قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

ذات ليل كنا ثلاثة على المائدة: سركون بولص وتال نيتزان وكاتب هذه السطور. تكلّمت مع الشاعرة الإسرائيلية بالعبرية، ثم استأذنتْ تال وقامت لتنام في فندقها. سألني سركون عما كنا نتكلم ؟ فقلت: عن رواية البرتغالي سراماغو، الأحبّ إلى قلبي وقلبها، والمعنونة بـ: quot;سنة موت ريكاردو ريسquot;. قال بأنه لم يقرأها. قلت له: أكيد أنهم ترجموها إلى الإنكليزية، ولا بد لك من قراءتها. فبطلها شاعر، وهي عمل في غاية الإتقان والشجى والأصالة. واحدة من الرويات التي لا تُنسى حقاً. ففيها من التأمل الرفيع والاستبطان ما يجعل الشعراء يغبطون روائياً بحجم حامل النوبل هذا.
مرّ يومان أو ثلاثة. وفي ذات فجر، وكنا عائديْن إلى فندقنا المشترك، فاجأني سركون بطلب إرسال الرواية له على عنوانه في سان فرانسيسكو. أخذت منه العنوان، وحين وصلت لبلادي، ذهبت إلى المكتبة التي اشتريت منها نسختي، لاقتناء نسخة جديدة لسركون. لكن للأسف، نفدت جميع النسخ القليلة أصلاً. ما جعلني أرسل نسختي الشخصية له على البريد.
بعد أسبوعين، عاد المظروف وبه الرواية. فلسببٍ مجهول، كما هي العادة، عطّلت إسرائيل البريد بين غزة والعالم الخارجي.
لم أخبر سركون في حينها. فربما يكون قد نسي الأمر برمته. لكنني كنت عاقداً العزم على معاودة الإرسال، حالما تنفرج الأوضاع.
مرت الأسابيع والشهور بعد ذلك، ونسيتُ أمر الرواية تماماً. وفي مراسلاتي مع سركون، لم نتطرق لها. فالأحداث تغطي على الأحداث، والذاكرة كجيب المُعيل مثقوبة، وهكذا إلى أن جاءني خبر موته الفاجع.
مات سركون، ولم أتذكّر هذه القصة إلا بعد شهرين من موته. انتابني كدر ما، وشعرت بأنني حرمته من متعة كان جديراً بها حقاً.
إلى هنا ولا عجيب في الأمر. إذ تحدث أشياء كهذه، وأكبر منها، في حياة المرء، ثم تمرّ بسلام.
لكن العجيب، هو ما حدث بعد ذلك: صارت الرواية الكبيرة، الحبيبة إلى نفسي، والتي أقرأها في كل عام مرة، صارت غريبة عني وصرت غريباً عنها! فهي في وعيي الباطن، رواية سركون وحق سركون، ولا حق لي بها بعد هذا اليوم!
صدقوا أو لا تصدقوا: هكذا صرت أتعامل مع الرواية!
كلما لمستها، أتذكّر سركون. وكلما أتذكّر أحداثها أراه هو شخصياً بدلاً من بطلها الشاعر ريكاردو ريس. وليس هذا فقط، بل أستبدل فرناندو بيسوا، قرين ريكاردو ريس، وملاكه الحارس بين غلافي الكتاب، بالشاعر العراقي محمود البريكان!
لمَ؟ لا أعرف. ربما لتشابه الشاعرين، في عديد الأمور، رغم اختلاف مسار حياتهما: كلاهما عاش غريباً ووحيداً، وكلاهما أخلص للشعر، كما لم يخلص لشيء سواه. وكلاهما، متأمّل كبير في الحياة والوجود. وكلاهما: لنقُلْها : سوداوي المزاج، كما يليق حقاً بشعراء من زماننا!

أقرأ الآن، في هذه الليلة الأخيرة من عام 2007، مرثية سركون لمحمود البريكان، وتدمع عيناي :
nbsp;[ حبلُ السُرّة انقطع، وامتدّ حبلُ المراثي.
إنه الليل. نـَمْ، أيّها الشاعر. نـَم، أيّها الصديق. ]

لقد كانت هذه السنة سنتك بامتياز. موتك في شتائها هو علامتها الفارقة، وعلامة المشهد الثقافي العربي برمته. فمع أنّ مواطنتك الملائكة ماتت خلالها أيضاً، إلا أنّ هذه الرائدة الكبرى، كانت أعطت أفضل ما عندها، وماتت شعرياً، منذ زمن بعيد. أما أنت فقد متّ بالضبط في اللحظة الخطأ : لحظة بلوغ الشاعر سرّ الشعر المقدس، حيث يكون الوقت قد آن لكي يعطي أشهى ثماره وأبدعها. وعليه، فهي اللحظة الفاجعة بكل المقاييس. لا لصاحبها، فصاحبها لم يعد يأبه بشيء، بل للغتنا العربية ولنا وللشعرية الإنسانية جمعاء.

نم أيها الشاعر.
نم أيها الصديق. فبعد ساعات، وعلى مقربة من بيت لحم، المدينة التي كنت تأمل أن ترى فيها المذود، هاهي سنة جديدة تشرق على عشرة ملايين من أحفاد الناصري. وعلى عشرين مثلهم من أحفاد أكد وآشور.
هي عندي منذ الآن، كسابقاتها: سنة الجلجلة، والدم والدموع، لكلا الشعبيْن.
السنة التي لن يكون بمقدوري أن أبعث خلالها برسائل إليك.
ومع هذا، مَن يجرؤ على شطب إيميلك من بريده..

نم
نم أيها الصديق!