قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ذات يوم ربيعي من عام 1936 زار سلفادور دالي متجرا لبيع معدات الغوص في جنوب غرب انكلترا وطلب إلباسه بدلة خاصة بالغوص في أعماق البحار. وحين سأله البائع الى أي عمق يعتزم ان يغوص اجابه الفنان الاسباني انه يريد الغوص في اعماق العقل الباطن للانسان ويأمل بتشجيع البريطانيين على الانضمام اليه في هذه الرحلة. كانت بدلة الغوص التي لبسها دالي العمل الأبرز في معرض خطف المشهد الفني في لندن قبل 80 سنة. إذ جمع "المعرض الدولي للسوريالية" حشدا من أكبر الاسماء في فن القرن العشرين، بينهم بابلو بيكاسو ورينيه ماغريت وماكس ايرنست والكسندر كولدر وجورجيو دي شيريكو ومارسيل دوشام والبرتو جياكوميتي وبول كلي وخوان ميرو وهنري مور وبول ناش وميريت اوبنهايم ومان راي وغراهام سذرلاند وفرانسيس بيكابيا وبالطبع سلفادور دالي نفسه. ويوم افتتاح المعرض في 11 حزيران/يونيو 1936 توقفت حركة السير في بيكاديلي بسبب الحشود التي توافدت عليه وخلال الاسابيع التالية تعطلت الحياة الفنية البريطانية التي أجبرها المعرض على ان تعيد النظر في معنى الفن وكيف تكون المعارض الفنية الحقيقية. كان الهدف من معرض 1936 وضع السوريالية على الخريطة في بريطانيا. ولولا عاصفة الحرب التي كانت نُذرها تتجمع في سماء اوروبا لحقق المعرض أكثر بكثير من هدفه هذا. ولكن رغم ان السوريالية لم تكن قط ظاهرة فنية قوية في بريطانيا كما كانت في فرنسا والمانيا وتشيكوسلوفاكيا ولاحقا في الولايات المتحدة حيث اصبحت قاعدة المدرسة التجريدية، فانها مع ذلك مارست تأثيرا بالغاً وإن كان خفياً غير مباشر.&
يعود تاريخ السوريالية كمفردة الى عام 1917 حين استُخدمت لأول مرة في مسرحية للشاعر الكبير غيوم ابولينير. ورغم ان السوريالية معروفة في بريطانيا بوصفها حركة فنية فانها كان في القارة الاوروبية أوسع من ذلك بكثير، تشمل الكتابة والشعر وكذلك الفكر السياسي. وهي كانت قوة من أجل التغيير وكان على رأسها الكاتب اندرية بروتون المعروف بلقب بابا السوريالية أو كاهنها الأكبر. وفيما كان بروتون وايرنست ودالي أعلام السوريالية في باريس فان حامل رايتها في بريطانيا كان الفنان الشاب رولاند بينروز الذي التقى في مدينة النور شاعراً شاباً واعداً اسمه ديفيد غاسكوين سحرته السوريالية ونشر كتاباً عنها قبل اللقاء. وشرع الاثنان يتحدثان كيف ان باريس تشهد ثورة فنية مزلزِلة في حين ان أحدا لا يعرف شيئا عنها عبر بحر المانش في لندن، على بعد بضع مئات الكيلومترات. وقررا تغيير هذا الوضع بمعرض يشحذ المخيلة البريطانية.&
في النهاية جُمعت 392 لوحة ومنحوتة في غاليري نيو برلنغتون. واعترت الفعالية مشاكل تصح عليها الفكرة السوريالية عن "الخطر الموضوعي"، وتضافرت هذه المشاكل مع مفاجآت مقصودة لتجعل من المعرض مهرجاناً حقيقياً لخير ما أنتجته السوريالية. وكانت اول المشاكل نقل الأعمال الفنية الى لندن قبل يومين على الافتتاح. إذ صادرت سلطات الجمارك شحنة من الأعمال الفنية مع قطعتين احداهما للفنان فيلهلم فريدي تظهر فيها جثث جنود قتلى عارية والأخرى للفنان الأرجنتيني ليونور فيني يظهر فيها شبان يرقصون عراة في الغسق. وأعيدت القطعتان الى باريس بدعوى "الحشمة". ثم كانت هناك مشكلة تعليق الأعمال التي نشأت قبل ساعات على الافتتاح عندما وصل المقتني ايلت ميسينز واعترض على طريقة تعليق الأعمال قائلا ان الغرض من اقامة معرض سوريالي هو بناء علاقات مدهشة والجمع بين النقائض. واعاد تعليق الأعمال المشاركة لضمان التناشز بدلا من التناغم. وعندما وصل الزوار لمشاهدة المعرض كان الشاعر ديلان توماس يستقبلهم بأكواب من الخيوط المغلّية سائلا "هل تحبونها ضعيفة أم قوية؟" في هذه الأثناء القى بروتون كلمة الافتتاح بحلة خضراء من قمة رأسه الى أخمص قدمه ـ حتى الغليون الذي يدخنه كان أخضر ـ وصبغت زوجته جاكلين لامبا شعرها بلون أخضر يتناغم مع لون زوجها. واستمر المعرض بمزيد من الفعاليات غير المتوقعة.&
