قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

قصة بقلم خوان رولفو:
ترجمة زعيم الطائي: ولد خوان رولفو في مدينة سايولا في المكسيك عام 1917،صادف أحداثاُ عديدة تركت بصمتها على سنوات طفولته بعد مقتل والده وهو في السادسة من عمره ووفاة والدته وتولي جدته لأمه شأن تربيته.
تنقل في وظائف مختلفة كأمين مكتبة وموظف في دائرة الهجرة، وأعتبرت روايته الوحيدة التي أصدرها عام 1955من أهم روايات القرن العشرين، وهي عن شاب يأتي للبحث عن والده كما وعد أمه، فيجد نفسه داخل مدينة من الأموات. أصدر بعدها مجموعة قصصية واحدة بعنوان (السهول المحترقة) وعملاً مشتركاً كسيناريو مع ماركيز وفوينتس، والملاحظ أنه قام بتمزيق كل ماكتب بعد أن عرف أنه لن يستطيع تجاوز رائعته الأولى ذات البناء المحكم والأسلوب الفريد، حيث يمثل الأحساس بالذنب المتوارث محوراً لعقدة الرواية كما يتجلى في هذه القصة حيث يثقل الأحساس بالذنب كاهل راوية القصة بعد وفاة شقيقه تانيلو فتستحيل الأشياء والأحلام الى خراب، في تداخل مدهش للأحداث والشخصيات والذكريات خلال رحلة بؤس فاجعة وطويلة نكتشف بعدها أن الأموات يشاركون الأحياء الحياة، كما يتضح في عملية دفن تانيلو في السطور الأخيرة.
المترجم

ألقت ناتاليا بنفسها بين ذراعي أمها باكية، تنتحب بهدوء، وقد خنقتها العبرات، أحتفظت بدموعها في قنينة طوال تلك الأيام، ما أن حانت عودتنا الى زنزونتيلا هذا النهار، فرأت أمها، حتى تبدى أحساسها جلياً بحاجتها للعزاء.
لكن خلال تلك الفترة، حينما كان علينا فعل الأشياء الأصعب، عندما توجب علينا دفن تانيلو في قبر بتالبا، دون أن يمد لنا أحد يد المساعدة، كنا أنا وهي لوحدنا، ربطناه بأحكام ثم بدأنا بحفر القبر، وأزلنا ركام الحجارة بأيدينا، للأسراع في أخفائه كي لاتخيف الناس رائحة موته، وقتذاك لم تخطر فكرة البكاء لناتاليا أبداً.
ولابعد ذاك، طوال طريق عودتنا، ولا أثناء مسيرنا الليلي دون توقف أو راحة، ونحن نتلمس الدرب كالنيام في سيرنا البطيء، وخطواتنا تشبه وقع الضربات فوق القبور، في ذلك الوقت ظهرت صلابة ناتاليا وقوة قلبها وعدم أهتمامها حتى أنها لم تذرف دمعة واحدة.
لكنها جاءت الى جوار أمها من أجل أن تبكي، متكدرة، وقد عرفت معاناتها التي أزعجتنا جميعاً، حتى وأنا أشعر ببكائها قربي، كأنها تقوم بعصر أثوابها من خطايانا التي أقترفناها سوية.
لأن حقيقة ماحدث، أنا وهي أشتركنا بقتل تانيلو سانتوس، أصطحبناه للمجيء معنا الى تالبا للموت، فمات، ونحن نعلم أن لاطاقة له على الترحال، رحنا ندفعه مابيننا طوال الرحلة مفكرين بالقضاء عليه، هذا كل مافعلناه.
