قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

نسغُ الفسيلة. أصلٌ ثابتُ النية والبديهة. شقاءُ ندم يسترخي في العظم الأظلم، في ممشى الرخام اللدن، كلُّ صومعة شرَكٌ له مغزى. شرٌّ ينتهك عصمة الصمت. مزمارُ رصانة يزعقُ طول الميقات، زغردة جوفاء تتنزلُ من علياء الغطرسة. زمنٌ يتسكعُ في ضحكة الشريان، في احمرار النزيف، في الفجر العاق.
أنت لست نفسك التي اعرفُ، صرخة ُ وباء وسموم. أين أنا ؟ دربٌ يدلّني على مأوى سحرها. على الزاد المُخبّأ خارج التنور. هي صورة ٌ تجيءُ من تجاعيد الحقب تتسربلُ بالغبار والوهل والطين. كلّ أحد كأنّه اياها. كلُّ زخة رعشة تهدهدُ ثوبها. تصفّي فيضان شعرها من تجاعيده النافرة. ترى أكانت تنتظرُ خلف النافذة تتلصصُ على خطاي تشتبك مع أسراري. حفنة ُ ودّ ٍتملأ كفي انثرها على مساحات النظر. لمَ تتجلببين بالخجل ؟ لست ِ غريبة، كنا نسلك درباً واحداً. في الصف الأول بتُّ أجلسُ حواليك، بل أجلستني معلمتنا ذات مرّة الى جوارك. أنت تنسين حلقات طفولتنا. ما زال المرأى ساخناً، بل متجمّرٌ حارقٌ يخترق سني النسيان.
أوه، دعي الثرثرة وعيشي ألفة اللحظة. أنا خارجُ المعجمات اعض ذاكرتي، ادميها، افجرُ احداثها. الوقتُ يسرقُ تفاصيل العمر، يقطفُ وهج الفرح المُتبقي فينا، بل مسح فيأنا المكبوت. فتح صندوق سرّنا،لأعود بعد عقود خمسة، وارى ذات الأغبرة والأحجار والجدران المُتهالكة والأبواب المثشققة. والسحنات الشائخة المتوارية خلف الآندثار. ليس بينكم خلٌّ اعرفه، ولا وجهٌ يتعرّفني.
...............
ثمّ تلقفني نقيضان:
- غرفتنا الكبيرة في بيتنا المُندثر القديم تحوّلت الى حمام، فيه ماءٌ ساخن وأحواض صغيرة، ودكة مربعة في الوسط، وأهلٌ جاءوا يغتسلون مثلي. كنتُ افرّك ليفة الصوف الخشنة بالصابون الشامي الابيض الخشن الذي يُكرّسُ لغسل الثياب. فما كان يترك وغفاً الا بمشقة.جئتُ اغتسل، اغسلُ أديمي من الوسخ المتراكم على بطني وصدري وفوق اليتي. لكن ذا الحمام بدا غريباً فقد كانت تجلس الى جواري احدى قريباتي فوق بساط جاف. وخلفي كوة مستطيلة داخل الجدار تنطوي على ملفات هامة عن حيواتنا الماضية. تركتُ الليفة وحوض الماء، وقفتُ لصق الكوة أروم الوصول الى ملف معيّن خلل الملفات المتراكمة فوق البعض. أخيراً حظيتُ بمتغاي. فيه صورٌ قديمة لي مع اصداقائي ابانَ طفولتي، وكذا كل شهاداتي المدرسية. فالهتني محتوياته عن الغسل، بينما انشغلت قريبتي بالثرثرة مع نساء اخريات ظهرن بغتة ً من دون ميعاد. لكني تركت غرفتنا ومضيت، اغلب الظن أني كنتُ عارياً لم أرتد ِ ثوباً لكن الى أين سيأخذني عريي؟
-..............
