قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في ندوة الشعر البدوي
عمليات تهميش وإقصاء واهمال متعمد للجماعة البدوية
محمد الحمامصي: جاءت ندوة الشعر البدوي التي أقيمت في إطار مؤتمر أدباء مصر الذي أقيم مؤخرا بمحافظة مرسى مطروح، من بين أهم الندوات التي شهدها المؤتمر، كونها تطرقت إلي مواضع مهمة وحساسة في الشعر البدوي ووجوده ورؤيته للبعد الوطني والإنساني والجغرافي أيضا، وقد بدأ الشاعر والباحث فارس خضر رئيس تحرير مجلة الشعر المصرية ورقته البحثية كاشفا عن كثير من هموم ومشكلات الشعر البدوي قال: عادة ما يفزع الساسة من أن الجماعات ذات الثقافات النوعية لا تعترف بالحدود الجغرافية للدول، ذلك لأن أفراد هذه الجماعات يملكون مفهومًا بالغ الاتساع لكلمة الوطن؛ فالوطن من وجهة نظرها هو ذلك المكان الذي يمتد ليشمل الإقليم الثقافي كله، دون الاعتراف بالحدود الوهمية التي تفصل بين أنساق ثقافية متماثلة، وموزعة بين عدد من المناطق المتجاورة، أو حتي غير المتجاورة في رؤية أخري. ومن هنا فليس من المستغرب أن يحدد أحد شعراء بادية مطروح في قصيدته الحدود الجغرافية لوطنه الثقافي، فيراها تبدأ من عند راس جديد علي الحدود الغربية بين تونس وليبيا وحتي حدود السودان مع مصر. ويرسم آخر صورة للزعيم العربي الذي ينتظر أن يحرر القدس، فإذا به يقدم وصفًا تفصيليا لقائد عربي بدوي يرتدي الحرام علي القفطان. بل إنك لتشعر أن الشاعر البدوي يرغب في امتداح بطولات زعماء النضال ضد الاحتلال في الجماهيرية الليبية، بوصف الصحراء الليبية امتدادا ثقافيا له، فإذا به من باب الحرج ليس إلا يبدأ المديح من quot;ميناquot; مرورًا quot;بصلاح الدين الأيوبيquot; ووصولاً إلي اللحظة الراهنة? ثم يعرج بعدها علي عمر المختار والعقيد القذافي، وهكذا يكون قد وصل إلي بغيته. إن مثل هذه الحقيقة الثقافية تضع الشاعر البدوي في مأزق، إذ يجد نفسه دوما في موقف الدفاع كما لو كان مطالبا بتقديم شهادة براءته ونفي تلك النظرة البغيضة التي ترميه بتعدد الانتماءات والولاءات!. وبدلا من استيعاب هذه الجماعات واحترام خصوصيتهم وتقوية انتمائهم، غالبا ما يتعرضون لعمليات التهميش والإقصاء والاهمال المتعمد، بل إن الثقافة السائدة في المجتمع تفرض هيمنتها علي أصحاب هذه الثقافات النوعية، quot;فترفض الاعتراف باختلافهم و تقلل من قيمتهاquot;. والأنكي أن يتم النظر إلي أنماط ثقافاتهم وموروثاتهم الشعبية بل وإبدعاتهم الخاصة بوصفها جزءا من النسيج الثقافي المصري دون غيره. وهو أمر يجافي الحقيقة والواقع. ومثل هذه الأداءات غير المتفهمة تباعد المسافات بين الأقاليم المصرية وبين هذه الجماعات، وتحولهم من أصحاب ثقافات نوعية إلي أصحاب ثقافات مضادة، وبدلاً من أن نسارع بتحولهم من مرحلة النظام القبلي وعصبياته، فنربطهم بالوطن ليصيروا دروعًا حدودية له، نهملهم ونكتفي بالآراء التي تدمجهم عنوة في سياق ثقافي واحد مع المجتمعات المصرية الأخري. ثم يجيء تصنيف الشعر البدوي المؤلف حديثًا كأحد أشكال الشعر الشعبي المصري ليزيد الطينة بلة، إذ يوقعه تحت طائلة القائمة الطويلة من الاتهامات التي غالبا ما يتم توجيهها لدارس الثقافة الشعبية، خاصة الفنون القولية، بداية من الدعوة للعاميات وبالتالي اجتراح المقدس، ومرورا بالطعن في الولاء للقومية والتشكيك في النوايا، والسعي لإضعاف سلطة الدولة والدعوة لتفتيت السبيكة الثقافية الواحدة، ناهيك عن quot;تشجيع اللهجات المحلية وبعث النعرات الإقليمية وتكريس عوامل الفرقة بين أبناء الوطن العربي الكبيرquot; وانتهاء بالخيانة والعمالة السياسية وإلي آخره، علي أن الوطن الكبير بأحلامه الرومانتيكية هذه لن يتحقق ما لم يسد مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية بين جميع الأفراد والجماعات دون تفرقة عرقية أو دينية أو سياسية.

