قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

الديمقراطية كمفهوم عام تقوم على اساس مبدأ الأغلبية والأقلية في الحكم والتداول السلمي للسلطة، وتعرف دساتير العالم البرلمانات المنتخبة بإعتبارها ممثلة للشعب، ولذلك فإن البرلمان يتخذ قراراته باسم الشعب، وبناء على ذلك فان الإنتخابات البرلمانية هي التي تحدد شكل وملامح السلطة التنفيذية (الحكومات الحاكمة) وفقا للنتائج الإنتخابية..

هذه هي الصيغة المتعارف عليها في حكم البلدان ديمقراطيا، رغم أن الديمقراطية التي نطبقها في دولنا الشرق الأوسطية لها مفاهيم أخرى خارجة عن هذا النطاق المألوف والمتداول، حيث هناك من حكام الجمهوريات من يرثون السلطة عن آبائهم بـ quot;الإنتخابquot;،وهناك من تتيح له الديمقراطية على الطريقة العربية أن يحكم أكثر من نصف قرن أيضا
بـ quot; الإنتخاب الديمقراطي quot;؟؟!!.

على كل حال تعتمد معظم الدساتير وقوانين الإنتخاب في العالم نظام الأغلبية في حكم الشعب وإتخاذ القرارات وإصدار التشريعات البرلمانية، ففي قانون الإنتخابات العراقي على سبيل المثال تنص المادة (الخمسون) من قانون إنتخابات مجالس المحافظات على أنه quot; لا يكون انعقاد المجلس قانونياً الا بحضور أغلبية أعضائه، ويتخذ المجلس قراراته بأغلبية الحاضرين quot;،وبذلك فإن تشديد القانون وتأكيده على تحقق الأغلبية في المجالس المنتخبة يعتبر ركنا أساسيا في الإجماع الشعبي لإصدار التشريعات، وينسحب ذلك بالتالي على إدارة السلطة التنفيذية.

والحكومات تتشكل عادة من الكتلة أو الحزب الذي يحصل على الأغلبية في الإنتخابات البرلمانية، ولن تحظى تلك الكتلة أو الحزب بالشرعية في الحكم ما لم تستند على مصادقة الأغلبية من ممثلي الشعب عبر برلمانهم المنتخب على تشكيلة الحكومة..

من هنا يتبدى لنا مدى أهمية حجم المشاركة الشعبية في الإنتخابات، ويتضح لنا بأن الأساس في تحقيق إنتخابات برلمانية ديمقراطية وحقيقية، هو ضمان مشاركة الأغلبية الشعبية في أية إنتخابات تجري لحكم البلاد خصوصا الإنتخابات البرلمانية التي تعد الركيزة الأساسية للعملية الديمقراطية، لأن البرلمان يعتبر أعلى سلطة تشريعية في البلاد، ولكن اللافت بأن هناك قصورا واضحا في القوانين الإنتخابية بهذا المجال، وأعتقد أن هذا القصور موجود في معظم القوانين الإنتخابية بدول العالم الأخرى أيضا.

فقانون الإنتخاب العراقي على سبيل المثال لا يحدد نسبة معينة من المشاركة في الإنتخابات لتكون تلك الإنتخابات سليمة وقانونية، فحتى لو حصلت مقاطعة جماهيرية واسعة لأية إنتخابات تشريعية أو بلدية أو حتى على مستوى المنظمات المهنية والجماهيرية، فإن تلك الإنتخابات تعتبر قانونية وسليمة بمن حضر؟؟!!!.

فلو إفترضنا أن 30% من الناخبين شاركوا في إنتخابات البرلمان وقاطعها 70% فإن تلك الإنتخابات تعتبر سليمة من الناحية القانونية، لأن المهم أن الإنتخابات قد أجريت، وليس مهما نسبة أو عدد الناخبين المصوتين فيها؟؟!!.وبرأيي فأنه في حال حدوث مقاطعة شعبية واسعة لأية إنتخابات برلمانية أو غيرها يفترض أن تعاد الإنتخابات مرة أخرى على طريقة تحقيق النصاب القانوني، وإلا فإن أي برلمان أو مجلس ينتخب بهذه الطريقة لا يمثل بإعتقادي رأي الشعب..

في إقليم كردستان الذي يغرق منذ خمس سنوات في مستنقع فساد عظيم، هناك تذمر شعبي واسع النطاق من الوضع الحالي، وهناك غضب شعبي كبير من أداء الحزبين الحاكمين بسبب إستشراء الفساد ووصوله الى قمة هرم السلطة،واليوم تتعاظم الإنتقادات الشعبية ضد الحزبين بسبب تخاذلهما في مواجهة مافيات الفساد، وعدم إقدامهما على إتخاذ أية إجراءات رادعة لتفاقم الأوضاع ووقف هذه الظاهرة المشينة، أو على الأقل إحتوائها كبداية لحملة شاملة، ولذلك فهناك مؤشرات متعددة بحدوث مقاطعة شعبية واسعة للإنتخابات البرلمانية القادمة المقرر لها في نهاية حزيران المقبل.