أتت فكرة الذهاب الى تالبا من أخي تانيلو نفسه، كانت تلك فكرته قبل أن تخطر ببال أحد، فقد ألح علينا لسنوات طويلة، كي نأخذه هناك، لمدة سنوات طويلة، منذ اليوم الذي نهض فيه فوجد بثوراً ذات لون أرجواني تنتشر بين أذرعه وأقدامه، تحولت بمرور الوقت الى قروح دون دماء ndash; إلا من مادة صمغية صفراء تشبه الماء السميك المقطر تنز منها، أتذكر في ذلك الوقت جيداً، أخبرنا أنها لاتهمه بشيء، لذا أراد رؤية العذراء في تالبا، لتشفق عليه برعايتها، رغم علمه أن تالبا بعيدة، وعلينا المسير طويلاً تحت الشمس المحرقة وقت النهار، وأثناء ليالي مارس الباردة، كان عازماً وقتها على الذهاب بأية حال، فالعذراء المباركة ستمنحه علاجاً للخلاص من جروحه التي لاتندمل، أنها تعرف كيف تفعله، بغسلها وجعلها طرية وجديدة كحقل تحت أواخر المطر، عندما يحضر أمامها، تنتهي كل معاناته، فلن يعد هنالك ما يؤلمه أو يؤذيه الى الأبد، هذا ماكان يعتقده.
وهذا مادفعنا أنا ونتاليا أن نتعلق بفكرة أصطحابه، وكان علي الذهاب معه لأنني أخوه، كما توجب على ناتاليا أيضاً بالطبع، لأنها زوجته، وعليها أنقاذه، تأخذه بيديها، متحملة ثقله على كتفيها، طوال الرحلة وربما طريق العودة، وقت أنجراره لذلك الأمل.
كنت أعرف مسبقاً ماكان يدور في خلدها، عرفت عنها بعض الأشياء، على سبيل المثال عرفت أن أفخاذها المستديرة قوية وحارة كصخور قيظ الظهيرة، كانت وحيدة طول الوقت، عرفت ذلك، أجتمعنا معاً أوقاتاً كثيرة، لكن خيال تانيلو دائماً يفرقنا، كنا نحس أن يده الجرباء كانت حائلاً مابيننا، تأخذها مني بعيداً لكي تعتني به، وهكذا ستبقى طوال حياتها.
أعرف الآن أن ناتاليا قد ندمت على ماحصل، وأنا كذلك، لكن ذلك لن يقينا من الشعور بالذنب أو يمنحنا الطمأنينة من جديد، ماأقض مضاجعنا أن تانيلو لم يمت في أوانه، ولم يكن خيراً المجئ به لتالبا النائية، ماأشعرنا بالكدر أننا لم نتركه يقضي حياته هنا أو هناك كما أراد، ربما بوقت قصير، لأن كل معاناته في الطريق، أضافة الى مافقده من دماء، والغضب وكل الأشياء الأخرى، كل هذه الأمور مجتمعة ساعدت على أنهاء حياته بشكل سريع، ما السيء في أن نقوم أنا وناتاليا بدفعه حينما يتوقف عن السير مرة أخرى، عندما شعر أن لافائدة من ذهابه سائلاً أيانا أن نعيده الى البيت، فنروح نشده من الأرض حتى يمشي، مبينين له أستحالة الرجوع.
quot; تالبا الآن أقرب لنا من زنزونتيلا quot; هكذا أخبرناه، لكن تالبا كانت ماتزال بعيدة ذلك الوقت، بعيدة لأيام.
أردنا له الموت، لاأبالغ أن قلت أننا نوينا ذلك قبل مغادرتنا زنزونتيلا وأثناء كل ليلة قضيناها في الطريق الى تالبا، أنه شيء لانفهمه الآن، ولكننا أردناه، أتذكر ذلك جيداً.
أتذكر تلك الليالي جيداً، في البداية أشعلنا ناراً في الحطب، بعدئذ أخمدناها، ثم أخذنا أنا ونتاليا نبحث لنا عن مخبئ للتخفي عن نور السماء، متخذين ملاذاً منعزلاً في الريف القصي، بعيداً عن عيني تانيلو، وأختفينا في الليل، تلك العزلة دفعت كلانا نحو الآخر، ألقت بجسد ناتاليا بين أحضاني، أعطتها أنعتاقاً، أشعرها بالهجوع، نسيت كل شيء ونامت بأرتياح عظيم.
