قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لم يتهيأ للديمقراطية أن تنمو في المنطقة العربية رغم خضوع المنطقة للسيطرة الغربية مابين العقود الأخيرة للقرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين حيث انهارت معظم التجارب الديمقراطية العربية تحت هدير الثورات القومية العنيفة بدءا من حركة تموز 1952 في مصر التي قادها العسكر المنهزمين في حرب عام 1948 ضد إسرائيل وصولا إلى حركة نظرائهم في العراق التي تبعتها بأعوام قليلة (حركة 14 تموز 1958 ) والتي تماهت بشكل عجيب مع أحداث الحركة المصرية بل واقتفت خطاها في الكثير من الخطوات ليسجل العراق سابقة لم تحصل من قبل فلأول مرة يتحول العراق إلى مستورد للفكر أو الايدولوجيا بعد أن كان على الدوام مصدرا لها ولأول مرة يتحول العراق إلى مجال نفوذ قومي بعد أن كان والى وقت طويل معاندا لها بحكم تبنيه للفكر الطائفي الذي يتناغم مع الطابع الطائفي للصراع العثماني ndash; الإيراني وانعكاساته على الواقع العراقي المتأثر كل التأثير بهذا الصراع ولذلك عد الفكر القومي في العراق نموذج ممكيج من الفكر الطائفي فهو عامل تعويض لملا فراغ الفكر الطائفي ووسيلة مصطنعة لإنشاء كيان يحمل سماة وطنية جاعلين من الديمقراطية التي أرساها الاحتلال البريطاني خير غطاء لهذه المكيجة الخفية التي لم تكن كافية لستر عورات هذا الكيان المخلخل حيث لم تنفع كل الأدوية المسكنة في إخفاء العلة التي باتت تفوح على شكل توترات وانتفاضات جماهيرية جاء معظمها كانعكاس لتردي الوضع الاقتصادي للبلد وتفشي الفقر والاستغلال وشيوع العلاقات الفاسدة في مختلف مفاصل المجتمع وفي جميع أقسامه في الريف في المدن وداخل الطبقة الحاكمة.

استيراد مشروع النهضة من مصر وسوريا

نظرا لعدم وجود تقاليد قومية عريقة ضمن زوايا النسيج العراقي وحاجة البلد لفكر يجمع الناس ويبعد عنهم غائلة الفكر الطائفي المدمر فقد وجد منظروا البناء الجديد أن لامناص من استيراد مشاريع النهضة المنتجة في خارج العراق حيث أنتجت مصر أول مشروع قومي عربي ابتداء من عهد والي مصر محمد علي باشا وولده إبراهيم الذي أثمرعن إنشاء إمبراطورية عربية قصيرة العمر ضمت إضافة إلى مصر كل من بلاد الشام والسودان والجزيرة العربية لكن الملفت للنظر إلى أن مشروع محمد علي القومي لم يضع في حساباته الامتداد إلى العراق على الرغم من توافر الكثير من الظروف المساعدة بما في ذلك ضعف سلطة حكام بغداد من المماليك ووجود جهات كانت مرحبة بالتدخل المصري ويبدوا أن محمد علي بما عرف عنه من فطنة سياسية وتفكير إستراتيجي أدرك بحسه الثاقب صعوبة تمرير هذا المشروع على التربة العراقية العليلة والمفجوعة بداء الطائفية المزمن الأمر الذي أبعده عن التفكير في ضم العراق إلى إمبراطوريته الوليدة على مافي هذا الأمر من إغراء كبير ونفس الشيء حصل من قبل عبد الناصر بعد ذلك بأكثر من قرن حيث كان الأخير مترددا من ضم العراق لمشروعه القومي على الرغم من علاقاته الحسنة مع حكامه العارفيين وإعجاب الأخيرين به ومما ينسب له في هذا الخصوص مقولة قالها جوابا على تساؤل طرح عليه حيث سأله السائل عن السبب الذي يمنعه من زيارة العراق وهو قد زار معظم الدول العربية فقال بكلام ليس فيه على مايبدوا ذرة مزحة ( كلما اسمع كلمة عراق ترتجف أطرافي ) ويبدوا أن هذا الرجل الطموح كان يدرك فعلا عواقب ضم العراق وإلا لما فرط بهذه الفرصة ففضل أن يفرض إرادته على قيادات العراق بدل أن يقود العراق مباشرة كما فعلها عندما توحد مع سوريا وإذا كان المشروع القومي قد ولد في مصر فانه لم يقتصر عليها فقد ظهر مشروع مختلف بعض الشيء في سوريا حمل جذوته المسيحيون فكان هذا الأساس في الاختلاف بين المشروعين على الرغم من ارتكازهما على أيدلوجية واحدة فالمسيحيون في سوريا يدركون أن مايربطهم مع مسلمي سوريا هو العامل القومي الذي يفرق الأخيرين عن الأتراك فوجدوه خير معبر عن هواجسهم وما يعانونه من ظلم لاسيما بعد استفحال العاطفة القومية لدى الأتراك أما عن سبب اعتماد العراقيين على المشروع المنتج في سوريا فنابع من قوة العامل الطائفي لدي القوى العراقية المتنفذة و القرب الجغرافي وما يترتب عليه من تأثيرات محتملة بدليل أن المشروع القومي الذي أريد له أن يغطي العورة الطائفية ما كان له أن يستقيم لفترة طويلة دون الارتكاز على قراءة قومية خاصة قراءة تجعل الشيعة يتغلبون على علاقتهم العاطفية مع رباطهم المذهبي والسنة كذلك لكن هل كان لهذا أي أهمية على المدى البعيد ؟ هذا ما كشفته أحداث العراق الأخيرة لان جذور الطائفية كانت على مايبدوا اصلب من سيقان القومية وأوراقها الهشة فالمشروع العراقي يأبى إلا أن يكون عراقيا.


