قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عندما أعلنت الإبنة أن زوجها الإنجليزى يرغب فى رؤية موطن آبائها وأجدادها، كان ولابد أن تكون الزيارة لمصر هذه المرة زيارة سياحية، وبالتالى لا مفر من رؤيتها بعين ناقدة، وليست كاللقاءات المعتادة مع بلدنا التى نتقبلها كما هى رغم ما نقابله فيها، ومع مواطنينا الذين نأخذهم على علاتهم رغم ما نعانيه منهم.
ولذا فهاك بعض اللقطات بأعين سياحية:


كنز مصر الأعظم: الأهرامات وأبو الهول:


مشاهدتهم فى وضح النهار لايعادله شئ فى الوجود. عظمة لا مثيل لها، يفسدها الباعة الذين يطاردون السياح بغلاسة منقطعة النظير. رأينا أحد الثقلاء يصر على أن يلف حول رأس راهب فرانسيسكانى كوفية قذرة تشبه غطاء مائدة فى إحدى كافيتريات الأرصفة، والراهب يحاول بكل صبر وكياسة الزود عن رأسه.

بعض أصحاب الجمال يلجأون لحيلة غير أخلاقية لابتزاز السياح. يتصايح الواحد منهم بأن أخذ صورة فوق صهوة الجمل لا تكلف أكثر من دولار. وبعد أن يرتفع الجمل بالسائح المسكين، يعلن الجمال أن هبوط الجمل ليس مثل صعوده، ولذا فلو أراد السائح العودة لسطح الأرض، عليه أن يلقى من عليائه خمسين دولارا على الأقل!

كنا أيضا شهودا على موقف له دلالات خطيرة على السياحة وأمن السياح. مجموعة بنات مصريات صغيرات أتين فى رحلة مدرسية ( لم تفسد تلقائيتهن بعد، رغم أكوام الملابس والأغطية التى كبل الكبار بها أجسامهن الطفولية)، رغبن فى أخذ صورة تذكارية مع سائحة شابة ذات ابتسامة ودودة. فإذا بالحراس المتواجدين فى المنطقة ينهرهن قائلين أنهن أفضل ألف مرة من هذه الخوجاية، وأنه يجب عليهن الابتعاد عن الأجانب وعدم التودد إليهم. كان من الواضح أن هؤلاء المنوط بهم مهمة حماية السياح، يضمرون لهم قدرا كبيرا من الكراهية والحقد، تفيض به نفوسهم، فتطفح لتلوث حتى نفوس الأطفال البريئة.

ذكرتنى هذه الحادثة بموقف آخر مقلق لاحظته فى العام الماضى. مجموعة من المهتمين بالدراسات القبطبة، معظمهم من الأجانب، كانوا فى زيارة لعدة أديرة مصرية. وكما هو متبع فى هذه الأحوال rsquo;كلف رجل أمن بمرافقة الرحلة. هذا الرجل الذى يقع على أكتافه وحده هذه المهمة الخطيرة، كان شابا هزيل الجسم، متجهم الوجه، يبدو عليه التعب والقرف. وبمجرد أن بدأت الرحله غط فى نوم عميق، وصارت رأسه تتمايل مع اهتزاز الأوتوبيس السياحى؛ فكان من الواضح أنه ليس لوجوده أى فائده أمنية. ولكن العجيب أنه بمجرد اقتراب الأوتوبيس من بوابة أول دير، فتح عينيه وأخرج من جيبه كتابه الدينى، وطفق يقرأ فيه بطريقة ملفتة للنظر. وتكرر هذا التصرف بحذافيره طوال الرحلة: نوم عميق طوال الطريق، يقطعه قراءات دينية فى رحاب الأديرة. كان مشهدا مؤلما لكل من لاحظه من المجموعة. فقد كان من الواضح أن هذا الشخص لايكترث مطلقا بسلامتهم؛ ورغم أن رجل الأمن المكلف بمرافقة زوار المناطق المسيحية لا مانع مطلقا من أن يكون مسلما متدينا، ورغم أنه لامشكلة إطلاقا فى قراءة أى كتاب دينى، فإن هذا الشخص كان يفعلها بطريقة استعراضية جارحة لمشاعر الموجودين، وكأنه يقول لهم أنه يدرأ شرا أو يحتمى من سوء.