حدث ذلك بأستمرار، فالأرض التي أستلقينا عليها كانت دافئة، ولحم ناتاليا، لحم زوجة أخي تانيلو، حالاً أخذ يستعر من شدة حرارة الأرض، تلك الحرارتان أشتعلتا معاً لكي تجعلا المرء يستيقظ من أحلامه، فراحت يداي تتلمسانها، سارتا فوق جسدها الأحمر الحار، برقة بادئ الأمر، ثم أشتد تا
عليها كأنما تريدان أعتصار دمها، حدث ذلك مرات ومرات، ليلة أثر ليلة، حتى مطلع الفجر، فتتكفل الريح الباردة بأطفاء لهيب أجسادنا، هذا ماكنا نقوم به طوال الطريق الى طالبا عندما أخذنا تانيلو لكي تنه العذراء معاناته.
الآن أنتهى كل شيء، وجد تانيلو راحته من عذاب حياته، لن يعود الى الحديث ثانية عن صعوبة أستمراره في العيش، بجسده المسموم، الممتلىء بالماء الفاسد، الذي يعود الى النضح من كل شق في يديه وأرجله، قروح كبيرة، تنفتح ببطء، ببطء حقيقي، بعدها تنفجر في فقاقيع تعبق الهواء بجيفتها المفزعة.
ولكن الآن بعد موته أختلفت الأمور، الآن نتاليا تبكي عليه، ربما سيراها من أي مكان هو فيه الآن، كيف تمتلئ روحها بالندم، قالت أنها رأت وجهه في الأيام الماضية، الجزء الوحيد المهم منه، وجهه، المنقع بالعرق دوماً لشدة مايبذله من جهد في تحمل أوجاعه، تشعر به مدنياً فمه ليخفه في شعرها مستجدياً بصوت غير مسموع مساعدتها، قالت أنه أسر لها أنه أخيراً قد تماثل للشفاء، وماعاد يأتيه الألم،quot; الآن سأكون معك، ساعديني لكي أكون معك quot; أخبرتنا أنه قال لها ذلك.
ماأن غادرنا تالبا، ماأن تركناه مدفوناً في الخندق العميق الذي حفرناه، منذ ذلك الحين، لم تعد نتاليا تهتم بأمري، أعرف كيف كانت تشع عيناها كبحيرتين يضيؤهما القمر، لكنهما أنطفأتا فجأة، و مسحت نظراتها كأنما أنغرست في قعر الأرض، فبدت كأنها لم تعد تبصر الأشياء،وأنحصر كامل وجودها بتانيلو، الذي رعته يوماً خلال حياته، والمدفون حينما حانت ساعة موته.
بعد عشرين يوماً أدركنا الطريق الرئيسية لتالبا، كنا ثلاثتنا فقط، في تلك المسافة كان الناس يقدمون من كل صوب يشاطروننا الدرب، وأخرين يتخذون طريق العودة، دائرين في الطريق الواسع كتيارات النهر، فنقع من شدة دفعهم لنا من كل جانب كأننا أرتبطنا معهم بخيط من الغبار. كانت الأغبرة البيضاء تتطاير مع الحشد كزغب الذرة، ترتفع في التفافتها عالياً ثم تنحدر ثانية منخفضة، كل الخطوات تجعلها تعلو من جديد، فكانت تغمرنا من الأعلى والأسفل طول الوقت، فوق الأرض كانت السماء فارغة، بلاغيوم، ليس إلا الغبار.
لكن الغبار لم يصبح لنا ظلاً، فكان علينا الأنتظار حتى حلول الليل لنرتاح من حر الشمس وضوء السراب الأبيض المنبعث عبر الطريق.
