قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

استذكار

اعلم انه مضى وقت ليس بالقصير على موت صديقنا امير. لكنّ ما يصدق على عاجلية البـِرّ لا يصدق هاهنا على المراثي، اضافة الى

انقر هنا لتجد لائحة ببعض ما نشره الراحل أمير الدراجي في إيلاف وما نشر عنه
ذلك فان الموت فعل يتجدد على الميت كل يوم.. موته يعود الينا كل لحظة كي ينثر علينا وحشة قبره ويقتبس من نبض حياتنا بعض رفيف حياة. يغمرنا بالذكرى الحميمة ونغمره نحن بما تيسر لدينا من هسهسة الحاضر والقادم من الايام. يبقى طيفه هائما في ارواحنا، حيا فينا وحولنا على الدوام.
ادناه بعض استذكار لاوقات جمعتني مع الفقيد، وايضا عطف على كتاباته التي اضاءت لنا الكثير من العتمات.

التقيتُ امير الدراجي اول مرة امام مصعد في بناية في بيروت الغربية، كان هو خارجا من مكتب رياض الريس في الطابق الخامس على ما اذكر، وكنت خارجا من مكتب دار الجديد في الطابق ذاته. حدث اللقاء الاول هذا في بدايات عام 1997 تقريبا.

دخلنا المصعد سوية هابطين الى الطابق الارضي... سيماء عراقية واضحة، شعرٌ، ليس اشعثَ بالتأكيد، بل متلفلف بانتظام متناسق، كأن اصابع سيدوي الغاوية قد امضت ليالي سهرانة عليه تضفر خصلاته. عينان بين السواد والشَهَبة، لا ينظر احد فيهما الا وغمرته حيرة وبهتان وحياء ورهبة. سحنة وجه طفولي مشاكس، لكنها تخفي وداعة وسكينة مع بريق شفيف.

قلت بفضول الواصل حديثا الى بيروت غريبا باحثا عن اصدقاء: الاستاذ عراقي، مو؟ قال: نعم، ثم اطرق رأسه ما يوحي بعدم الرغبة في الكلام. قلت: انا عراقي ايضا، وعرفته باسمي، وحين عرفـّني باسمه اصابتني رعشة غريبة وغبطة حيث كنت تعرفت كتاباته وانا في العراق عبر مجلة الناقد في بدايات الثمانينات. كانت كتاباته quot;الوحشيةquot; ومواطنيته، أهو عراقي ام لا موضع تجاذب مع عدد من الاصدقاء. وعلى ما اذكر علق احدهم بقوله: ان كتابة نثرية من هذا الطراز الفريد لا يمكن ان يكون صاحبها عراقي.! لماذا ؟!. قلت: يا مرحى باستاذنا الكبير وعرضتُ عليه إنْ كان راغبا في كوب من القهوة في احد مقاهي quot;شارع الحمراquot; على مسافة قريبة منا. وفي مقهى المودكا الشهير جلسنا بعضا من الوقت في دردشة عن الثقافة والشعر والسياسة. ثم افترقنا دون موعد او تلفون بل على امل ان نلتقي في صدفة اخرى ذات يوم.

وكانت الصدفة قانونا حتميا آنذاك، فقد شاءت ان تجمعنا في لقاءات كثيرة هي فترة اقامتي في لبنان حتى غادرت البلد الى استراليا في ايلول عام 1998 ثم غادر هو من بعدي ببضعة شهور الى النرويج. كنت اعمل وقتذاك محررا ومتابعا لغويا في ملحق تابع لجريدة النهار، اسمه: quot;نهار الكتبquot;. ملحق شهري يُعنى بعروض الكتب فقط، كان هذا الملحق قد صدر حديثا واستمر لسنة وثمانية شهور، كان رئيس تحريره وصاحب المشروع الدكتور موسى وهبة. كان امير يزورني بين حين وآخر كلما نزل الى بيروت من صيدا التي يقيم فيها لتقديم بعض المواد للنشر او لزيارة بعض الاصدقاء. واحيانا كنت ازوره لوحدي او مع زوجتي واطفالي حينذاك في بيته في صيدا، كنا ننام على سطح بيته الذي يشبه سطوحنا العراقية. وفي اغلب زياراته لبيروت كان يقضي ليلته في شقتي الواقعة في منطقة الغبيري، قرب الشياح الشهير في الضاحية الجنوبية. وعلى فكرة.. كانت بلدة الغبيري العجيبة هذه خط التماس الساخن بين حركة امل وحزب الله. الجوامع والحسينيات قسمة بين الفريقين، ويمكن للمراقب ان يعرف، وهذا بعض من الاسرار السيميولوجية الغريبة، اتباع َ ايّ من الجماعتين من خلال الجهة، يمينا او شمالا، التي تغرز النسوة فيها الدبوس لتثبيت حجابهن.