سحر المعرض الصحافة وأسر الجمهور البريطاني: زاره 30 الف شخص خلال الاسابيع الثلاثة التي استمر فيها. ورغم الغرائب التي اقترنت به فان مهندسيه كانوا جادين بشأن السوريالة وطموحاتها. وكتب هربرت ريد، احد منظمي المعرض، في الكتالوج ان الحركة السوريالية "ليست صرعة مسلية أخرى بل حركة مفعمة بروح التحدي ـ انها الفعل اليائس لرجال على قناعة عميقة بعفن حضارتنا بحيث انهم لا يريدون ان ينقذوا ذرة واحدة من سمعتها". وقال ريد ان الفنانين كانوا حتى الآن يفسرون العالم "ولكن المهم هو تغييره".&
كانت تداعيات المعرض بالغة الأثر. وبعد انتهائه أعد بينروز وريد مشروعا لاقامة متحف للفن الحديث في لندن، على غرار المتحف الموجود في نيويورك. ولكنهما سرعان ما أدركا ان المال ليس متوفرا لتأسيس متحف مماثل وان المقتنية الثرية مارغريت "بيغي" غوغنهايم التي طلبا منها المساهمة في تمويل المشروع ارادت مقابل ذلك ان تكون لها كلمة في كل شيء. وفي النهاية أسس الاثنان معهد الفنون المعاصرة بدلا من متحف الفن الحديث. ولكن هذا كان بعد معرض 1936 وبدلة الغوص التي اشتراها دالي. وكانت فكرة الفنان السوريالي ان يلقي محاضرة وهو يرتديها. والأكثر من ذلك انه امسك بيد سلسلة يقود بها كلبين وباليد الأخرى عصا بليارد. ولكن كان واضحا خلال المحاضرة ان دالي يختنق ببطء داخل خوذة الغوص وتعين رفعها عن رأسه باستخدام عصا البليارد. واستعاد دالي انفاسه ليواصل محاضرته مستخدما السلايدات. وغني القول انه عرض السلايدات مقلوبة.
ستكون ذكريات تلك الأسابيع من عام 1936 وتأثيرها في الفن البريطاني حاضرة بقوة في معرض جديد من المقرر ان يُفتتح في ادنبرة. ويضم المعرض اعمالا من اربع مجموعات فنية ترتبط مباشرة بالمعرض الذي أُقيم قبل 80 عاما، وأخرى من معرض لندن نفسه. ويهدف معرض ادنبرة ايضا الى اعادة تقييم موقع السوريالية في الفن البريطاني، وهو موقع يجري احيانا التقليل من شأنه. ونقلت صحيفة الغارديان عن المشرف على المعرض كيث هارتلي قوله "ان بريطانيا هي من نواحي عديدة موطن طبيعي للسوريالية وان معرض 1936 لاقى اقبالا واسعاً، واعتقد ان شعبيته تعود الى غرابته. والبريطانيون يحبون ذلك. ومن الصعب ان نتخيل بريطانيا اليوم من دون تأثير السوريالية: يكفي التوقف عند بعض الاعلانات أو مسلسل مونتي بايثون".&
تعود فكرة المعرض الى مصادفة حدثت بلقاء الفنان بينروز والشاعر غاسكوين في احد الشوارع على الضفة اليسرى من باريس التي كانت مركز عالم السورياليين. وتكمن جذور السوريالية في الدادائية. فهي حركة انبثقت احتجاجاً على القيم البورجوازية التي اتهمها السورياليون بالمسؤولية عن الحرب العالمية الأولى من بين آثام أخرى، واعلنوا ان البشرية ستكون أفضل حالا بالتشديد على اللاوعي والحلم بدلا من الفكر الواعي العقلاني. يُقام معرض "لقاءات سوريالية" في الغاليري الوطني الاسكتلندي للفن الحديث في ادنبرة من 4 حزيران/يونيو الى 11 ايلول/سبتمبر. &
&