صراع الفكرين القومي والوطني

بعد أن أسست بريطانيا كيان العراق الحديث في عشرينات القرن الماضي طرحت لبنائه خطتين إحداهما بريطانية الأصل ترى ضرورة بناء كيان عراقي مستقل عن العرب وان يبقى تحت الخيمة البريطانية لأمد طويل لحين استتباب الوضع في العراق والأخر يرى ضرورة دمج العراق بالمشروع العربي حتى تتخلص بريطانيا من تركة ثقيلة ولم تقرر بريطانية تفضيل أي من المشروعين إلا بعد حصول ثورة العشائر عام 1920 فقد أدركت إنها بإزاء بلد موبوء بالعلل والمشاكل وان لا سبيل لبريطانيا لتجنب مشاكله إلا بالارتكان إلى مشروع يناغم المشروع القديم وبالتالي هي وضعت منذ البدا وصفة موته البطيء ويبدوا أن بريطانيا التي استسلمت لتسلل المشروع القومي أو وافقت ضمنا على انسياحه إلى العراق كانت تدرك منذ البدا إنها تغامر بوجودها القلق فليس بمقدور العراق ذو التاريخ الوطني المشوه مواجه الجارين العتيدين إيران وتركيا ولايمكن له بما لديه من عقد الصمود أمام دعايتهما الطائفية لكن دمج العراق بالمشروع العربي ربما يوفر لبريطانيا فرصة توفير جهدها في العراق والحفاظ على مشروعها الوليد فيه وبالتالي شهد العراق صراع حاد بين نخب ترنوا لبناء وطنية عراقية مستقاة من تاريخ العراق وعمقه الرافديني وقوى لا ترى مناصا من اعتماد المشروع القومي كسبيل لإنتاج استقلالية عراقية من اخطر قوتين مجاورتين لذلك تمكنت هذه القوى من التغلغل في الأوساط العراقية وخلق توترات لغرض الإطاحة بما تبقى من المشروع العراقي فكانت أحداث الأربعينات والخمسينات بما جرته على البلاد من ويلات فاقت بقسوتها الكثير من النكبات التي مر بها العراق كإحداث 1941 التي كادت تقدم العراق لقمة سائغة للقوى النازية والفاشية وأحداث 1948 التي تبعت محاولة التوقيع على اتفاقية جديدة تحل محل اتفاقية 1930 وأحداث 1952 التي حملت طابعا طلابيا وأحداث 1956 التي ناصرت مصر في مواجهتها للهجوم الثلاثي البريطاني ndash; الفرنسي ndash; الإسرائيلي وأخيرا حركة تموز 1958 التي أطاحت بالحكم الملكي واقتربت من وضع حد نهائي لصراع المشروعين القومي والوطني حيث تحقق ذلك بعد سقوط عبد الكريم قاسم قائد حركة التغيير تلك.