وأكد فارس خضر علي أن الشاعر البدوي يتعامل مع مفردات اللغة بجرأة تتجاوز حدود الإبدال والإدغام والقلب والحذوفات إلي آخر أداءاته التي قد تتفق أو تنحرف عن صحيح اللغة الفصحي، إنما هي جرأة تهشيم وإعادة بناء اللغة كما لو كان يتعامل معها في صورتها الخام، بحيث يحق له أن يشكلها كيفما يشاء دون الخضوع لأية قواعد، وكما لو كان محتفظًا في لاشعوره بأنه أحد قضاتها القدامي.
وأضاف: أن الشعر البدوي المؤلَّف حديثًا هو نوع شعري مستقل بذاته تختص بإنشائه فئة نخبوية معروفة ضمن الجماعة الشفاهية. ومن ثم فالإقرار بشعبية هذا النص الشعري البدوي استنادًا إلي تداوله الشفاهي، هو إقرار يجانبه الصواب، ذلك لأنه يغفل طبيعة النص المتداول أصلا: فهل هو ذلك النص الذي اختبرته الجماعة وتبنته ليحمل منظومتها الثقافية، ولم يستطع الزمن بثقله أن يمحوه من ذاكرتها والذي يمكن أن يطلق عليه وصفquot;الشعبيquot; . أم هو هذا النص المؤلف لتوه ليعبر عن وجدان وفرادة شاعر بعينه ومواقف ووقائع بعينها. وما التداول الشفاهي لهذا الشكل الشعري إلا خضوع لسياق الأداءات اللغوية المميزة لهذه الجماعة ذات الثقافة النوعية، الواقفة في منطقة وسطي بين الشفاهية والكتابية، إن لم تكن إلي الشفاهية أقرب.. المؤكد أنه ينتمي للنوع الثاني مما يدرجه ضمن حدود الأدب الخاص ـ الجماهيري في أغلب الأحيان ـ وليس الأدب الشعبي. إن هذه الجماعة البدوية المصرية كغيرها من الجماعات الشفاهية تدرك أن الكلمات تتأسس في الكلام الشفاهي ـ حسب والتر. ج. أونج - وأن ثقافتها الشفاهية هذه تنتج أداءات لسانية مليئة بالقوة والجمال. كما أنها تنظر للكلمات المنطوقة بوصفها حاملة لقوي - ذات طبيعة سحرية - وأن لها حضورًا وحياة، وهو ما يختلف عن نظرتها للكلمات المكتوبة؛ الميتة أساسًا؛ الكلمات التي تحبسها الكتابة حبسًا مؤبدًا في حقول مرئية. ومن هنا فإن عملية التداول الشفاهي تتعامل مع النص بوصفه كائنًا حيا، تنمو بعض عناصره، وتضمر وتتم إزاحة عناصر أخري بعيدًا، بحيث يتشكل هذا النص في نهاية الأمر وفقا لرؤية الجماعة الشعبية ككل. ومع هذا فالنص الشعري البدوي الحديث رغم تداوله الشفاهي يظل مسيجًا باسم مؤلفه/ المالك/ المنشئ للنص. وحين تخضعه ذاكرة الجماعة لآلياتها نجدها لا تنحرف به إلا في حدود ما تعجز عنه قدراتها علي الحفظ والتذكر. وليس مسموحا لها أن تعتبره ضمن ملكياتها الجمعية، إذ لا يمكن التصور علي سبيل المثال أن ينسب أحد أبناء البادية لنفسه قصائد العلم التي غناها الشاعر الراحل عوض المالكي، لأن هذا سيعد سطوًا علنيا تترتب عليه مساءلات قانونية وعُرفية. علي أن ما يسهم في حالة الحراك النسبي للنص الشعري البدوي أن الجماعة الشعبية البدوية لا تقف منه موقف المتلقي المستمتع بفنية العمل الإبداعي فحسب، بل إنها تقف منه موقف الحَكَم فترجح كفة شاعر علي آخر، وقصيدة علي أخري.. إلي أن يتقادم الزمن بالنص، وتخفت وطأة الملكية، ويحق للذاكرة أن تخضعه لآلياتها من إزاحة وإحلال واستعارة وإبدال، فيتحول من نص خاص لمبدع فرد إلي نص شعبي مملوك للجماعة الشعبية البدوية بأسرها.. وإلي أن يحدث هذا التحول يظل الشعر البدوي المؤلَّف حديثًا إبداعًا خاصًا نخبويا. وبعيدا عن المزايدات السياسية الفجة أقترح أن يتم تشكيل لجنة للثقافات النوعية بالمجلس الأعلي للثقافة علي غرار لجنة اللهجات الدارجة بالمجلس الأعلي لرعاية الآداب والفنون، التي تم إلغاؤها سنة 1956 وتشكيل لجنة الفنون الشعبية بدلا منها، كما أقترح أن تدعم الدولة عددا محددا من الدارسين لدرجتي الماجستير والدكتوراة في كل جامعة مصرية، شريطة أن تتناول الدراسة منطقة ثقافية كمجتمع مطروح أو غيره من المجتمعات ذات الثقافة النوعية.