كان لشقتي بلكونة فسيحة، نمضي الليل، حتى مطلع الفجر، في جلسة دردشة وشراب واستماع للاغاني العراقية ولفيروز بالطبع. لم يكن امير، بالمناسبة، شريبا شرها. بل كان شرابه تلطفا وتسامرا مع الجليس. مزّته المفضلة جبن اخضر( دلني عليه هو، ولم اكن جربته من قبل مع الشراب) ومن لم يكن الجبن لاخضر quot; المعفنquot; بالتعبير المصري الدارج مزتة مع العرق، فلا يعرف، في الحقيقة، من الشراب ولا من الجبن شيئا.

كانت السهرات عادة ما تختم، حين تسري الخمرة في روحه، بتساميه، وان كانت روحه متسامية وان بلا خمر، في الغناء. ينهمر في اغاني داخل حسن على الاغلب واحيانا حسين نعمة. تكاد من رخاوة صوته ان تنوح الجدران ويقشعر جلد الارض. يغفو اطفالي الثلاثة على غنائه، بينما تتلفع امهم خلف الجدار، على حياء، وقد تهرأت ثيابها بالدموع، بينما اجد نفسي وقد اضحت سنبلة طرية تسيح في نهر، او كجسد طفل يغفو على صدر امه.

بصراحة، كانت علاقتي بامير شخصية اكثر من كونها quot; ثقافيةquot; بالمعنى الشائع. وان كان يشكـّل تعرّفي الى كتاباته وحديثه مرحلة انعطافة كبيرة وخطيرة في حياتي. فقد ازال عني غشاوات معتمة في امور كثيرة، وانا صاحب غشاوات كثيرة، وما تزال، في الحياة وفي المعرفة كما يدرك هذا الامر كثير من الاصدقاء. رسَمَ لي امير، بدردشات مرحة خاطفة، خريطة سرية لعوالم تنفتح على خبايا مرعبة في حركات التحرر الثوري، جمهورية الفاكهاني، اسرار الشعر وكهوف السياسة. ولجهة العراق، اثار انتباهي الى امر لم يكن في اولويات تفكيري انذاك، وهو أنّ تفكيك الآليات التي تشتغل بها المعارضة العراقية لحكم صدام هي الاساس الذي يجب على المثقف العراقي ان يشتغل عليه وليس على اسقاط صدام ذاته، اذ انّ الاخير على حد قوله موشك على الزوال عاجلآ ام آجلا مثل قطعة حديد تتآكل من الصدأ وتنمحي مع الايام ومع هبوب اعاصير التغيرات الاجتماعية والسياسية، ولا يحتاج امر ازالته الى كفاحات جنجلوتية ولا الى ثورات مجيدة، لكن المشكلة الاساس، والتعبير ما يزال له، هي في طروحات وسلوكيات المعارضة ويقينياتها الدموية الاشد سوءا وفتكا ورعبا من حكم البعث. وبالفعل حدث ما وصفه المرحوم، فقد تلاشى صدام دون ذرة من كفاح من لدن المعارضة العراقية. كان اسقاطه هـِبة امريكية صرف ونتيجة حتمية لرياح التغير السياسي. وها نحن نشهد الكوارث التي تتكرم بها علينا معارضة الامس، حكام اليوم.