بدأت الأيام تستطيل، فقد تركنا زنزونتلا أواسط شباط فبراير، وهانحن في الجزء الأول من مارس آذار، حيث يقدم الضوء مبكراً، كان يصعب علينا أغلاق عيوننا في الليل حتى توقظنا الشمس من جديد، نفس الشمس التي ودعناها في الغروب قبل وقت قصير.
لاأشعر ببطء الحياة وعنفها الا وأنا أمشي بين الجموع، كأننا حشد من الديدان نتكور كلنا مجتمعين تحت الشمس، نتلوى مع غيمة الغبار التي تحشرنا محبوسين في الممر نفسه، تتبع عيوننا الغبار الغائم ضاربة ذراته كأنها تتعثر ضد شيء لايمكنها أختراقه، ولون السماء دائماً يشبه الرماد، كأنها قطعة رمادية ثقيلة هجمت من الأعالي، فقط حينما نعبر نهراً، يتكشف لنا الغبار قليلاً، فنطفئ حمى أحتراقنا بتغطيس رؤوسنا في المياه المخضّرة، وللحظة يينبعث الدخان الأزرق الذي يشبه البخار من أفواهنا وقت البرد، كلنا، وبعد فترة قصيرة يخفينا من جديد، فنختلط بالرغام، نتحامى ببعضنا من اللهيب المشمس، متحملين تلك الحرارة القاسية، نهاية المطاف سيأتي الليل، هذا كل مانفكر به، سيأتي الليل فنأخذ قسطاً من الراحة، الآن علينا أن نقضي اليوم، بطريقة ما نقضيه في الهرب من الجحيم الشمسي، فنتوقف بعد ذلك ndash; وكل ماعلينا فعله هو أن يقف بعضنا ليقيموا سداً حاجزاً لكي يظللوا للبعض الآخر، فيتفيىء البعض من المقدمة، هذا ماكان علينا عمله، لاتأتينا الراحة حقاً إلا مع الموت.
ذلك ماكنا نفكر به أنا ونتاليا، وربما تانيلو أيضاً، أثناء سيرنا في الطريق الرئيسية بأتجاه تالبا وسط المواكب، محاولين أن نكون أول الواصلين الى العذراء قبل أن تتوقف عن منح المعجزات.
لكن حالة تانيلو بدأت تسوء، فأتى الوقت الذي لم يشأ فيه المضي أكثر، أخذ لحم أقدامه ينفتح ويتفجر بالدماء، أعتنينا به حتى تحسن، لكنه قرر التوقف نهائياً.
quot; سأجلس هنا يوماً أو يومين ثم أعود أدراجي الى زنزونتيلا quot; هذا ما قاله لنا.
لكننا لم نرد ذلك، كان شيء بداخلنا يمنعنا من الشعور بالرأفة تجاهه، أردنا الذهاب الى تالبا معه، لحد تلك النقطة كان حياً، ذلك مادعى ناتاليا لتشجيعه وهي تدلك قدميه بالكحول حتى بدأ الورم يخف، أخبرته أن عذراء تالبا وحدها القادرة على شفائه، هي الوحيدة التي ستنقذه الى الأبد، هي وليس أحد غيرها، فهنالك الكثيرات، لكن عذراء تالبا هي الوحيدة. هذا ما أخبرته ناتاليا.
عندئذ طفق تانيلو يبكي، بينما أخذت دموعه تصنع خطوطاً على وجهه المتعرق، وراح يلعن نفسه المسيئة، مسحت له ناتاليا خط الدمع المنحدر بشالها، ورفعناه بيننا من على الأرض ثم سرنا به لمسافة أعمق قبل حلول الظلام.
وهكذا جررناه بيننا حتى الوصول، حتى بدأ التعب يداهمنا في الأيام الأخيرة نحن أيضاً، أخذنا أنا وهي نشعر بمعاناة جسدينا المزدوجة، كحمل ثقيل يمسكنا من الأعلى، كثيراً ما سقط تانيلو من بين أيدينا فنلتقطه من جديد ثم نضطر الى حمله على ظهورنا، ربما كان ذلك السبب في شعورنا هكذا، مع نفاذ قوانا وأنعدام رغبتنا في المشي، ولكن الناس الذين يمرون من حولنا كانوا يدفعوننا الى الأسراع.