ويلاحظ أنه فى الآونة الأخيرة، بدأ بعض المخلصين من أبناء الوطن، وخاصة ممن يتصلون بالمجال السياحى ويعرفون دخائله، يحذرون من تسرب الاتجاهات المدمرة (من العداء للسياح والتحريض ضدهم)، إلى العاملين في هذا المجال الحساس. فهل يسمع من بيدهم الحل والربط، وهل يسارعوا إلى اجتثاث هذا الشر العظيم قبل أن يستفحل، ويصيرquot;حاميها حراميهاquot;؟!

أما فى الليل؛ فإن رؤية الأهرام أكثر من مبهرة. ولكن آن الأوان لإعادة النظر فى عرض الصوت والضوء الذى لم يتطور تطورا يذكر منذ بداياته؛ فهو لا يرقى أبدا لعظمة هذه الآثار الخالدة، والحكايات التى تروى ساذجة ومملة، والأرضيات والمقاعد فى حاجة إلى التجديد، وهناك أكوام من الكراكيب والكراسى المكسرة على جوانب المسرح لا يليق تركها فى هذا الموقع. وفى هذه المرة- نظرا لعرض تقدمه إحدى الفرق التركية- أقيم على المسرح الرابض على السفح مجسم قبيح لحصان طروادة، برز كجسم دخيل يفسد تناغم الجو الأسطورى للمكان. وفى تصورى أنه مهما كانت الإغراءات، فإنه لا يجب أن يسمح بأن rsquo;تستخدم الأهرامات أو أبو الهول كمجرد ديكور خلفى لعرض مسرحى، إلا لو كان شديد التميز، وفى أحوال نادرة؛ فهم أجل من هذا بكثير.


منطقة آثار سقارة:


أصبحت مزارا رائعا. وأثناء تواجدنا تولى الشرح مفتش للآثار على درجة كبيرة من العلم والتمكن من الإنجليزية؛ فنجح فى أن يجعل الزيارة مفيدة ومثيرة للزائرين من أجانب ومصريين. ومن المؤكد أن نوعية من يتولى مهمة الإرشاد (من جهة العلم والخلق)، لها أكبر التأثير على نجاح النشاط السياحى فى أى بلد؛ فيجب أن لا نتهاون فى هذا المجال ولا نتركه للهواة أو الجهلة أو المسيئين لهذه المهنة بتصرفاتهم المعيبة.

ولكن لسبب ما يتواجد فى منطقة هرم سقارة أعداد مهولة من الكلاب الضالة الهزيلة، تشتت انتباه الكثير من السياح ( المعروف أن لديهم نقطة ضعف تجاه الحيوانات). وقد روى لى بعض سائقى العربات السياحية، أن من السياح من يضحى بجولة زيارة الآثار مع مجموعته، فى سبيل أن يذهب لشراء طعام وماء لهذه الكلاب الممروضة. ولابد أن هناك حلا بسيطا لهذه الصورة الغير حضارية؛ فلماذا لا يتخذه المسئولون عن المنطقة؟!


المتحف المصرى:

الحديث عنه ذو شجون؛ ولكن يمكن تأجيله انتظارا لافتتاح مقره الجديد، والذى نتمنى أن يراعى فيه- من ضمن الكثير الذى يجب أن يراعى - ما يلى: إجراءات السلامة من الحريق والسرقة.. الخ. إخراج الكنوز المطمورة فى سراديب المتحف القديم وعرضها بطريقة جيدة. توفر مستوى لائق من المرشدين، ومن الوسائل السمعية والبصرية، الموجودة فى كل المتاحف العالمية، لشرح محتويات المتحف بمختلف اللغات.


كنائس مصر القديمة:

كانت ومازالت مصدرا غنيا للمتعة الروحية والفنية والتاريخية. وليت أعمال ترميمها تكتمل، وتكون خاضعة لمقاييس الجودة، وليست فقط مجرد طلاء خارجى مؤقت.


المتحف القبطى:

يتألق فى صورته الجديدة. وكان من الجميل رؤية التسهيلات المتاحة لمستعملى الكراسى المتحركة، و الكاميرات التلفزيونية، ومستلزمات إطفاء الحريق، وأسلوب العرض الجمالى والعلمى؛ فالشكر و التهنئة لكل من أسهم فى هذا التطور. الشىء الوحيد فى التحديث الذى لا يفهم له معنى هو نقل تمثال مؤسس المتحف من مكانه الأصلى المثالى فى وسط المدخل، إلى زاوية جانبية! فى الواقع أن هذه النقلة قد أثرت تأثيرا سلبيا على جمال الواجهة؛ فليت قاعدة التمثال تحظى ببعض الاهتمام (من حيث التنظيف الذى تحتاجه)، وليت مرقس باشا سميكة يعود إلى مكانه الطبيعى.