وفي ايلول من العام الماضي قمت بزيارته في بيته في النرويج وامضيت شهرا كاملا ضيفا عليه. وجدته مشلولا في اغلب جسده. لم يكن بقي منه سوى نصف يد ونصف قدم واصبعين وعينين. كان الهدف الاساس من زيارته، فضلا عن الرفقة والمسامرة، تصميم موقع الكتروني له وارشاده الى طريقة اضافة المواد الجديدة في الموقع. كان حلمه النهائي ان يملك موقعا الكترونيا يتمكن فيه من تحقيق استقلاليته وان يقول فيه ما يشاء من quot;المحرماتquot; دون ان يسبب quot;احراجاquot; لاصدقائه من المحررين في وسائل النشر وان يبوح بكل ما لديه من اسرار دون رقيب ولا حسيب. حين انتهينا من تصميم الموقع كان فرحه عظيما وقد علق ساخرا بقوله: quot; وداعا ايها الناشر، يا آخر الطغاة في حياتي،آلان يمكن لي ان اتنعم بهواء الحرية المطلقةquot;. وبالمناسبة، فان طبيعة المواد التي نشرت في الموقع لجهة الاخطاء الطباعية كانت وفقا لرغبته ولغاية في نفسه هو، حيث رفض ان اتولى مهمة مراجعتها وتصحيح اخطاءها الطباعية وقد جاءت quot; الخيتومةquot;، التي هي آخر ما كتبه كتقديم للموقع، توضيحا لهذا الامر. وكانت الصورة التي في الموقع، وهي الصورة الوحيدة الاثيرة الى قلبه، من اختياره هو. وقد استللناها من احد المواقع مثلما جلبنا كل المقالات من المواقع الالكترونية. اذ لم يكن الفقيد يحتفظ بارشيف معقول لاي من كتاباته.

كانت ايامنا في بيته مزيجا من الالفة والحب والتجول في مدينته، بالاحرى القرية النائية في الجنوب النرويجي، اسمها كونغس فنغر ومعناها اجنحة الملوك. كانت يتجول هو في سيارته الصغيرة الخاصة بالمقعدين، وكنت ارافقه على دراجة هوائية. شربنا القهوة معا في اكثر من مقهى وزرنا بعض العيادات الطبية وقمنا بالتسوق والطبخ ومشاهدة الفضائيات. كانت مشاهدة المسلسلات المدبلجة: quot; نورquot; و quot; ايام الضياعquot; اضافة الى quot; باب الحارةquot; من بعض اوقاته المقدسة. لكنه، وهذا ما جعل قلبي يصبح هواء، كلما رأى طفلا او عائلة في التلفزيون يتحول الى قطعة من الدموع. كان افتقاده لاطفاله، بناته الثلاثة النصل الذي يوغل في قلبه ويجعله اشبه بنهر متدفق من النواح.

لم تكن quot;رحلتهquot; من غرفة المعيشة الى سيارته الخاصة بالمقعدين بالامر اليسير. يستعين عليها بكرسي متحرك وحين اقمت معه كان يستند على ذراعي كي اوصله الى سيارته تلك. وحين يأوي الى فراشه في اول الصباح، كنت استيقط على ما يصدر من غرفته من اصوات مؤلمة هي مزيج من الآهات والتنهدات نتيجة الآلام التي كان يعانيها. كان صدره يعاني من quot;التفحمquot; نتيجة الدخان، ولم يكن قادرا على التنفس بشكل طبيعي. توقف عن التدخين لبضعة ايام بعد اقامتي معه فبدأت صحته بالتحسن لكنه عاد اليه بعد حين. ومن يدري ربما كان الافراط في التدخين السبب الاساس لشلله الذي لم يتمكن اطباء النرويج على معرفة اسبابه الغامضة.

