قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كامل الشيرازي من وهران: لقي الفيلم المصري quot;ميكانوquot; لمخرجه الشاب محمود كامل، استحسانا واسعا من طرف النقاد والمتتبعين لدى عرضه برسم المسابقة الرسمية لمهرجان وهران للفيلم العربي، وخلافا لذلك، قوبل عرض الفيلم المصري الآخر quot;دكان شحاتةquot; بموجة من الاستهجان الشديد، حيث المخرج خالد يوسف وجزء من طاقم دكان شحاتةاتهمت الجماهير الجزائرية المخرج خالد يوسف بتقديم عمل دون المستوى، واعتبرت الفيلم مفرغا من المحتوى.
وخلافا لعروض سابقة سقطت في مستنقع الاستعراض والاجترار على غرار الفيلم التونسي quot;سينيستاquot; والسوري quot;الليل الطويلquot;، اشتغل محمود كامل في quot;ميكانوquot; على نوع quot;الدراما السيكولوجيةquot; التي يتطور فيها الفعل عبر خطاب سكيزوفريني عصابي يحلل كينونة الشاب quot;خالد الشهاويquot; (تيم حسن) المهندس المتفوق والغريب الأطوار والغارق في عالمه المرضي الطفولي الخاص، ويمر في أثناء ذلك بحالات نفسية مختلفة إلى درجة الجنون في سبيل التعبير عن ذاته وتموقعه كشخصية رئيسة في محيطه الصغير وعالمه المهني الذي يسيطر عليه شقيقه الأكبر quot;وليدquot; (خالد الصاوي) الذي يتولى إدارة الشؤون الحياتية لخالد المصاب بمرض فقدان الذاكرة قصير المدى.
ووسط حالة من الغموض، يتعرف خالد على مسؤولة التسويق المطلقة أميرة (نور) من اضطرابات وتمزقات تتصاعد وتيرتها مع وقوعه في حبها، حيث تكتشف أميرة مرض خالد وتتسرب المعلومة إلى زوجها السابق، فيقوم هذا الأخير ينسج مؤامرة تنتهي بالتخلي عن خدمات وليد وخالد من الشركة التي تعاقدا معها وتحوّل علاقة خالد وأميرة إلى رابطة معقّدة يسوء معها وضع الحبيبان، إلاّ أنّ الحب سرعان ما يتفوق في النهاية ليعطي خالد وأميرة إشارة البداية لحياة من نوع آخر.
ولعلّ محمود كامل كان متميّزا جدا بنسجه على منوال الدراماتورج العالمي الشهير quot;أنتونان أرتوquot; ومنهجه الفني في التحليل النفساني للشخصيات، باعتبار أنّ كل ما يتلقاه المخ ينعكس أتوماتكيا على الجسد، وصدم العمل مشاهديه بتعريته لمشاعر الغيرة والخوف والشوق والوجع، بجانب طرقه لفوبيا البيت المغلق الأوجه والمتشح بداعي الحزن والركود المتواصل، ما يولّد كتلا من المشاعر والأحاسيس المتشنجة.
وخاض محمود كامل في درب سينمائي يفور بالعقلانية التي تتشكل وتنمو داخل واقع حياتي يتلوى بسياط الفراغ، ويجمع quot;ميكانوquot; على الجمع بين الواقعجزء من طاقم ميكانووالحلم في واقع مصري تلاشت فيه الحدود وأصبح الإنسان في مواجهة نفسه في حيز يختلط فيه حاضر البطل بماضيه الطفولي البريء وذاكرته الضائعة.
في غضون ذلك، تعاطت الجماهير بكثير من الانزعاج مع فيلم quot;دكان شحاتةquot; ولم تشفع إيضاحات المخرج خالد يوسف دون تبديد ذاك الفتور الذي ميّز عرض الفيلم المستوحى عن نص quot;ناصر عبد الرحمانquot; واشترك فيه كل من محمود حميدة وهيفاء وهبي وعمرو سعد وغادة عبد الرازق وعمرو عبد الجليل ومحمد كريم.
ويروي العمل الذي فجّر جدلا عارما، يوميات عائلة quot;شحاتةquot; الفقيرة التي تعيش من بيع الفاكهة في متجر صغير، وتنشأ بين الأبناء الثلاثة غير الأشقاء حالة من التوتر يكون ضحيتها شحاتة الذي يُسجن بعد تلفيق تهمة من طرف أخويه بتزوير خاتم والده الراحل، وتتزوج خطيبته quot;بيسةquot; عنوة بأخ شحاتة، ليخرج الأخير من السجن بعد سنوات باحثا عن إخوته الذين هربوا منه بعدما سرقوا ميراثه وحبيبته، لكنه يجدهم بعد أخذ وردّ ويلقى حتفه على يدي أخيه الأرعن في مأساة يربطها المخرج باللاأمن الذي يطبق على المجتمع المصري، على حد ما سعى خالد يوسف لإظهاره.
وفي نسق شبيه مع أفلامه الثلاثة الأخيرة quot;هي فوضىquot; (مع الراحل يوسف شاهين)، quot;حين ميسرةquot; وquot;الريس عمر حربquot;، حرص خالد يوسف على استفزاز المشاهد بكوكتيل ضخم من لقطات العنف والجنس، واختار المخرج تأطير عمله بمختلف حلقات تاريخ مصر الحديث، ولا يكتفي صاحب العمل بالعودة إلى ما قبل حادثة اغتيال الرئيس المصري السابق quot;أنور الساداتquot;، بل يمضي إلى سنة 2013، ويُظهر عبر بطله مشاهد الاقتتال على الخبز وquot;البلطجةquot; المتفاقمة في موجة مزدحمة بالاستعارات والإحالات إلى مكابدات الشارع المصري وأزماته المتشعبة.
وفي المؤتمر الصحفي الذي أعقب العرض، تلقى خالد يوسف وابلاً من الانتقادات بشأن ما رآه البعض (خلاعة)، بينما ركّز آخرون على هشاشة الشخصيات وضعف البنية العامة، واتهم المخرج بما سمي quot;إسفافاquot;، حيث أعابوا على تلميذ شاهين تقديمه فيلما هابطا يفتقر إلى أي قيمة فنية، كما استغرب كثيرون للحشو الذي تضمنه العمل والإقحام غير المبرر لمعضلات الخبز والفقر والتطرف والفساد السياسي والتطبيع والعنف المحتدم، ودمجها مع الراهن العربي وما يحصل بالعراق وفلسطين وهلّم جرا، وهو كلام أثار غضب المخرج، وردّ بالقول أنّ العرب لهم عقدة من الجنس، معتبرا المشاهد الساخنة التي احتواها الفيلم quot;طبيعية ولا تنطوي على أي إثارةquot;، وذهب إلى حد وصف من يقول عكس ذلك بـquot;الشاذ جنسياquot; (..).
وتعرّض خالد يوسف إلى موقف مثير حينما اقتربت منه امرأة وقالت إنّ اسمها quot;فوزيةquot; ولها رسالة روحانية تريد أن تناقشها معه، قبل أن تنخرط في طقوس غريبة دفعت رجال الأمن للتدخل على الفور واحتواء الموقف.