بالإضافة إلى هذا، هناك بعض الملحوظات:

الزيارة فى شهر أبريل كانت مثالية من ناحية الجو داخل المتحف؛ ولكنى أذكر أن الزيارة السابقة كانت فى الصيف، وكانت الحرارة لا تحتمل. فهل اقتربت مشكلة التكييف من الحل؟ نأمل ذلك.

رغم أن الشروح الموجودة على المعروضات واضحة، فإن تواجد مرشدين فى كل الأوقات ( للزائر الذى يرغب فى الاستعانة بمرشد)، لا يجب إهماله؛ فقد فهمنا أن ترتيب ذلك يحتاج لحجز مسبق.

رغم وجود إعلان عن quot; كافيترياquot;، فإنها لم تكن مفتوحة. والواقع أن تواجد مكان يمكن للزائر أن يتناول فيه شيئا من الطعام والشراب النظيف الصحى، من الأهمية بمكان، وخاصة أن المنطقة المحيطة بالمتحف لا يتوفر فيها الكثير من هذه الأماكن.

دورات المياه مستواها متواضع ولا يتناسب مطلقا مع المتحف. وأرجو بشدة أن ينتهى هذا المشهد العجيب الذى ليس له مثيل فى العالم (على الأقل فى المتاحف والأماكن السياحية)، وهو عدم وجود ورق تواليت ومناشف داخل دورات المياه، والاستعاضة عنها بوجود عامل أو عاملة يمنح الداخلين قطعة شحيحة فى مقابل quot;المعلومquot;. أقترح على المتحف القبطى زيادة رسم الدخول الزهيد من جنيهين إلى جنيهين ونصف، بحيث rsquo;توجه هذه الزيادة البسيطة إلى توفير ورق لدورات المياه.

وهناك بعض المظاهر السلبية التى نرجو أن يجتثها المسئولون عن المتحف وهى فى مهدها، ويتعاملون معها بحزم، قبل أن تتفاقم:

ظهور بعض الكتابات (الجرافيتى) على جدران المدخل.

التسيب فى سلوك بعض العاملين. وإليكم ما شاهدناه: شابتان (يتضح من أسلوبهما الجرىء فى التصرف، أنهما ليستا بالغريبتين عن المتحف، ولكنهما من الموظفات فيه)، دخلتا إحدى القاعات محملات بأكواب الشاى الساخن وزجاجات المياه وأكياس من البلاستك يبدو أنها تحوى طعاما. وضعتا ما حملتاه على الخشب المصقول لإحدى المشربيات الأثرية،ثم quot;جرجرتاquot; مقعدا خشبيا طويلا من مكانه، وجعلتاه فى مقابل المشربية، وجلستا تتسامران كأنهما فى quot;كازينوquot;!!! كل هذا والزوار ينظرون تجاهما فى ذهول، وهما ضاحكات لاهيات، لا يكترثن بنظرات الاستنكار!


القاهرة المعزية:

شارع المعز الذى تم جديده، وترميم مبانيه، وإنارته، واقتصاره على المشاة فقط،، صار مزارا سياحيا هاما جميلا؛ بمساجده وأضرحته، وبيوته الأثرية مثل بيت السحيمى،و كتاتيبه، وبيمارستاناته، وباقى معالمه الإسلامية. ولكن وجدنا أن الكثير من أبنيته لم يكتمل ترميمها، ولا يسمح بعد بزيارتها؛ رغم الإعلان عن افتتاح الشارع فى احتفالية ثقافية كبيرة!

ومن المؤسف أنك لو سرت بضعة خطوات خارج حدود هذا الشارع السياحى، فستجد نفسك فى حوارى وأزقة، فريدة من الناحية التاريخية والأثرية، ولكنها مؤذية من جهة التلوث والقذارة والضوضاء، حافلة بالحيوانات الضالة والأطفال المشردين على حد سواء. فهل ستمتد يد الإصلاح إلى خارج هذه الرقعة الجغرافية المحدودة المقتصرة على شارع واحد، فنستطيع يوما أن نتجول فى دروب جمالية محفوظ والغيطانى، ونحن نشعر بالاطمئنان والأمان؟!