ثم غادرته متوجها الى العراق وعدت اليه بعد خمسين يوما. اذ كانت تذكرة عودتي الى سدني من اوسلو. اتصلت به من المانيا من بيت اخي قبل يوم من ذهابي اليه فلم يكن في البيت. حاولت الاتصال به على الموبايل فكان على الخط الصديق ستار موزان الذي داوم على زيارته في المستشفى مع اخويه هادي الحسيني وعامر. اقام الاخير معه في المستشفى وتولى مهمة الترجمة له لكادر المستشفى. قال لي ستار على التلفون ان امير في المستشفى الان وانه لا يقدر على الكلام. وصلت الى النرويج في اليوم التالي وقمت بزيارته في المستشفى ليومين متتالين وفي اليوم الثالث تمّ نقله الى مستشفى آخر في مدينة بعيدة نسبيا quot; للي هامرquot; التي توفي فيها بعد بضعة اسابيع. وفي اليوم الرابع كان علي ان استقل الطائرة عائدا الى سدني. ومن سدني لم اتمكن من الحديث اليه عبر التلفون. كان قد فقد القدرة على الكلام تماما ولم يعد قادرا على تناول الطعام. ثم ذبلت اعضاؤه الداخلية واحدا بعد الاخر حتى قرأنا خبر موته في العاشر من كانون الثاني.

في زيارتي الاخيرة له قال لي: quot;لقد تعبت من الوحدة والوحشة، اعتزلت العالم كي اتفرغ للكتابة وها انا غير قادر عليها. كانت امنيته الاخيرة ان ينتقل للسكن في اوسلو العاصمة، قال: quot; اريد ان اكون بين اصدقاء، كانت سلوتي الوحيدة الكتابة وقد خذلتني. كان موضوع انتقاله لا يحتاج سوى لبعض الترتيبات الاجرائية وبعض من الوقت. لكن وضعه الصحي تدهور بشكل مفاجئ. كان الموت اسرع فهو لايحتاج الى وقت ولا اجراءات. وهكذا رحل عن الدنيا بصمت ووقار.

يمثل نتاج امير الكتابي منحى متفردا في نسق الكتابة العربية. فهو اول من صاغ مفاهيم خطيرة في سياقها التاريخي انذاك مثل: الملاك المفترس، ارهاب الحقيقة، اوهام النخبة ، عفاف الشر ، التحمير التحريري، عمى الحقيقة، العمى اللغوي ، سموم الحقيقة. وايضا صاغ مقولات تمثل اختراقا فكريا في منظومة الفكر العربي، مثالا لا حصرا: quot; العقل مكان غير آمن لصناعة الدلائلquot; ، quot; مَن يكون سبب الجريمة، القاتل ام الفتنة التي تثير شهوة الأفتراسquot;،quot; الاستعمار الديمقراطي خير من وطنية مستبدةquot;، quot;اعادة البلاد للاستعمار كي لا نبقيها لعملاء الاستعمارquot;، quot; 14 تموز يوم وطني للاحتفال بنهاية الحرية وتمجيد الطغاةquot;، قبل ان تشيع مثل تلك المفاهيم وهذه المقولات لاحقا وتصبح براءات اختراع لآخرين بعض همهم النشر والاعلام. وهو طبعا في تقشف عن هذا كله، فهو النار التي تدفئ دون ان تنتظر عناقا، والنهر الذي يُروي دون ان يتأمل مصافحة، والطائر الذي يغرد دون ان يتوقع جوابا. وقد رحل دون ان ينشر او يقدم للنشر كتابا واحدا رغم ان كتاباته كانت موضع ترحيب من بعض دور النشر، احدها، لكي لا نذكر سوى مثال واحد، دار رياض الريس. كان منهمكا تماما في الكتابة وكانت الافكار والكلمات تتزاحم وتتدافع في المخاض للولادة، ولم يكن لديه لا الوقت ولا المزاج ولا الرغبة في الجمع والتبويب والمراجعة.