والقانون في كردستان لا ينص بدوره على أي نسبة محددة للمشاركة الإنتخابية، فلو طبقنا نفس المعيار السابق على الإنتخابات البرلمانية القادمة،أي مشاركة 30% من الناخبين، فإن هذه النسبة سيكون من السهل تحقيقها لضمان فوز الحزبين الحاكمين الحاليين اللذان يمتلكان من الأعضاء والأنصار والمؤيدين بفضل حكمهما للإقليم منذ ما يقارب العقدين، وتسيدهما على الساحة السياسية في كردستان لأكثر من أربعة عقود ما يضمن لهما تحقيق تلك النسبة الضئيلة ليتسلما مرة أخرى قيادة البرلمان والحكومة الإقليمية لفترة قادمة!!.

وأعتقد بأن هناك خطورة كبيرة من حدوث مقاطعة شعبية بنسبة واسعة للإنتخابات البرلمانية القادمة أو أية إنتخابات على المستويات الأخرى، ففي ظل غياب الناخبين عن صناديق الإقتراع، ستكون هناك فرصة أكبر للأحزاب الحاكمة للتزوير والتلاعب بالأوراق الإنتخابية، خصوصا وأن الأحزاب الحاكمة تمتلك في العادة أدوات ووسائل التزوير والتلاعب وملء الأوراق الإنتخابية نيابة عن الغائبين من التصويت، لذلك أعتقد بإن المشاركة القصوى في الإنتخابات حتى ولو بالشطب على الأحزاب المرشحة في قوائم التصويت ستكتسب أهمية بالغة في منع التزوير والتلاعب بالأوراق الإنتخابية من قبل الأحزاب الحاكمة.

كردستان مقبلة على إنتخابات يتوقع الكثيرون هنا أنها ستكون نقطة تحول بارزة في تاريخ الشعب الكردي، حيث أنها المرة الأولى التي تشهد فيها الإنتخابات البرلمانية منافسات قوية وحقيقية مع ظهور قوائم معارضة للحزبين الحاكمين، وهذه المنافسة التي تخيف بل وترعب قيادات الحزبين تبشر بنشوء معارضة سلمية حقيقية ستشكل ضغطا كبيرا على الحزبين حتى وإن لم تفز بالنسب التي تؤهلها لتغيير أسلوب الحكم في كردستان، فالبرلمان الكردستاني الذي غاب فيه منذ تشكيله أي صوت معارض حتى من الأحزاب الأخرى التي دخلت البرلمان في الفترة الأخيرة، كان من الطبيعي أن يكون أدائه ضعيفا وباهتا خصوصا من ناحية مراقبة أعمال الحكومة ما أدى الى إنفراد حكومة الإقليم بالساحة ما ساعد ذلك على إنتشار وإستفحال حالة الفساد المالي والإداري على نطاق واسع في إقليم كردستان كما نرى،وطبعا يعود سبب هذا الإداء السيء للبرلمان الى تقاسم الحزبين لمقاعده بموازاة تقاسم الحقائب الوزارية مناصفة بينهما،مما مكنهما من الإستفراد بالسلطتين التشريعية والتنفيذية، ولو أضفنا اليهما سيطرة الحزبين المطلقة على السلطة القضائية،وسيطرة مماثلة على وسائل الإعلام المحلية، ستكون جميع السلطات في هذه الحالة محتكرة ومحصورة تماما بيد الحزبين الحاكيين، وهذا ما شجع مسؤولي الإقليم على الإيغال في الفساد المالي خصوصا في ظل غياب أية رقابة أو محاسبة برلمانية، بالإضافة الى غياب الصوت المعارض داخل البرلمان.

لذلك فأن مجرد دخول قوى وأحزاب جديدة الى ساحة المنافسة للحزبين الحاكمين يعتبر بحد ذاته تحولا بارزا في مسار العملية السياسية بكردستان، وأعتقد أنه بغض النظر عن النتائج التي سيحصدها الحزبين الحاكمين، فأن دخول ولو عدد محدود حتى لو لم يتجاوز عدد أًصابع اليدين من الأحزاب المعارضة الى البرلمان سيغير من الوضع السياسي الراكد على الرغم من إستهانة بعض القيادات في الإقليم بحجم وتأثير تلك الأحزاب المعارضة الساعية الى دخول البرلمان القادم، فعلينا أن لا ننسى النتائج التي تمخضت عنها إنتخابات مجالس المحافظات العراقية الأخيرة، وكيف أنها أطاحت بالعديد من الأحزاب التقليدية في العراق.


وبناء على ذلك أعتقد بأن وجود معارضة حقيقية داخل البرلمان ومهما كان حجمها سيكون له تأثير أكبر بكثير من المعارضة الإعلامية التي تعتبر اليوم المتنفس والمنبر الوحيد لمعارضة الحزبين الحاكمين في إقليم كردستان، فهل القيادة الكردية مستعدة لهضم هذه المعارضة الناشئة؟؟
دعونا ننتظر ونرى، فإن الغد لناظره قريب.

شيرزاد شيخاني

[email protected]