدا من أبرز الوجوه الثورية التي كان لها حضورها التاريخي الفاعل في صياغة التاريخ الإيراني خلال العقود الأربع الأخيرة من الزمن.

و التي كانت مرحلة هامة و حرجة و حساسة في التشكيل العام للمجتمع و الدولة في إيران، الشيخ المنتظري لم يكن من طراز رجال الدين التقليديين من أهل المرجعية الدينية ، ولم تكن أهميته تنبع من المجالات الفقهية و الدينية فقط ، بل أنه واحدا من أهم الذين تركوا بصماتهم الواضحة في التاريخ الإيراني المعاصر بدءا منذ إرهاصات ما قبل الثورة الإسلامية وحيث كان رمزا حركيا مهما من رموز الحركة الدينية و الشعبية ، مرورا بمشاركته الفاعلة و القيادية في الثورة الشعبية عام 1979 و إستمرارا مع تبوءه المباشر لمنصب الرجل الثاني في القيادة الثورية العليا و النائب و الخليفة الأوحد للراحل الخميني قبل أن تهب رياح الخلافات الفكرية و السياسية و تنشط أحابيل الدس للتفرقة بين أبناء و قادة الثورة الأوائل ، وهي الثورة التي أكلت أبنائها بقلة وفاء و غدر واضحين لم تكن بغريبة أبدا عن أحداث مريعة مشابهة حدثت في تاريخ الثورات الشعبية في العالم.

و إذا كانت مقولة ( الثورة تأكل أبنائها ) الشهيرة و المعروفة تنطبق على جهة أو شيء ما فإنها تنطبق أشد الإنطباق على الحالة التي عاشها الراحل المنتظري منذ أن أعلن عن معارضته العلنية و الصريحة و الشجاعة للعديد من ملفات السياسة الإيرانية وحيث أطلقها دعوة علنية و صريحة و تحذيرية من مغبة الإنحراف و مخاطر بناء الدكتاتورية و مصادرة السلطة لكل المبادرات الثورية الهادفة لتغيير المجتمع بنوايا و أهداف إنسانية لاعلاقة لها ببناء دولة الظلم و التعسف، فالكفر يدوم و لكن الظلم لا يدوم ؟ تلك المواقف الجريئة و الصريحة كلفت الشيخ المنتظري غاليا ودفعت مراكز القوى السياسية و الدكتاتورية في إيران لإبعاده عن خلافة الخميني في مارس 1989 أي قبل أسابيع قليلة من رحيل الأخير في أوائل شهر حزيران / يونيو من نفس العام.

فتحول فجأة و على حين غرة الرجل الذي كانت صورته العامة ملتصقة بصورة قائد الثورة بصفته الخليفة ( الأمين ) و الشرعي إلى عدو مبين و شرس و خطير في وجه النظام الذي كان هو لا غيره واحدا من بناته وواضعي لبناته الدستورية ألأولى و أحد أبرز الوجوه التي تصدرت واجهة الأحداث الإيرانية طيلة العقد الأول من عمر الثورة التي شهدت أقسى تحدياتها و أوراقها الصعبة ممثلة في الحرب العراقية /الإيرانية الماراثونية الطويلة الشرسة و الملمفة و التي سعت أطراف مؤثرة في النظام الإيراني لإطالتها أكثر مما ينبغي بهدف تحقيق مصالح معينة قبل أن يجبروا فيما بعد على تجرع كأس السم و إيقاف تلك الحرب في نهاية صيف 1988 و الذي بدأت معه ملامح المتغيرات الداخلية التي هبت على إيران وفرضت تأكيد الدكتاتورية المقدسة وفرض مبدأ ولاية الفقيه و مصادرة مؤسسة الحرس الثوري الإرهابية للثورة و مبادئها و أخلاقياتها التي تدنت للأسف اليوم بشكل مفجع من خلال التعامل الرسمي الإيراني حتى مع حدث موت الخليفة الذي كان و حيث تعمد الإعلام الرسمي التقليل من أهمية الرجل و بإهانة واضحة مبعثها الحط من قدره و مكانته من خلال عدم الإشارة لمنزلته الفقهية و الدينية ، أو لإعتبار ( الخرف ) كأحد أسباب الوفاة!!

وهي إهانة خبيثة لا تصدر إلا عن نفوس خبيثة لم يهذبها الإسلام و لم تتشرب بمبادئه الإنسانية و الأخلاقية العليا ، فالإسلام في عرف النظام الكهنوتي الإيراني مجرد شعار و طلاء خارجي لتغطية مثالب و عورات نظام قومي عنصري قمعي إقصائي تعامل مع رجل بحجم المنتظري بصفاقة و دناءة قل نظيرها إفتقرت حتى لأبسط أساليب التكتيك السياسي التي برع فيها الإيرانيون و تميزوا.

فليس سرا إن السياسي الإيراني وهو يصافح الغريم و يبثه لواعج الشوق و النفاق يحمل في ظهره خنجرا مسموما ينتظر الفرصة للطعن!! وقد فعلوها علنا مع الراحل المنتظري الذي تحول لرمز من رموز حركة التغيير و الإصلاح في إيران بصراحته و مبدأيته و تضحياته و لرنين إسمه المعروف و الذي يرتبط به أيضا ذكرى ولده الشيخ الراحل محمد منتظري الذي قضى في إنفجار الحزب الجمهوري الإسلامي عام 1981 وكان واحدا من أبرز وجوه الثورة الإيرانية الشابة وقتذاك، برحيل ( المنتظري ) تتكرس حقائق الصراع في إيران و تفضح الصورة الدكتاتورية و الإقصائية للتيار الكارثي المتطرف الذي يقود إيران اليوم بإمتياز نحو الجحيم؟

ثم أن التاريخ بأحكامه العادلة و الخالية من النفاق سيظل يضحك طويلا على صفاقة و سماجة و دناءة نظام يحاول التزوير في كل شيء ، حتى الذاكرة التاريخية ، فهذا النظام المبني على الدجل و التخريف و الهلوسة و الخرافة أرعبته جثة الشيخ الراحل التي ستظل تحكي للأجيال حكاية الثورة التي أكلها أبنائها ، فيما تكفل المتطرفون منهم بإهالة التراب و محاولة تدنيس و تشويه سمعة واحد من أبرز رموزها..

لقد كان المنتظري آخر الرجال المحترمين فيمسيرة طويلة من الآلام و التضحيات خاضها الشعب الإيراني الذي يصارع البلوى كل يوم من أجل التغيير نحو الأفضل و إحقاق الحق، و إنقاذ ما يمكن إنقاذه من السفينة الإيرانية المتجهة بعمق نحو أعماق سحيقة.. فرحم الله المنتظري الذي كان رجلا مبدأيا أصيلا لم تبهره أضواء الشهرة و العظمة الفارغة ، كان بإمكانه أن ينافق ليستمر في السلطة ، ولكنه تأسى بطريق الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه و سلك طريق الحق رغم قلة سالكيه و أعلنها مدوية بأنه لا حياة مع الظلم و الظالمين.. وهيهات منا الذلة.. ورحم الله كل الأحرار.. و العار للمنافقين و الأفاقين و الدجالين.. إنه التاريخ الذي لا يرحم و لا يجامل أو ينافق..؟


[email protected]