أثناء الليل يهدأ ذلك العالم المسعور، تتناثر المشاعل في كل صوب، يتجمع حول نارها الحجاج بمسبحاتهم، وأذرعهم المتقاطعة وهم يحدقون في السماء جهة تالبا، يمكنك سماع ذلك الضجيج الذي تلتقطه الرياح فتحمله الى البعيد، ممتزجاً في صوت زئير منفرد، بعدها بوقت قليل يبدأ كل شيء بالخفوت، وحوالي منتصف الليل تسمع أحدهم يغني من مكان ناءٍ، بعدها تغمض عينيك منتظراً مجيئ الفجر دون أن يأتيك النوم.
دخلنا تالبا ونحن ننشد التراتيل في أمتداح الرب، شرعنا في المجيئ حوالي منتصف فبراير، وهانحن بلغناها في مارس، حينما أخذ الكثيرون يغادرونها عائدين ديارهم، كل ذلك لأن تانيلو قد قرر تقديم كفارته، حالما شاهد نفسه محاطاً بالرجال المرتدين أوراق الصبار وهم يتدلون معلقين
من الأكتاف، حتى قرر أن يفعل مثلهم، قام بربط أرجله بكم قميصه فجاءت خطواته مستهجنة كصورة لمن فقد الأمل، بعدها أراد وضع تاج من الشوك فوق رأسه، ثم قام بعد وقت قصير بتعصيب عينيه برباط، متوقفاً عن الحركة، في نهاية الطريق، باركاً على الأرض حاكاً بركبتيه التراب ويداه مصفوفتان، أذن كان ذلك الشيء الجاثم هو أخي، تانيلو سانتوس بلغ تالبا، ذلك الشيء المغطى باللفائف واللحم الجاف المدمى الذي يترك رائحته المحمضة في الهواء كحيوان نافق حين مروره.
كنا بالكاد نتحمله، حينما رأيناه هناك بين الراقصين، صعب علينا فهم الأمر وهو يمسك بخرخاشة طويلة بأحدى يديه، داكاً الأرض بأقدامه المكدومة الحافية، يبدو على ملامحه الهياج، مشمراً غضبه المضمر في داخله لأزمان طويلة، أو مقدماً عرضه الأخير لتجربة وقت أطول قليلاً للحياة.
ربما حين تطلعه الى الرقصات تذكر زياراته كل عام الى توليمان خلال
تاسوعية الرب والرقص هناك حتى الصباح دون أن يبلغ التعب عظام أطرافه، ربما هذا ماتذكره في محاولة يائسة لأستعادة قوته الآفلة.
أنا ونتاليا راقبناه للحظة، بعدها رفع ذراعيه عالياً ثم رأيناه جاثياً على الأرض مع أستمرار الصليل مدوياً بين يديه النازفتين، جررناه بصعوبة لرغبته في البقاء مكانه بين الراقصين، بعيداً عن الأرجل الغاضبة التي تسحق الأرض الصخرية بقفزاتها وتدوسها دون أن تعرف ذلك الشيء الذي وقع تحتها.
رفعناه بيننا كالمشلول، عدنا به الى الكنيسة، أركعته ناتاليا جوارها أمام ذلك الشكل الذهبي المصغر لعذراء تالبا، فبدأ تانيلو بالصلاة، سافحاً دموعه الثقال التي بدأت تخرج من أقاصي روحه، أطفأت ناتاليا الشموع ووضعتها بين كفيه، فلم يشعر بشيء، وقد جعله ضوء الشموع لايعي مايحدث من حوله، ماضياً في صلاته مع الشموع المطفأة، بصيحات عالية كأنه لايسمع نفسه.