سيادة التطرف القومي
أعقب سقوط حكم عبد الكريم قاسم حقية طويلة تخللتها أربع انقلابات في التوقيتات 8 شباط 1963 و 17 تموز 1968 و 30 تموز 1968 و 1979 وخلال هذه الحقبة هيمن المد القومي هيمنة كبيرة واعتنق الحكم العراقي الفكر القومي المتطرف في محاولة لمعالجة الخلل البنيوي المتمثل بالتنوع الاثني في النسيج العراقي واحتواء الروح العراقية على رواسب طائفية عميقة لكن هذا التحول لايعني إلا سيادة طائفة على طائفة أخرى لان القومية في حقيقة أمرها لم تكن إلى انعكاس للعلل الوطنية هذه العلل التي لم تزل حية ومؤثرة حيث أسفرت عن وجهها غير مرة ولو لمحنا تجربة حكم حزب البعث في العراق لوجدناها تجربة مختلفة عن حكم ذات الحزب في سوريا لان التجربة السورية نابعة من المطبخ السوري وتتمثل الخصائص السورية إما التجربة في العراق فقد حملت نقطتي ضعف الأولى وتتعلق بصمود المكبوت الطائفي و انسياحه في الممارسة السياسية والاجتماعية والثانية في عدم توافق الفكر القومي مع الظروف العراقية أو البنيان العراقي فهو فكر غريب ولا يصلح للإنبات في العراق ولذلك تحولت تجربة حكم حزب البعث في العراق إلى مأساة كبيرة وأخذت عوامل الوهن الكامنة تطفح على السطع ومعها تطفح كل أبخرة المكبوت وانفلتت الاثنيات من غطاء الوطنية الهش لتبدأ مقاومتها للطرح القومي القادم من خلف الحدود وكان اشد هذه الحالات ظهور عنفوان القومية الكردية ونزوعها الذاتي للاستقلال بعيدا عن الهيمنة القومية العربية المتخفية برداء الوطنية العراقية فكانت حرب الشمال الدامية بكل ما خلفته من ماسي وجراح ما زال نزفها جاريا إلى الآن ثم نهوض الوعي الطائفي لدى الشيعة ورغبتهم في إنتاج عراق ذو وجه شيعي أو غير مبتعد عنه الأمر الذي يؤكد أن الوثبة القومية في العراق لم يكن تأثيرها ايجابيا على وجه الإجمال لأنها ولدت نهوضا للنزعة الاثنية ما دفع السلطة إلى ممارسة مزيد من التطرف لكي تعيد التوازن إلى المعادلة المنفرطة فكانت تلك الأحداث التي أشعلت العراق وحركت مختلف أشكال الصدام أو العداء وساهمت بشكل أو بأخر في صعود العداء العراقي الإيراني وتحوله إلى حرب سافرة غطت بتأثيرها المدمر كل المنطقة وخلفت مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء.


العراق والتجربة الديمقراطية الجديدة
بعد أحداث الكويت التي خلفت دمارا واسعا في البنية النفسية للفرد العراقي اهتزت الوطنية العراقية اهتزازا عنيفا واخذ المكبوت الوطني يطفح على السطح بعد أن وهنت السطوة القومية وزاد ارتباكها ونتيجة لتحول الشأن العراقي إلى قضية دولية وتبني أميركا لمخطط تغيير النظام في العراق تحول التغيير في العراق من مرحلة الحلم إلى مرحلة التحقق وهنا تواجهنا مفارقة عجيبة فالنظام العراقي السابق الذي يمتلك ضمانة عالية بالبقاء وفقا لحقيقة التاريخ العراقي التي تؤكد صعوبة التغيير الداخلي في العراق ولقوة النظام وتوافره على عوامل مساندة كثيرة تحول فجأة إلى اتخاذ قرارات متهورة واخذ يصطدم بالقوى العظمى وبالذات أميركا عندها تهيأت فرصة التغيير التي لم تكن ممكنة في السابق وبعد عملية التغيير التي تمت بظروف غاية في التعقيد انزاح الغطاء الوطني التي كانت القوى المكونة للنسيج العراقي تستتر به الأمر الذي حرك صراعا اثنيا وطائفيا بالغ التعقيد. لقد عاد البلاد فجأة إلى بداية التاريخ وأخذت القوى العراقية تتصارع بشكل مكشوف محولة البلد إلى برميل بارود متفجر والى بحر من الدماء فالإرهاب الذي رفع لواءه في العراق هو إنتاج عراقي محض وابن للحالة العراقية أي أن علينا أن ندرك أن الإرهاب الذي غطى الساحة العراقية لايتشابه كثيرا مع الإرهاب الموجود في بلدان أخرى بدليل الأساليب البشعة والممارسات المروعة التي تبناها الإرهاب الممارس ( بفتح الراء ) في العراق والتي لم نرى مثيلا لها في الخارج ومن الخطأ الإشارة إلى تأثر الإرهابيين في العراق بالإرهابيين القادمين من الخارج فربما العكس هو الصحيح فتجربة العنف في العراق طويلة وكبيرة ومتنوعة أنها أطول وأقسى من أي تجربة أخرى لذا لابد أن نهتم بإعادة هيكلة العراق وترميم الوطنية فيه قبل أن يتحول العراق إلى بؤرة أمنة للإرهاب العالمي.

باسم محمد حبيب