و الآن نأتى لمصر الحديثة:


استخراج البطاقات المدنية:

خبرنا هذه التجربة بطريقة شخصية. بياناث إحدى البنات أكدت أنها مسلمة و أمها مسلمة، بينما أبوها مسيحى. أما أختها فهى مسيحية ولكن أبوها مسلم! ولولا أننا لم نغامر بمحاولة استخراج هذه البطاقات للأولاد إلا بعد أن سلحناهم بشهادات مختومة وموثقة، تثبت ملتهم، وملة آبائهم وأجدادهم إلى سابع جد، ولولا أن هيأ الله لنا شخصية عظيمة الخلق، تترأس المكتب المختص، حلت لنا كل المشاكل الثى تطلع كالخازوق فى كل خطوة يخطوها المواطن الراغب فى استخراج بطاقة، لما خرجنا من هذه التجربة سالمين غانمين.

ومن الطبيعى أن يثير تفشى ظاهرة كتابة مسلم فى بيانات المسيحيين الشكوك والتساؤلات، ولكن من واقع ملاحظتى لما يجرى، خرجت بقناعة مؤداها أن الموضوع أساسا ما هو إلا صورة من صور الإهمال والتراخى والتواكل الموجود فى أى مصلحة حكومية. ويبدو لى أن المسئولين عن الكومبيوتر، قد وجدوا أنه من الأسهل لهم أن يضبطوه على كلمة مسلم، ما دامت هى الأكثر استخداما. فالجميع مسلم حتى يثبت العكس، وعلى الموظفين ( وفقا لاجتهادهم) أن يغيروا هذه المعلومة (حسب الطلب). وبالتالى يقوم الموظفون بأداء هذه المهمة (التى يعتبرونها مرهقة)، بكسل وانعدام للدقة ؛ فمرة يثبتون أن الشخص مسيحى، ومرة تفوت عليهم. ولا أصدق أن أحدهم يدخل فى نطاق اهتمامه أن يراجع البيانات الكلية، ليطابق بيانات الشخص مع بيانات أبويه. والنتيجة هذا quot;العكquot;!! وأصبح على الشخص الذى يزعم أنه مسيحى، و لكن بسبب سوء بخته، لا تؤيد بيانات الكمبيوتر هذا الزعم، أن يدوخ السبع دوخات، ويذوق الأمرين، ليأتى بالبينة!


أما مصر للطيران:

فلا يمكن أن نسافر فى رحلة داخلية تحت رعايتها، إلا وتتكرر القصة بنفس السيناريو البغيض. تحجز الأسرة على نفس الطائرة، لتفاجىء فى المطار بأنه لا مكان إلا لقسم منها، وعلى الباقى الانتظار لطائرة اخرى! لماذا ياسادة؟ لأنه ليس لهم كراسى؛ فقد أخذها آخرون. وكيف حدث هذا ياسادة رغم أن الحجز مؤكد والأسماء مسجلة فى كومبيوتر شركتكم الموقرة؟ وقابلنى لو استطعت الحصول على رد منطقى. وفى الحقيقة

سيصعب عليك حال الموظف وهو خجلان ولا يعرف كيف يجيبك؛ فهو فى النهاية مجرد quot;عبد للمأمورquot;. فالسبب معروف، ويشتكى منه الناس مر الشكوى على صفحات الجرائد؛ ولكن أولى الأمر فى شركتنا الوطنية لا يأبهون، أو لا يقدرون على إيقاف هذه المهازل.


وفى النهاية، دعنا نختم بكلمة طيبة فى حق هيئة بعيدة عن الأضواء: إنها مصر للاتصالات:

جرب أن تتصل برقم 140 لتستعلم عن نمرة تليفون. ستفاجأ بخدمة مثالية من جميع الأوجه: سرعة فى الرد، ودقة فى المعلومات، مع أدب جم واستعداد غير محدود للمساعدة.

ولا تملك إلا التساؤل: إن كان بوسع المصريين العاديين أن يقدموا هذا المستوى الراقى من الخدمات، فما الذى يمنع من أن يتحقق ذلك فى كافة المجالات؟!

الإجابة شديدة السهولة والصعوبة فى ذات الوقت... ولكن الله قادر على المعجزات.

ليلى فريد

بريطانبا
[email protected]