قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


كان الجرار الضخم لبلدية المدينة يسير ببطء كالسلحفاة ناثرا ورائه أحجار صغيرة على الرصيف الذي تجمد وبات السير عليه مستحيلا. نظر إلى الأفق البعيد وهو يتجه مشيا على الأقدام صوب المحطة المركزية في المدينة في هذا الصباح الشباطي البارد حيث غطى المدينة وشاح أبيض من الثلج أعاد البهجة والسرور إلى وجوه هؤلاء العمال والكسبة الذين ينطلقون كل صباح باكر متوجهين إلى مكان عملهم. كانت للطرحة البيضاء أثر كبير في إنارة المدينة بأكملها حيث أضاف بياض الثلج النور إلى عتمة المكان حيث يسود ظلام دامس ليل نهار شتاء الشمال الاسكندنافي.
هناك وفي الأفق البعيد شاهد سرب كبير من الطيور الشبيه بالغربان تدور في دوامة كبيرة سوداء كالجراد عندما يهب مع رمال الصحراء الشرقية وهدير طيرانها يدخل شئ من الرهبة إلى النفوس لتعود وتهبط لتحط على سطح إحدى البنايات العالية.
مشى ببطء باتجاه المحطة وبتثاقل،كان يعرف بان انزلاقه فوق الجليد وسقوطه سيكلفه الكثير. بدا أكثر حذرا في سيره. دار حول البحيرة المتجمدة مياهها والتي تفصل بين وسط المدينة وبناية المحطة المركزية الواقعة على ساحل احد اكبر بحيرات أوربا والتي تمتد 150 كيلو مترا شمالا قبل إن يصل رصيف المحطة الذي بدا خاويا من المسافرين. وقف على رصيف المحطة وحيدا فانتابه شي من الخوف لعله تأخر وفاته موعد القطار، فرفع رأسه إلى اللوحة الالكترونية المعلقة ليقرأ:
القطار المحلي المتجه إلى محطة نكشو
الوقت: 10:10
تنفس الصعداء وحمد الله.
في هذه البلاد يعتبر المواعيد مقدسة فلا يكاد المرء إن يصل إلى محطة الباص ليشاهد الباص من بعيد قادما وفي موعده المحدد. هناك لوحات الكترونية منيرة في مواقف الباص تعلن عن قدوم الباص ورقمه واتجاهه وذلك كي يسمع الغير المبصرين ويعرف كنه الباص القادم. يمكن للمرء كذلك معرفة زمن قدوم الحافلة التالية عن طريق الجدول الالكتروني. هناك كذلك ألوان خاصة في يافطات الباصات يتعرف المسافر على الباص ويستخدم المهاجرون ألوان وأرقام الباصات لتعريف عن مكان أقاماتهم وعناوينهم فتراهم يقولون بأنهم يسكنون في آخر محطة للباص الأصفر في منطقة quot;اوكسناهاكاquot;.
اتجه إلى صالة انتظار المسافرين فوجد في المدخل صندوقا حديديا كتب عليه quot;متروquot; ومترو جريدة مجانية توزع في كشكات حديدية مجانا إلى المواطنين تعتمد بالأساس على الدعايات والأخبار في تمويل توزيعها وإخراجها. الحقيقة أن الجريدة لا تحتوي الشئ الكثير ولكنها تصاحب الناس في سفراتهم ويرمونها في علبة القمامة بعد الانتهاء من تصفحها. الشئ الذي اعتاد عليه قراءته في الجريدة كانت في الصفحات الأخيرة وهو صفحته المفضلة quot;برجك اليومquot; وهذه الجريدة هي الوحيدة التي تنشر البرج الصيني فبدا بالقراءة:
برج الحصان:
نضالك سيأتي بثماره.
تنفس الصعداء وقال في نفسه شاكرا الحمد لله.
بعد إحدى وعشرين عاما في هذا البلد القطبي الشمالي وأربع عقود على المنفى هنا وهناك سيرى أخيرا ثمرة جهوده. هنا في الشمال الاسكندنافي يحلوا لمواطنيه أن يصيبهم داء الكآبة في فصلين الشتاء والصيف، شتاء لان الظلام يطغي على النهار فيبدوا منتصف النهار كالليل الداجي في ليل مقمر وفي الصيف عندما يطغي النهار على الليل فيبدو منتصف الليل كساعة الغروب في مدن الشرق البائسة، بعد كل تلك السنين ها هو أخيرا يحصل على فرصة كي يجري مقابلة عمل عله يحصل على وظيفة يخرجه من دوامة البطالة ويعطي لروحة سعادة وفرح العمل والإنتاج والكسب الحلال.
عندما رن التلفون في بيته قبل أسبوع هرع ليجيب على الفور سمع في الطرف الآخر صوتا رجاليا وقدم نفسه:
اسمي كنت سفنسون، مدير شؤون العاملين في شركة...
أخابرك حول موضوع طلبك العمل لدينا،
لقد قررنا استدعاك إلينا من اجل مقابلتك والاستماع إليك وحبذا تأتي يوم الثلاثاء القادم إلى العاصمة الساعة........................
أعاد سماعة الهاتف إلى مكانه وشكر الرحمن على لطفه.
كانت الأيام التالية ثقيلة عليه وبات الكابوس لا يترك فراشه وهو يخطط لهذا اللقاء التاريخي الذي ربما سيغير مجرى حياته.