لكن ذلك لم ينفعه شيئاً بعد أن مات بنفس الطريقة.
quot; من أعماق قلوبنا المفعمة بالألم نبعث اليها إلتماساتنا، مراثينا الممتزجة بالأمل، لفرط رقتها تأبى أن لاتستمع لتأوهاتنا وأدمعنا، لذا فهي تعاني من أجلنا، تعرف كيف تنظف قلوبنا من الأدران لكي نتسلم عطفها ورحمتها،أمنا العذراء، لاتريد معرفة كم أقترفنا من خطايا، تشعر باللوم من أجل ذنوبنا، ترغب أن تضمنا أذرعها لكي لاتؤذينا الحياة، تقف الى جانبنا، تريحنا من أتعابنا وأمراض أرواحنا وأجسادنا الممتلئة بالأشواك، جراحنا وتوسلاتنا، تعرفها كل يوم، لها عظيم أخلاصنا المكلل بالتضحيات...quot;.
هذا مانطق به القس على المنبر، وماأن فرغ من كلماته حتى شرعت الجموع بالصلاة مرة واحدة بضجيج آلاف الزنابير أخافها الدخان.
ولكن ماأن أستمع تانيلو الى القس حتى جمد مكانه بعد برهة، وقد أراح رأسه بين ركبتيه، وحينما أرادت ناتاليا تنبيهه، كان قد فارق الحياة.
من الخارج تستطيع سماع ضجة الراقصين، الطبول والمزامير، مع قرع الأجراس، لذا غمرت نفسي بالأحزان،وأنا ألمح الحياة النابضة في الأشياء، وأنا ألمح العذراء هناك، بمواجهتنا تماماً، وأبتسامة تظلل وجهها، وهي تنظر تانيلو متخذاً مساره، ذلك ما زاد أحزاني، بأصطحابنا أياه عجلنا بوفاته، وهذا مالاأستطيع نسيانه.
الأن نحن الأثنان في زنزونتيلا، وقد عدنا بدونه، لم تسألني والدة نتاليا بشيء، وعما فعلته بأخي، ولا عن أي شيء آخر، أجهشت ناتاليا بالبكاء على كتفيها، وأسرت لها بالقصة كاملة.
بدأت أشعر كما لو أننا لم نصل الى مستقر، فلسنا إلا مجرد عابرين، نطمح لنيل قسط من الراحة، بعدها نييم شطرنا للرحيل، ولاأدري أين سيسقر بنا المطاف، لكن علينا المضي، فهنا نحن أقرب الى ذنبنا والى ذكرى تانيلو.
ربما حتى بعد شعورنا بالخوف من بعضنا البعض، لم يخاطب أحدنا الآخر بكلمة منذ مغادرتنا تالبا، ربما يعنى ذلك أن جسد تانيلو مازال قريباً منا، يمتد كحيوان أليف ملفوف بيننا، تملؤه وتحف به دوامة من الذباب الأزرق تئز بصوت كالشخير المنبعث من فمه، ذلك الفم الذي لم نتمكن من أسكاته رغم كل مافعلناه والذي يبدو مجاهداً التنفس دون أن يجد أنفاسه، ذلك هو تانيلو، الذي لن يشعر بالألم مرة أخرى والى الأبد، لكنه سيبدو متألماً دوماً، بيديه ورجليه المعقوفتين، وعينيه المفتوحتين على وسعهما، كأنهما تحدقان في وجه الموت، وجروحه تنز هنا أو هناك ذلك الماء المصفر، الممتلئ بالرائحة المنتشرة، التي تترك طعمها في فمك، كعسل ثقيل ممرور ممتزج بالدماء، تتنفسها مع كل شهقة من الهواء.
أظن هذا ماسنظل نتذكره دائماً - منذ دفنا تانيلو في مقبرة تالبا، حيث قمنا (أنا وتانيلو ونتاليا) بتسوية الأرض بالحجارة والتراب فوقه، لكي لاتنبشه من بعدنا حيوانات الليل.
[email protected]

ملاحظة: الصور المرفقة من تصوير خوان رولفو نفسه.