استهدفت هذه دراسة حمدي سليمان (إيكولوجيا الحكاية البدوية) الوقوف علي الملامح الإيكولوجية للحكاية البدوية، وعلاقتها بثقافة المجتمعات الصحراوية، مخالفة ما هو سائد عند الحديث عن سمات الشخصية البدوية فكثيرا ما يتطرق الباحثون إلي السمات الأكثر انتشاراً مثل الشهامة والكرم والفروسية والمحافظة والتشكك (التخوين)، إضافة إلي البناء القبلي والثأر والدية.. إلخ. لقد تطرقت الدراسة إلي موضوعات إضافية تمثل صلب الثقافة البدوية، كما أن تناولها ربما يزيل الفهم الخاطئ والملتبس والتصورات التاريخية المغلوطة عن البدو والشخصية البدوية لدي أبناء الوادي، وكذلك لدي الجهات التنفيذية الحكومية والتي لجهلها بطبيعة هذه الشخصية وطبيعة الثقافة البدوية تقع في الكثير من الأخطاء التي تسهم بشكل أو بآخر في توتر العلاقة بين البدو والحكومة. وتعيق أية مشروعات تنموية تستهدف هذه المجتمعات. وعلي الرغم من الإعجاب الرومانتيكي بالصحراء وسحرها وانطلاق الخيال عن روعتها وسكونها ووحشتها واتساع رقعتها المترامية وحياة البدو والتغني بالشعر والبيد والحكايات وما إلي ذلك مما يسجله الشعراء والرحالة والروائيون والمغامرون. إلا أننا ندرك أنها لم تعد كما كانت، كما أن مفرداتها البسيطة لم تعد تشبع رغبات أبنائها كما كانت، حتي إن كازنتزاكس اعتبرها ذات يوم جنة البدو حيث قال:quot;جنة البدو هي: الشمس، الجمال الصغيرة، الماشية ترعي في المراعي الخضراء، الخيام الملونة المصنوعة من وبر الجمال، النساء اللواتي يتبادلن الأحاديث في الخارج، وقد طلين أيديهن بالحناء، وعيونهن بالكحل، ووضعن علي الخدين شامتين صناعيتين، ولبسن أساور من فضة حول معاصمهن، وخلاخيل من فضة حول كواحلهنquot;. فصحراء اليوم لا تشبه صحراء الأمس فقد أصبحت أكثر فظاظة وقسوة، مليئة بالآلات والبنايات الأسمنتية، والسيارات الطائشة وسماسرة الأراضي والسياحة العشوائية، كما أن الثقافة البدوية ليست إيجابية علي طول الخط فهي كما هو الحال في الثقافة الشعبية بشكل عام تحتوي علي الكثير من العناصر السلبية المتخلفة التي تقف عائقا أمام حركة تقدم وتطور المجتمع ككل. ولا خجل في تعرض الدرس العلمي لمثل هذه العناصر بل والتصدي للمتغيرات التي لا تتفق مع طبيعة ونسق هذه المجتمعات، وهو ما لا يقلل من أمانتنا ومحبتنا وحفاظنا علي الثقافة الشعبية كما يتوهم البعض. وفيما يخص الحكاية الشعبية البدوية نؤكد مرة أخري أنه لا توجد حكاية شعبية بنت بيئتها بشكل كامل، كما لا توجد ثقافة نقية نقاءً كاملا فالتبادل والتفاعل الناتج عن عمليات الاحتكاك الثقافي بكافة أشكاله بين الثقافات منذ آلاف السنين ترك عناصر وسمات مشتركة في معظم الثقافات العالمية، لذا نجد أن الحكايات البدوية ربما لا تحمل ثقافة بيئتها بشكل كبير، فقد نجد بها العديد من العناصر والمفردات والرموز الوافدة من بيئات أخري، وهذا ليس خاصا بالثقافة البدوية، بل هو ملمح في الحكايات الشعبية بشكل عام وربما يتسق ذلك مع خاصية الانتشار التي تتمتع بها هذه الحكايات.