كتابات امير هي مزيج من الادب والفكر في لغة شعرية عالية. اسلوبه، وهذا احد اسباب الغموض والصعوبة في قراءته، يقوم على بنية يمكن ان نسميها انشطارا عنقوديا. يتألف النص من بضعة ثيمات، وكل ثيمة تنشطر الى ثيمات اصغر تنشطر بدورها الى اصغر منها وهكذا دواليك، وهو يواشج بين تلك الثيمات باسلوب ادبي باذخ ولغة مجازية باهرة فيكون النص نسيجا موزائيكي بامتياز، كل جملة لديه هي بمثابة مقال مستقل يحتاج الى شروحات وهوامش واحالات. شذرات نيتشوية اذا امكن الوصف، مع ثراء وغزارة واضحين في الكتابة ولكن دون تكرار. مرة قلت له شفهيا: انتم صانعي مفاهيم بتعبير لجيل دولوز/ quot;ماهي الفلسفةquot;، وما نحن سوى شراح لمتونكم وكاتبي هوامش وحواشي على كلماتكم التي تحرث في ارض بكر. بها نهتدي وبها نستفيء.

وهو يمازج بين ليونة السياسي وفطنة المثقف وحدّة رؤيته. ولكي نذكر مثالا على ذلك، دعنا نستعيد بعضا من كتاباته ومواقفه قبل غزو العراق او تحريره، لافرق. فقد وقفَ موقفا عنيفا رافضا لأية وسيلة عسكرية للاطاحة بالنظام السابق، ولا ننسى ما تعرض له من اتهامات خرقاء، وقال ما معناه، ان العراق ليس افغانستان ولا يمكن لايّ انسان صاحب ضمير او ذكاء ان يجلب الحرب على بلاده. لكن ما انْ دارت رحى الحرب حتى اخذ َ يناشد العراق كله بعدم المقاومة لانها انتحار وتدمير للبلد فهي حرب خاسرة بالمقاييس العسكرية والعقلية. وحين انهارت سلطة البعث ، تحولتْ كتاباته الى منحى مدني سلمي، فقد دعا الى الاستفادة من وجود اميركا وقوات التحالف لبناء عراق جديد، وانقاذه من الدمار وفوضى السلاح. كان يريد بلدا ديمقراطيا يرتدي quot; شرطته بدلات بيضاءquot; ولم تكن مقولتهquot; مرحى للاستعمار طوبى للحريةquot; الا ايقانا بان التعامل مع غاز ذكي يحمل راية الديمقراطية شعارا افضل الف مرة من ان يكون البلد مختبرا للثوريات الصاعدة والنازلة والمتكالبة على جَمل سقط جريحا.

هذا التحول التكتيتكي في الرؤيا، ليس تقلبا في المواقف كما يرى بعضهم، بل انه الموقف الحكيم المرن الذي كان على جميع مثقفي العراق ان يعتصموا به وان لا يتشدقوا بجعجعة الوطنيات او ان يُستمالوا لاجندة دول الجوار. ولو استضاء اهل الحل والعقد منا بتلك الاراء لما كان حال البلد كما هو عليه الان. مقبرة كبيرة تحتشد بالجثث والنفايات.

سطوة امير او فضيلته انه كان يقف اعزل تحت وابل من المطر دون ان يصيبه بلل او رعدة برد، او أمامَ عواصف هوجاء دون ان تزل له قدم. يعرف كيف يوالف بين السكين وجسد القتيل، بين الطاحونة وحبات القمح، بين النار والحطب. متوحش ببراءة وبريء بتوحش. ولم يكن بارعا في شيء مثل براعته في المحبة لاعدائه quot;المفترضينquot; قبل اصدقائه.

رحم الله امير. عاش بيننا مثل منارة مضيئة ترشد خطواتنا. ورحل عنا مثل وهم عظيم.

كان ماني، نبينا البابلي، يقول لاتباعه: ارحلوا عني لا اريد اتباعا لي ولا مريدين، اذهبوا عني وليكن كل واحد منكم نبي نفسه. ربما يلزمنا الكثير، الكثير من الوقت كي ندرك ان امير الدراجي كان شبيها بماني، نبيا رافضا لتلامذته ومتمردا على الهه. ومن يدري ربما كان بضعة اله مستقيل من الوهيته.

ملاحظة: المفتطفات بين المزدوجات هي من اقول الفقيد المبثوثة في كتاباته.
سدني
[email protected]