قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عصا موسى !!..

غيرت إنتخابات مجالس المحافظات الأخيرة الخارطة السياسية في العراق بشكل دراماتيكي مثير للغاية، فقد كانت النتائج التي تمخضت عنها خارج التوقعات تماما، خصوصا لدى الأحزاب التقليدية المشاركة في تلك الإنتخابات، ومنها أحزاب تمتلك رصيدا جماهيريا وإرثا نضاليا كبيرا،وقدم البعض منها تضحيات جسيمة على مذبح التغيير الذي حصل في العراق.


ويتوقع الكثير من المحللين السياسيين المحليين في كردستان أن يحدث تغيير مماثل للخارطة السياسية في كردستان مع إجراء الإنتخابات البرلمانية المقبلة المقرر لها في نهاية حزيران القادم، خصوصا وأن أحزابا وتكتلات وتحالفات سياسية جديدة بدت ملامحها بالظهور في الفترة الأخيرة،على رغم عدم حسم أو إعلان الكثير من تلك التحالفات والتكتلات الإنتخابية عن برامجها الانتخابية لحد الان.


nbsp;وعلى العكس من بعض المحللين الذين يستندون في أساس تحليلاتهم على ظهور تلك التحالفات والتكتلات، أنا أيضا أعتقد بأن تغييرا ما سيحدث، ولكن بالقدر ذاته لا أعتقد أن يكون هذا التغيير صادما أو مؤثرا الى درجة أن يهز البنيان السياسي في كردستان. وسأحاول أن أجمل طروحاتي بهذا الصدد بعدد من النقاط الأساسية:
أولا: أن إرث النضالي للحزبين الحاكمين اللذان يمتد وجودهما الى عشرات السنين لا يمكن في مطلق الحال الإستهانة به، خصوصا وأن الحزبين يمتلكان بفضل قيادتهما وإنفرادهما بالساحة النضالية أثناء سنوات المعارضة، وثم بسط سيطرتهما المطلقة على إدارة شؤون الإقليم خلال ما يقرب من عقدين، نفوذا كبيرا وواسعا في الأوساط الشعبية والإجتماعية، وقد يعود ذلك في جانب منه الى إستئثارهما بمقدرات الإقليم من جهة،وقد يكون ذلك إستنادا الى المبدأ القائل بأن quot; الناس على دين ملوكهمquot;.. فالحزبان لم يدخرا وسعا منذ سيطرتهما على الحكم في كردستان بإستخدام الموارد المتاحة تحت أيديهم لكسب الأنصار والمؤيدين وشراء ذمم الآخرين، خصوصا رؤوساء العشائر الكردية الذين يعتبرون وفق الأعراف الإجتماعية السائدة في المجتمع الكردستاني ذات السمة العشائرية من أصحاب النفوذ والقوة،وبالتالي فهم يشكلون ثقلا إنتخابيا كبيرا ومهما من شأنه أن يرجح كفة ميزان القوى السياسية المشاركة في أية إنتخابات تجري عل المستويين الكردستاني والعراقي.


ثانيا: أن الإقليم الذي ظل طوال السنوات الثماني عشرة السابقة واحة من الأمان والإستقرار في هذا البلد المضطرب دائما من الناحية الأمنية،خصوصا بعد سقوط النظام السابق ووفود مجاميع إرهابية متعددة من الخارج التي هددت في فترة من الفترات كيان الدولة العراقية، ولكن ظلت كردستان بعيدة وبمنأى عن أي تهديد إرهابي يهز أركانه، ويعود الفضل في ذلك الى جهود حكومة الإقليم والحزبين الحاكمين. فبرغم غرق إدارة الإقليم الى حد الأذقان في الفساد المستشري، ولكن ضبط الأمن والإستقرار يعتبر نقطة تحتسب لصالح هذه الإدارة، ومن هنا فإن الناخب الكردي الذي سيتوجه الى صناديق الإقتراع لابد أن يحسب لهاجسه الأمني حسابا وهو يدلي بصوته، والإنسان بطبيعته سيصوت للجهة التي تضمن له الأمن والإستقرار، خصوصا وأن الهدوء الأمني المستتب في كردستان خلال السنوات الخمس الماضية فتحت آفاقا واسعة أمام تطور وتنمية القطاعين الإقتصادي والتجاري، وهما قطاعان ترتبطان بالدرجة الأولى باقوات الشعب.