وأكد بحث ممدوح فراج النابي (معمارية البناء السردي) علي تميز إقليم مرسي مطروح، بخصوصية جغرافية، متمثلة في موقعه علي الحدود الغربية المصرية، وتداخله مع الحدود الليبية. وقد أثمر هذا التداخل في امتزاج الثقافتين، مما انعكس علي الإبداع. إلي جانب هذه الخصوصية. وقال الباحث: يقطن في هذا الإقليم quot;البدوquot;، وعلي الأخص (قبائل بني علي) وما يتميزون به من ثقافة مغايرة، سواء في العادات والتقاليد، أو في الملبس، أو في المأكل، وفوق كل هذا اللغة، وهذا ما يظهر واضحًا في الإبداع. كل هذا أكسب الإقليم حضورًا لافتًا، وهو ما انعكس بطبيعته علي الإبداع. اللافت في الإبداع السردي لإقليم مرسي مطروح، أنه جاء متنوعًا ما بين الرواية والقصة القصيرة وخلا من الإبداع المسرحي، ومع هذا التنوع، إلا أن الغالب، هو طغيان فن القصة القصيرة. فقد جاءت الأعمال القصصية بنسبة (1:4) وهي كالآتي (تأريخ لسيرة هامشي 2002 لحسن مشالي، ومولد سيدي الهزاز 2008 لهاني محمود) وهما العملان الوحيدان المنشوران، وإنْ كانا نُشرا إقليميا، ضمن (منشورات إقليم غرب ووسط الدلتا)، أما العملان الآخران فهما مخطوطان، الأول بعنوان quot;رجل من الزمن الجميلquot; لسلامة أبو طالب، والثاني بعنوان quot;عود ثقاب واحدquot; لنجلاء سري، بالإضافة إلي هذه المجموعات توجد قصة قصيرة بعنوان quot;الرحيلquot; لبسمة هاشم. هذا عن الإبداع القصصي، أما الرواية فيوجد عمل وحيد بعنوان quot;ليلة في سجن المالكيquot; عام 1999 لعبد الستار حتيته. وهي صادرة أيضا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة الجوائز. الملاحظ علي هذا الإبداع 1- هو حضور الصوت الذكوري، في مقابل خفوت الصوت النسائي. فلا نجد ضمن هذه الأعمال سوي صوتين (نجلاء سري) مجموعة قصصية، وبسمة هاشم quot;قصةquot;. 2- قلة الأعمال الروائية، وغياب الصوت النسائي في كتابتها، رغم ثراء البيئة بعاداتها وتقاليدها ومنابع الإلهام فيها، فتجعل منها أعمالاً ذات طبيعة خاصة. 3- أن الأعمال المنشورة جميعها صادرة عن النشر الإقليمي، ما عدا quot;ليلة في سجن المالكيquot; التي نشرت عن الهيئة نفسها فرع الجوائز. وهذا يشير إلي أنّ هذه الأصوات لم يتح لها الظهور خارج حدود الإقليم، إلا إذا كان أصحاب الأعمال ينشرون في دوريات، توزع خارج حدود الإقليم. وقد قتم الباحث بقراءة وتحليل هذه الأعمال، ليجد في النهاية سمة غالبة تكون مميزة لأدب هذا الإقليم عن غيره.