- حملني الى مكان غريب بعيد، لم يحملني اليه قطارٌ او مركبة ٌ، بل انسقتُ صوبه لا ماشياً ولا راكباً، مكانٌ غريب: هو ممرٌّ طويل على جانبيه غرفُ مكاتب الموظفين. أعرفُ اني حضرتُ لادخال امرأة الى غرفة الولادة تعاني من آلام المخاض. ترى مَنْ كانت ؟
وبيدي ورقة ٌ هي معاملتها. كان ينبغي أن احظى بموافقة بعض الموظفين يُدوّنُون معلوماتُ عنها في سجل. وكلما ولجتُ غرفة تجاهلوني، هذا منشغل بمكالمة تلفونية، وذاك منحن على صفحة يُسجّل فيها سطوراً. كنتُ أعرف من خلال تجاربي أنهم لا يُريدون تسلم معاملتي ويتهربون عبر مكالمات وكتابات وهمية. كلّ الغرف تجاهلتني، وكلها مجهولة الاختصاص، فليس من قطعة على أيّ باب تفصح هوية اختصاص موظفيه. درتُ كالمسطول. وحين وصلت الى آخر غرفة كانت خالية الا من موظف متعال لم يعرني اهتماماً لكنه نهض يستقبل شخصين أحدهما في سبيعينياته والاخر شاب في مبتدأ عشرينياته. صافحهما بحرارة وجلسا امام مكتبه وظهراهما نحو مدخل الباب، فلم استطع أن ألمح وجهيهما. التفّ الموظف يساراً ورفع سماعة التلفون وجعل يتحدّثُ. أعرفُ انه كذّاب يوهم جالسيه أنه مشغول، ومع ذلك يمنحهما وقتاً. تركتُ الغرفة وقررتُ مغادرة المبنى. وقبل أن أصل الى باب الخروج التقاني رجلٌ، وقف في طريقي، مدّ يده وصافحني: / أيّة مصادفة هذه فنلنقي بعد ثلاثة عقود ؟ / وكم حاولتُ ان أتذكّر هذا الوجه فلم اتوصل الى حقيقته، قلتُ له: / مادمتَ تعمل هنا فدلني على المكان الذي يُنجزُ ذي المعاملة / خطف الورقة مني وقرأها على عجل. ثمّ أعادها اليّ: / لا حاجة لتقديمها الى أحد، حين تخرج المرأة مع وليدها تقوم ممرضة بترتيب وتهيئة المعاملة ودفع أجور المشفى. لكنْ تعالَ اعرفك على صديق / فأولج بي في غرفة: موظف جالسٌ وراء مكتبه وامامه ثلاث نسخ من كتاب قديم، وآخرُ يقف الى جواره. نهض الرجلُ وصافحنا، وكذا صافحني الواقفُ. انحنى صاحبي وتناول نسخة من الكتاب، تأمل غلافه واسم الكاتب / المغامر، ميكا والتوري / ثم وضعه في يدي: حتماً تعرفه، فصديقاي لم يسمعا بهذا الاسم:/ قرأت هذا الكتاب منتصف خمسينيات القرن الماضي ومن مطبوعات كتابي المصرية يوم كان يشرفُ عليها حلمي مراد. لقد صدرت منها عيون الأدب العالمي: الخائنة، مدام بوفاري، جين آير، وروايات اخرى كثيرة نسيت اسماءها. انه كاتب فلندي وبطل الرواية عبثي مقامر، اجمل ما فيه وصفه لأصابعه حين يتلاعب باوراق اللعب.اذكر أنه يُشبهها بديدان متحرّكة. وله أيضاً: سنوحي المصري، الهائم، سرُّ المملكة، كما نشر مجموعتين قصصيتين: وجهُ القمر، وشجرة الأحلام.
فتح الرجال الثلاثة افواههم محدّقين فيّ بدهش واستغراب. ثمّ.... تركتُ الغرفة حاملاً معي نسخة الكتاب: المغامر. ولا أعلم أين أخذني تجوالي. وأين صار الرجالُ الثلاثة، وكيف تركت المرأة الحامل ذلك المشفي. وهل انجبت ولداً أم بنتاً ؟
لكن افضلُ ما خرجتُ به من سديم حلمي هذا الكتاب الموضوع الى جواري فوق طاولة الخشب الواطئة ولسوف أبحثُ عن بقية أعمال والتوري الابداعية الأخرى