ثالثا: رغم إتضاح هوية بعض القوى والتنظيمات والأحزاب التي تحاول من الان التهيوء لخوض الإنتخابات القادمة خارج التحالف الثنائي للحزبين الحاكمين، ورغم أن قادة هذه الأحزاب والقوى معروفين على المستوى الكردستاني، ولكثير منهم باع طويل في ميادين النضال القومي والوطني، وقدم العديد من تلك الأحزاب تضحيات كبيرة خلال سنوات النضال، ولكن معظم تلك الأحزاب والقوى التي تستعد الآن لمنافسة الحزبين الحاكمين لا تمتلك خبرات سياسية ودبلوماسية تؤهلها لإدارة شؤون الإقليم مستقبلا. فمن النادر أن تجد بين كل هذه الأحزاب والقوى التي تتسابق لخوض الإنتخابات بقوائم مستقلة من يمتلك علاقات إقليمية أو دولية بحجم الحزبين الرئيسيين، بل اقولها بدون مبالغة، أن تلك الأحزاب والقوى لا تمتلك ربع حجم العلاقات الدبلوماسية والسياسية للحزبين الرئيسيين، ناهيك عن موقف العديد من القوى السياسية المحلية والإقليمية والدولية التي تعارض توجهات وسياسات بعض هذه الأحزاب المتسابقة للإنتخابات، وليس غريبا أن نسمع من الآن تصريحات من قادة ومسؤولي دول الإقليم التي تعارض دعم بعض الشخصيات أو الأحزاب الداخلة في الإنتخابات القادمة، هذا إذا لم يستخدم بعض تلك الأوساط الإقليمية فيتوات واضحة ضد ترشح أو فوز تلك الأحزاب والقوى في الإنتخابات القادمة!!.


في هذه النقطة بالذات يجب أن لا ننسى بأن الحزبين الحاكمين بفضل إستفرادهما بقيادة الحركة التحررية الكردية طوال العقود الماضية، وكذلك إدارتهما المشتركة أو المنفردة لحكومات الإقليم مكنتهما من إنشاء شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية والسياسية القوية مع العديد من الأوساط العراقية والعربية والإقليمية والدولية يجب عدم الإستهانة بها، صحيح أن الناخب الكردي عندما يتوجه الى صناديق الإنتخاب له مطلق الحرية في الإنتخاب وتحكيم ضميره في إختيار من يمثله في البرلمان القادم، وهذا طبعا بالنسبة للناخب غير المتحزب، ولكن يجب الأخذ بنظر الإعتبار أهمية الدعم الإقليمي والدولي الذي يلعب دورا مهما وحاسما في أية إنتخابات خصوصا في العراق التي تعتبر اليوم ساحة مفتوحة أمام نفوذ الدول الإقليمية المحيطة به.


رابعا: نحن نعرف بأن الحزبين الحاكمين إستخدما منذ سيطرتهما على حكومة الإقليم جميع الموارد المتاحة أمامهم لكسب الشارع الكردي، ولو راجعنا تصريحات بعض قادة ومسؤولي الإقليم فيما يتعلق بميزانية الإقليم ومواردها المالية، سنقرأ بين ثنايا تلك التصريحات تذمرا واضحا من قيادة الإقليم من التضخم الكبير في وظائف الحكومة، وطبعا لمن لا يعرف الوضع الكردستاني جيدا، فإن ذلك التضخم الذي وصل الى حد الترهل في مؤسسات الحكومة، جاء بسبب محاولة الحزبين الحاكمين شراء ذمم البعض بالوظائف الحكومية في إطار الصراع الحزبي المستديم بينهما، فهناك تقديرات تشير الى وجود أكثر من مليون موظف حكومي في كردستان، وطبعا هذا المليون من الموظفين هم في السن الذي يجيز لهم الإنتخاب، ولو عرفنا بأن الكثرة الكاثرة من هؤلاء الموظفين قد عينوا بناء على تزكيات حزبية أو منحوا الوظائف على سبيل الترضية أو ثمنا للإنتماء الحزبي، سنجد بأن هذا العدد الذي يقارب أكثر من نصف عدد الناخبين الذين يحق لهم التصويت في الانتخابات،سيكون لهم دور مؤثر في ترجيح كفة الحزبين في الإنتخابات القادمة، فضلا عن مئات الألوف من الوظائف الحزبية الموزعة على أتباع وأنصار الحزبين الحاكمين.


أثناء الغزو التركي الأخير لأراضي إقليم كردستان كنت أتناقش مع أحد قادة البيشمركة الكبار عن دور وزارة البيشمركة في الدفاع عن أراضي الإقليم، وأسباب الإحتماء بالحكومة العراقية في وقف العدوان التركي، فأجابني عن أية وزارة تتحدث، لقد ذهبت الى الوزارة لأعرف عدد تشكيلاتها ومنتسبيها والقدرات التسليحية للوزارة، فلم أجد فيها أية قوات خاصة بالوزارة.. هناك جيش خاص تابع للقائد الفلاني، وهناك لواء حماية للمسؤول العلاني، وأفواج تابعة لهذا المسؤول او ذاك، فلم أجد أية قوة خاصة تحت إمرة وزارة البيشمركة التي أصبحت مهمتها الوحيدة هي إدارة شؤون تلك الألوية والأفواج ؟؟!!..


