قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

ست سنوات تفصلنا عن هذا الحدث المزلزل، سقوط بغداد، ولانزال نعيش أجواء نكبته التي لا تقل فداحة عما جري في العام 1948، إن لم تزد.
وأظن سنعايش النكبة هذه لسنوات لاحقة، طالما بقينا على هذا الحال من السلبية والضعف المقيتين، مسلمين بقدر الهزيمة، ومستسلمين للديكتاتوريات التي تحكمنا ولإرادة quot;المستعمر الجديد quot;. صحيح أن ثمة من يقاوم في فلسطين والعراق ولبنان ويصمد للدرجة التي تربك المخططات الأمريكية quot;الإسرائيليةquot;،إلا أن الثمن سيبقى فادحا،والحصاد سيبقى هزيلا، وملامح الصورة لن تتغير كثيرا، طالما بقية الخارطة العربية علي اتساعها خارج معادلة المواجهة تخشي quot; الشيطان الأكبرquot;، وتسير في ركابه، بل وتساعده في معظم الأحيان علي خططه العدوانية بالقول أو بالفعل أو حتى بالصمت، رغم انه في اضعف حالته، فيما البيئة الدولية المحيطة تتغير بأسرع ما نتصور، وتبرز أطراف، وتتقلص ادوار أطراف أخرى سواء على المستويين الإقليمي أو الدولي،ونحن على رهاناتنا القديمة الخاسرة.

إن استذكار حدث سقوط بغداد، ليس مجالا للتباكي أو لجلد الذات، بقدر ما يمثل فرصة لوقفة مع النفس ومراجعة ما صار، وتدارس الأخطاء والتعلم منها وإذا كنا قد أضعنا فلسطين ومن ورائها العراق، فعلينا ألا نشارك بصمتنا وتخاذلنا وتشرذمنا في ضياع بلد عربي أخر، وإسقاط عاصمة عربية أخرى ولتكن نقطة البداية بمواجهة الذات والتحرر من وهم التهوين أو التهويل من قوتنا وقوة الأخر، مع استعادة الوعي المفقود.

nbsp;

ومن الشجاعة أن نعترف بان الأمريكان، إن كانوا قد فشلوا في تثبيت دعائم احتلالهم وإحلال الأمن والاستقرار لجنودهم وعملائهم ليتسن لهم البدء في استنزاف ثروة العراق النفطية والانطلاق نحو إنفاذ بقية الأجندة،التي من بينها إعادة رسم خارطة المنطقة وفرض تسوية غير عادلة للصراع العربي quot;الإسرائيليquot; بعد القضاء علي سلاح المقاومة العربية، إلا أن ثمة حقائق لا يمكن إنكارها، ونحن نستعيد هذا الحدث الجلل، وهي أنهم، وان كانوا يجدون صعوبة في تحقيق أهدافهم في العراق ويتكبدون هم وحلفاؤهم خسائر فادحة جراء بقائهم كل هذه السنوات هناك،إلا أنهم حققوا بعض النجاحات التي تصب في خانة مصالح الكيان الصهيوني أكثر من واشنطن نفسها، ولعل من ابرز هذه النجاحات تلك الحرب الطائفية المستعرة بين الشيعة والسنة التي تحصد أرواح عشرات الأبرياء من الشعب العراقي يوميا والتي تجعل مصير العراق مجهولا والأمل في المصالحة الوطنية شبه مستحيل،على الأقل في المدى المنظور، إلي جانب خروج شظايا الانفجار الطائفي إلي عديد من الدول العربية، وإعادة الفرز علي أساس الانتماء المذهبي.
nbsp;والأخطر من ذلك، النجاح في هزة ثقة العرب في أنفسهم وفي قناعات كانت راسخة في صدورهم كالعروبة، بربطها المستمر بالهزيمة والديكتاتورية واعتبارها شعارات غير قادرة علي مواجهة التحديات، واشتغال آلة الدعاية العربية والأمريكية على هذا الادعاء وتضخيمه للدرجة التي باتت تجعله اقرب إلي الحقيقةٍ.
nbsp;وأظن أن طريقة التعاطي مع صدام حسين منذ لحظة القبض المهينة عليه،إلي إعدامه، مرورا بالضجة المحيطة بمحاكمته، بالإضافة إلي حملة التشويه الممنهجة للطروحات القومية، خاصة البعثية، علاوة على خلط الأوراق في مسألة المقاومة والتشويش عليها، ليست سوى جزء من هذه اللعبة الدعائية السياسية، واختبار عملي للشارع العربي الذي ينفس عن غضبه، للأسف، بالأحاديث الجانبية، أو في أحسن الأحوال، بمظاهرات محدودة العدد والأثر، دون أن يشكل تهديدا فعليا للقوى المعادية لمصالحه ومستقبله في الداخل والخارج.
ويجب ألا ننسي، هنا، المكسب الكبير الذي تحقق من وراء إسقاط النظام العراقي والمتمثل في جعله فزاعة مشرعة في وجه كل الحكام العرب ما سهل عملية تقديم المزيد من التنازلات العربية خاصة في ملف التعاطي مع الكيان الصهيوني ومحاصرة كافة أشكال المقاومة ماديا وسياسيا.
nbsp;وما أود أن أؤكد عليه في هذا السياق، أن ما اطرحه ليس دعوة لليأس والتسليم للأمريكان والصهاينة، بأي حال من الأحوال، أو بيان سطوتهم وانتصاراتهم، وإنما محاولة للنقد الذاتي تنطلق من الرغبة في تشخيص واقعي لمواطن الضعف التي تستدعي القفز فوقها بأسرع وقت ممكن، لتجاوز تداعيات النكبة العربية الجديدة، واقصد تحديدا العمل علي محاصرة الدعاوي الطائفية وإعلاء النزعات الوطنية معٍ استعادة روح المقاومة واستعادة الثقة في عروبتنا ذلك الانتماء الذي يجب أن نلتف حوله جميعا، لأنه لا يمثل فقط حلمنا بالوحدة ولا حتى حقيقة الوحدة التي تفرضها حتمية التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك الذي يجمعنا، وإنما لأنه بات السلاح الوحيد القادر علي مواجهة الأعداء، و التحرك الجماعي نحو إعادة البناء والوصول إلي النهضة التي نستحقها.
nbsp;واعتقد، في النهاية، أن معادلة القوة العربية رهن بتوافر هذه الشروط التي يجب أن ترافقها بكل تأكيد الحرية والعدالة الاجتماعية والقضاء على الديكتاتوريات الحاكمة المستمدة نفوذها من الارتهان للخارج، وبدون ذلك سنظل امة هزيلة يتلاعب بها الجميع دون ادني ممانعة.

محمود عبد الرحيم
e-mail:
[email protected]
*كاتب صحفي مصري