قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عبد الجبار العتابي من بغداد:صدر عن دار المدى للثقافة والنشر كتاب (الجواهري.. وعيٌ على ذكرياتي) لمؤلفه فلاح الجواهري ابن الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، يقع الكتاب في 360 صفحة من الحجم الكبير، بغلاف جميل تزينه لوحة تحتها نقش بيت من الشعر للجواهري كأنه يشير الى الجواهري ويخاطبه وهذا بالتأكيد ما يقصده المؤلف: (فأنت مع الصبح شدو الرعاة / وحلم العذارى اذا الليل جا)، كما تزينت صفحاته الداخلية بالعديد من اللوحات التي تحمل عناوين قصائد للجواهري وقد أخذت منها الفكرة والمضمون وراحت تتغنى بألوانها على مرأى من خلجات الشاعر، كما ضم الكتاب بعض الصور للشاعر تجسد مراحل من حياته.
الكتاب من عنوانه كما يتضح يتماهى مع كتاب الشاعر الجواهري الذي عنوانه (ذكرياتي) الذي اصدره عام 1988 وسجل فيه سيرته الذاتية، حيث يقتبس المؤلف منه بعض الذكريات، ويستعيد تفاصيلها ويضيف ذكريات اخرى يجعلها امتدادا لها، وهو يقصد ان تلك بعض الذكريات التي كتبها الجواهري الاب عاش لحظاتها الجواهري الابن (فلاح) فكانت كلماته تنبض بالشغف الذي يدرك كل ما مرّ به الشاعر ويتهجاه حرفا حرفا باللغة الفصحى وباللهجة العامية، يتسامى في ما يعلنه ليكشف أسرارا كان الجواهري الشاعر يراها بعينه فقط، من الجهة التي هو فيها، فيما العين الثانية كانت عين ابنه فلاح، وما حاول الشاعر ان يشرحه في (ذكرياتي) منحه فلاح توسعة وتفصيلا وكشفا، اي ان ما يفعله فلاح الجواهري هو سبر لأغوار ما خلف الكواليس للمسرح الجواهري الكبير فينسجه على منواله وكما التقط صوره واختزنها في الذاكرة بكامل نكهتها، وربما ما لم يكن الجواهري يعلم به اذ ان هناك تفاصيل لا يعلمها الا المؤلف حيث كان جزءا من الحدث العام.
افتتح الكتاب بكلمات قال المؤلف فيها: (يمضني الشوق اليك رغم انك لم تغب عني.. الى ابي.. الى الجواهري)، هذا استهلال مؤثر، كأن الموقف لن يسمح له الا بقول تلك الكلمات القليلة المعبرة، ثم يرسم إهداءه في الورقة التالية: (الى من خففت عني وحشة الغربة في الوطن، ومرارة البعد عنه، الى زوجتي الهام)، قبل ان يضع الفهرست لعناوين حكاياته، ولان الكتاب يحتوي على العديد من اللوحات الفنية المرسومة بريشة المؤلف فمن المفيد ان نقرأ سطورا عنه: انه من مواليد 1937، وهو طبيب وفنان تشكيلي اقام معرضه الاول عام 1957 واقام معرضه الاخير عام 2003 في لندن، وهذه اللوحات تشخص بسماتها التي دمها شعر الجواهري.
الكتاب يحتوي على قصص وذكريات عديدة وحكايات عاشها المؤلف في ازمنة مختلفة، 23 ذكرى معبرة عن وعيها التام وبوعي المؤلف بها وهي تتكون امام ناظريه، التقطها من ايامه مع الجواهري الاب وكان شاهدا عليها، فيرسمها بالكلمات بأسلوب ادبي جميل ليس كما هو معتاد في كتابة المذكرات او الذكريات، حيث يكون السرد نثريا بحتا، انه هنا يرسم الحكايات بلغة شعرية وفق سيناريوهات سينمائية غاية في الدقة والمتعة والجاذبية، يكتب اللقطات من زوايا مختلفة وهي تمتلك قدرتها على خلق نوع مميز من الدهشة يجعل القارئ في حالة حماس الى ان يصل الى التشويق الذي يفتح امامه حقولا جميلة، الخطى التي يخطوها تترك اثرها حيث انه لا يتصنعها بل يمضي بشكل عفوي مسترخ، قد تشعر بقسوة ذلك الفقد والرحيل على خلجات نفس الابن، الذي كأنه وهو ابن 72 عاما يكاد يقول لك انت (يتيم) وان ما زال يعانيه كبيرا.
الكتاب لم يحفل بمقدمة ولا استهلال توضيحي، والعنوان ذاته لا يعطي وضوحا بل يفتح بابا للتساؤل والاستغراب اذ ان كلمة (ذكرياتي) كان يجب ان توضع بين قوسين في اشارة الى كتاب الجواهري ذاك، ويبدو ان المؤلف تعمد فعل ذلك ليشكل انبهارا لدى القارئ، ولكن المؤلف وضع الاشارتين الموجعتين،اللتين خاطب فيه والده الراحل واهدى الكتاب فيها، ما بعد صفحة العنوان وانطلق في رسم انثيالاته التي تبدأ من (اللقطة الاولى) التي يرسمها ممتلئة بالتأسي، انه يبدأ من النهاية التي اعلنها الجواهري الشاعر لحياته، لكنه في اللقطة الثانية يتعمد ان يقرأ في رحيله والدته، والدة المؤلف ويزجي لها ما في نفسه وما في نفس الجواهري الشاعر، ويختتم اللقطة بشيء من قصيدة الرثاء الشهيرة (في ذمة الله ما القى وما اجد / أهذه صخرة ام هذه كبد)، وبالتأكيد ان المؤلف تعمد ان يقابل رحيل والده برحيل والدته، ويبذل لهما الوفاء معا، قبل ان ينحدر في سرد كل ما حفظته الذاكرة ويفصله باسلوبه الجميل ويتحدث عنه كما يحلو له بامتاع سواء من داخل بيت الاسرة او خارجه من احداث تستدعي الانتباه والكشف لانها جزء من تاريخ الشاعر والحركة الادبية والثقافية العراقية.