ولو أضفنا الى عدد قوات البيشمركة التابعة للحزبين الحاكمين ولكل منهما قيادتهما المستقلة عن وزارة البيشمركة،الأعداد الهائلة للشركات المنتفعة من الوضع الحالي، وهي بمجملها شركات تجارية وعقارية مرتبطة بشكل أو بآخر بقادة ومسؤولي الإقليم، ومن يتبعونهم من العمال والموظفين والتجار، سنجد أن كل هؤلاء مجتمعين يشكلون قوة أساسية للحزبين الحاكمين،وفي ظل وجود مؤشرات أخرى بحدوث مقاطعة نسبة كبيرة من الشعب غير المتحزب لأية إنتخابات قادمة، فإن حظوظ الحزبين في الإنتخابات القادمة ستكون أكبر من جميع تلك الأحزاب والقوى السياسية التي تتطلع الى المشاركة في الإنتخابات القادمة بهدف التغيير..


لست هنا بمعرض الدفاع عن الحزبين الحاكمين في كردستان، فمن يقرأ مقالاتي في أي موقع إعلامي سيجد الى أي حد أعارض سياستهما في إدارة شؤون الإقليم،خصوصا وأنهما تسببا في دفع كردستان الى أعظم فساد في تاريخ الشعب الكردي، ولكن عند التحليل وإستقراء الأحداث على الكاتب أن يتجرد من العواطف والإنتماءات الحزبية وهو يقدم رأيه حول موضوع حساس بحجم الإنتخابات البرلمانية القادمة التي ستكون بكل المعايير إنتخابات مصيرية قد تشكل نقطة فاصلة في مسيرة الشعب الكردي.


كما لست بصدد الإنتقاص أيضا من وزن وحجم ودور الأحزاب والقوى السياسية الأخرى التي تنوي منافسة الحزبين الحاكمين في كردستان، ولكن وأنا أقيم تلك الأوزان والحجوم وأقدر فرص نجاح الأحزاب المشاركة فيها، تبرز أمامي عدة تساؤلات التي أعتقد أنها تشكل هاجسا للعديدين غيري، وهي:


- لو إفترضنا أن حزبا معينا إستطاع أن يحقق نسبة تؤهله لقيادة البرلمان وتشكيل الحكومة الإقٌليمية القادمة، فكيف يمكنه إدارة شؤون هذه الحكومة في إقليم غرق من قمة رأسه الى أخمص قدميه في وحل الفساد الإداري والمالي الذي شمل كل جوانب الحياة اليومية في الإقليم؟؟. فهل يملك أي من قادة هذه الأحزاب عصا موسى ليضربها في الأرض فتنشق عنها جمهورية أفلاطونية يحكمها الحكماء، أو مدينة فاضلة تخلو من الظلم والطغيان وسرقة أقوات الشعب؟!.هل بإمكان الحاكم القادم أن يستخدم درة عمر ضد مافيات القرن الجديد ثم يمد رجليه أمام مسجد المدينة ليغط في نوم عميق مطمئن البال مرتاح الضمير؟؟ فهل ستتركه عصابات المافيات المتنعمة بمفاسد السلطة أن يتنعم هذا الحاكم بعدله ويلاقي ربه بوجه صبيح وقلب سليم؟؟!!.

إن محاربة الفساد المستشري في كردستان هي الشعار الوحيد الذي يمكن للأحزاب والقوى السياسية الساعية للفوز في الإنتخابات القادمة أن تستخدمه لكسب الأصوات الإنتخابية، خصوصا وأنها أصبحت اليوم من أكثر الشعارات والمطالب إلحاحا مع صعود هذه الآفة الى قمة رأس السلطة، حيث أن بقية المطالب التي كانت تدغدغ مشاعر الجماهير في السنوات السابقة مثل المطالب القومية في كركوك والفدرالية والبيشمركة قد تم تمييعها بفضل الإداء السيء للقيادة الكردية، وبالتفريط بتلك المطالب على حساب الحصة السنوية من ميزانية الدولة العراقية، ولكن مع كل ذلك فأنا أعتقد بأن القضاء على الفساد يكون من داخل السلطة على رغم عدم إقتناعي بجدية السلطة الحالية في محاربته الى النهاية، ولكني أعتقد بأن المرحلة القادمة ستفرض هذه المهمة الملحة على الجهة التي ستفوز في الإنتخابات لإقتلاع هذه الظاهرة الشاذة في المجتمع الكردستاني، أو على الأقل التخفيف من وطأته وإستخراج قوت الشعب من مساوئه، وإلا فإن الإنتخابات البرلمانية ستتكرر بعد عدة أعوام، ومع ظهور تباشير التغيير السياسي في إقليم كردستان اليوم، سيكون من الصعب على السلطة القادمة غدا أن تكرر لنفسها النجاح، فليس في كل مرة تسلم الجرة.

حول الانتخابات القادمة في كردستان 2-3

شيرزاد شيخاني

[email protected]