وصلت القاطرة إلى المحطة بد اقل من ساعة و في الموعد المحدد فهرع فرحا يستقل إحدى عرباتها منتظرا قدوم الجابي.
بدا بتصفح الجريدة ليقرأ أخبار عن نتائج الانتخابات الإسرائيلية وأخبار غزة المحاصرة وعن البرامج الاقتصادية الطموحة لرئيس الأمريكي الجديد ومتاعبه مع بدء دورته الرئاسية التاريخية كأول رئيس أمريكي من أصول افريقية وووو
بعد دقائق وصلت القاطرة إلى محطة نكشو، تلك المحطة التي تعتبر مفرقا للطرق وللقاطرات المتجهة شمالا إلى العاصمة وجنوبا إلى مدينة مالمو الجنوبية الواقعة على الضفة المقابلة للعاصمة الدنمركية كوبنهاكن والتي يفصلها جسر بني حديث على المضيق الفصل بين دولة السويد ومملكة الدنمارك.
محطة كمحطات القطار الكبيرة تتلوي طرق السكك الحديدية كالثعابين لتلتقي مرة ولتنفصل مرة أخرى متجمعة في أرصفة المحطة والمرقمة بانتظام تلتقي فور وصولك إلى المحطة بصوت نسائي رقيق تعلن عن اتجاهات القاطرات وأرقام الأرصفة حيث يهرع المسافرون إلى الرصيف المحدد لتوجه إلى مقاصدهم يحملون أمتعتهم بينما يتضاحك الأطفال بفرح لاهين يلعبون على السلالم الكهربائية التي تنقلهم إلى جسر معلق لعبور إلى أرصفتهم المحددة.
كان صوت الذي استمع إليه غريبا لأنه أعلن وبأسف شديد أن القطار المتجه إلى العاصمة اكس 2000 والقادم من مدينة مالمو الجنوبية سوف يتأخر ولمدة ساعتين.
تجهمت وجوه المسافرين وهرعوا جميعا إلى قسم الاستعلامات وقابلوا الموظف بالاعتذار وقال مكرر اعتذاره بان القطار لم يترك محطة مالمو لخلل طارئ وطلب بلطف التوجه إلى الاستعلامات لتجديد التذاكر.
هرع فورا إلى اقرب تلفون عمومي كي يتحدث مع السيد quot;كنت سفنسونquot; ويخبره عن ما حصل معه.
اعتذر منه قائلا:
سيد سفنسون
نعم
أنا.... معذرة لإزعاجك أن القطار سوف يتأخر لمدة ساعتين وسأصل إلى المحطة المركزية للعاصمة تقريبا الساعة الرابعة وقد أصل الشركة متأخرا جدا.
كان عليه أن يصل العاصمة ويتجه إلى الشركة ثم يعود بأدراجه بعد ساعتين من المقابلة.
الآن عليه أن ينتظر ها هنا ساعتين ما هذا الحظ المتعثر............ تصور مقابلة بعد انتظار دام 21 عام.
قال مازحا:
سيدي الكريم سننتظرك حتما ولا داعي للقلق فنحن في انتظارك حتى بعد انتهاء الدوام الرسمي للشركة.
شكرا سيدي والى اللقاء.
عاد إلى الاستعلامات كي يحصل على موعد جديد للعودة فقدم تذكرته للموظف الذي حجز له بطاقة عودة بموعد جديد وعلى الدرجة الأولى هذه المرة تعويضا للخسارة.
استفسر من الموظف أن كان هناك احتمال لاستخدام الكومبيوتر في المحطة كي يرسل بعض الرسائل العاجلة لصديق في العاصمة فأشار إلى المكتبة المركزية الواقعة بالقرب من المحطة.
ترك المحطة متجها صوب المكتبة فعبر بناية البلدية في الساحة المركزية للمدينة والتي تتحول كل يوم سبت إلى سوق شعبي كبير يؤمه الناس والفلاحون من القرى المجاورة لبيع والشراء.
كانت المكتبة مزدحمة بروادها فتوجه إلى احد العاملين فقال متأسفا:
سيدي هناك عطل في الاتصالات والانترنت عاطل. فشرح له محنته وكيف أن صديق له ينتظره في العاصمة لم يتمكن من إبلاغه بتأخير القطار تلفونيا والانترنت هي الطريقة الوحيدة للاتصال.
فقال له الشاب بان هناك احد الكومبيوترات في مكتبه يمكن الاتصال منه.
كتب عدد من الرسائل عاجلة لصديقه ولابنته، ولعله لم يقرأه.
حيث قرء له لاحقا رسالة يعاتبه على التأخير وعدم الوفاء بالوعد ولكن وكما يقول المثل العراقي:
اليدري يدري والي ما يدري................
عندما وصل بناية الشركة كانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف فالتقى بمجموعة من الوجوه الطيبة المبتسمة والتعبة.
سارعوا في سؤاله عن كل صغيرة وكبيرة وبعد اقل من نصف ساعة ودعوه على أمل تزويده بإجابة في الأسبوع القادم.
توجه مسرعا نحو محطة المركزية للعاصمة وكله شوق للقاء عائلته وأولاده وفي نفسه راحة.
مرددا بصمت:
-حمدا لله، أخيرا قابلوني...........
وربما سأحصل قريبا على عمل بعد 21 عاما من وصولي إلى وطني الجديد في منفاي.