مروة كريدية من ابو ظبي: شنّ المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي هجوماً على الفكر الصوفي معتبرا ان مايروج له بعض الفلاسفة والمفكرين من نزعة انسانية في التصوف المشترك بين كل الاديان ليس الا سببا لأزمات الانسان المعاصر وخلص الى نتيجة مفادها ان علة ذلك تعود للانقلاب التاريخي الذي طرأ على التصوف الاسلامي حيث جعل المنظرين تبيانا في العلاقة بين الموقف العملي للتصوف والموقف النظري له، أو بين العمل الذي يخضع الغايات للأدوات والنظر الذي يسعى إلى الملاءمة بين الغايات والأدوات كون مايروج له يفصل بين الدنيا والدين و بين السياسة والحقيقة و بين القانون والأخلاق.
جاء ذلك في محاضرة بعنوان التصوف وأزمة الإنسان المعاصرquot; القاها في المسرح الوطني بأبوظبي تحدث خلالها عن إشكالية العلاقة بين التصوف وأزمة الإنسان المعاصر بنهجين مختلفين تمام الإختلاف، أولهما النهج التاريخي الذي يعنى بتوظيف التصوف السياسي قبولاً أو رفضاً كلاهما يكتفي بأحد وجوه ما يترتب على التصوف دون أن يغوص إلى أعماق حقيقته وطبيعة دوره في الوجود الإنساني الفردي والجمعي، والثاني هو النهج البنيوي الذي يدرس التصوف لذاته أولاً معتبراً توظيفه السياسي أحد المترتبات على صدام المناظر القيمية في المجالات النظرية والعملية والجمالية والجهوية والوجودية ومن ثم من حيث حقيقته التي لا ينبغي أن تقتصر على توظيفاته خلال حقب التاريخ.
وحدد أبو يعرب المرزوقي خلال المحاضرة البنية المحددة لدور التصوف هي بنية المعركة القيمية بين أطرافها الخمسة التي لا يخلو منها عمران إنساني، quot;الصراع بين الفقه والتصوف وأصولهما التأسيسية وهو صراع مضاعف حول طبيعة ما يتنازعان عليه وحول ما يستمد منه من سلطان أعني حقيقة الشرائع وعلمها معنى وممارسة أو بلغة فلسفية حول القانون الخلقي وصلته بالعمل، ومن ثم الصراع بين الكلام والفلسفة وأصولهما التأسيسية وهو كذلك صراع مضاعف حول طبيعة ما يتنازعان عليه وحول ما يستمد منه من سلطان أعني حقيقة الطبائع وعلمها معنى وممارسة أو بلغة فلسفية حول القانون الطبيعي وصلته بالعلمquot;.
ليأتي الطرف الثالث متناولاً التحالف الملحوظ تاريخياً بين الفقه والكلام ممثلين للسلطان الحاكم في الغالب وبين التصوف والفلسفة ممثلين للسلطان المعارض في الغالب، لكن هذا الحلف المزدوج لا يلغي التوتر الموجود بين عنصري كلا حديه quot; فالحد الحاكم لا يخلو من تنافس بين الفقيه والمتكلم والحد المعارض لا يخلو من تنافس بين المتصوف والفيلسوفquot;.
وأضاف المرزوقي quot; من هنا قد ينقلب الأمر عندما يتوازى توضيفان متنافسان على الخارطة السياسية المحلية أو الدولية فيصبح الفقه والكلام معارضين ويصبح التصوف والفلسفة حاكمين (وهذه هي الحال في الغرب منذ العصر الكلاسيكي)، ولعل ما يراد من موضة الإقبال على التصوف الحالية واعتباره حلاً لأزمة الإنسان المعاصر.
واعتبر quot;إن البحث في التصوف من المنظور العقلي والنقلي يبقى مسألة أساسية في الفكر الإسلامي خاصة وفي الفكر الإنساني عامة قديمه وحديثه، ومن المعلوم أن علاقة التصوف بالدين الإسلامي نجد من يثبتها ونجد من ينفيها قديماً وحديثاًquot;.
وعرض لموقف الأمة الحضاري الذي أصبح منحصراً في رد الفعل على المؤثرات الخارجية التي حددت خصائص الفكر والعمل عند من يقبل بها ومن يرفضها، من دون أن يكتشف الفريقان مبدأ الإبداع الكوني الذي تشترك فيه الحضارات الأصيلة كافة، موضحاً أن تطبيق هذا التوصيف على وضع تاريخنا الفكري والمؤسسي يبدو أبعد ما يكون عن التشكيك، فلا أحد يجادل في تفاقم الموقف الانفعالي والتبعية الناتجة منه في المستويين الفكري والمؤسسي.
واعتبر انه ينبغي مواصلة الجهود التي بذلها المفكرون لتحديد علة السلوك التحييدي العميق لتطوّر فكرنا المقبل ومحاربة الصراع بين انفعال الرفض والتقليد الانفعالي لما أبدعته الحضارات الأخرى أو حتى ماضينا الذاتي أو كلاهماquot;.
كما تطرق المرزوقي في محاضرته إلى المتكلمين بمنظور الأفق الجديد دون فهم كونهم من جنس الذين صنعوا الأفق القديم استندوا إلى حلف صريح مع الهجوم شبه الكوني على الحضارة الوحيدة التي ما تزال صامدة أمام تغريب العالم واستعباده بنظام العبودية الجديد أو العولمة: فبعد أن كان الغرب يستورد العبيد بالعنف بات المهاجرون يسألون الاستعباد وبات المستثمرون من العالم المتقدم في العالم المتخلف يتفضلون على المستعبدين منه بما يطلبونه من استعباد في بلدهم بنقل مؤسسات الإنتاج إليهم، ومعنى ذلك أن الحاصل اليوم في مستوى الفكر العربي لا يختلف كثيراً عما وصفه الغزالي فظنه المحدثون حرباً على الفلسفة في حين أنه كان وبصريح العبارة المبينة في مقدمات تهافت الفلاسفة مستنداً إلى التمييز بين الفلاسفة وأشباههم في مستوى المواقف وبين العلوم الفلسفية وأشبهاهها في مستوى المضمون العلمي. وعرض المرزوقي لطرق العلاج من هذه الظاهرة أن المحاولة يجب أن تكون بشكل تسلسلي ومتناسق موضحاً quot;علينا بعد أن نصف الظاهرة في الأفق الجديد ونشخص الداء ندرس الصنفين اللذين يمثلانها بفرعي كل منهما لنختم بالصفات المشتركة بين الفروع الأربعة الحديثة من النخب التي تمثل نظائر الفروع الأربعة من النخب القديمة ومن ثم التحزبات المرضية التي استبدلت الفكر الديني التحليلي والتأويلي والفكر الفلسفي التحليلي والتأويلي بتوظيفاتها الإيديولوجية فحولت ساحة الفكر إلى فوضى روحية يصعب الخروج منها قبل الفراغ من وصفها وصفا يشخص علل ما نكتشفه فيها من أعراض لداء العقم الذي قضى على مغامرة الإبداع واستعاض عنها بمقامرة الاتباعquot;.