: آخر تحديث

جريمة الجرائم تاريخ الابادات

 

 
 
الابادة الجماعية بوصفها مصطلحاً ومفهوماً قانونياً تعبير حديث العهد نسبياً.  واقرت الأمم المتحدة اتفاقية منع الابادة الجماعية والمعاقبة عليها في عام 1948 بمساهمة متميزة من القانوني البولندي رفائيل لمكين الذي نذر نفسه لدراسة ما أصبح يسميه ابادة جماعية genocide بعد ان علم بالمجازر التي ارتُكبت ضد الأرمن حين كانوا من رعايا الامبراطورية العثمانية في عام 1916.  وبعد زهاء عقدين وجد لمكين نفسه هارباً من عنف مماثل على يد النازية في الثلاثينات.  وقُتل العديد من اقاربه في الهولوكوست.  ودفعته هذه الأحداث الجسام الى دراسة الابادة الجماعية في التاريخ البشري عموماً.  ولكن على امتداد عقود بعد ذلك لم تنل حالات الابادة الجماعية ما تستحقه من الاهتمام ولم يعد الباحثون الى عمل لمكين الأساسي إلا في السنوات الأخيرة لدراسة هذا الجانب من الحضارة الانسانية من زاوية نظر تاريخية اوسع.  
ومن هذا المنظور يتناول نورمان أم. نيمارك الابادة الجماعية في كتابه Genocide: A World History "الابادة الجماعية:  تاريخ عالمي" الذي انجزه في اطار سلسة تاريخ العالم الجديد لجامعة اوكسفورد.  وكان نيمارك بدأ حياته الأكاديمية بالتركيز على التاريخ الروسي الحديث وبعد ان نشر عدة كتب عنه وجه اهتمامه الى الجرائم التي تُرتكب بحق الانسانية.  وتركزت ابحاث نيمارك منذ كتابه الصادر عام 2001 عن التطهير العرقي في اوروبا القرن العشرين على الابادة الجماعية التي تُعرَّف بأنها "أعمال تُرتكب بقصد تدمير جماعة محدَّدة كلياً أو جزئياً".  ويتناول كتابه الأخير قدرة البشرة على ارتكاب هذه الجريمة المروعة تحديداً.
تختلف الابادة الجماعية عن جرائم اخرى مثل جرائم الحرب والجرائم التي تُرتكب ضد الانسانية.  ويستعرض نيمارك في كتابه جريمة الابادة الجماعية منذ التاريخ القديم مرورا بالابادات الجماعية التي ارتكبها الصليبيون والمغول وخلال الغزو الاسباني للاميركيتين والابادات التي ارتكبها المستوطنون في اميركا الشمالية وافريقيا واستراليا بحق السكان الاصليين.  ويقيم نيمارك علاقة مهمة بحثياً بين نماذج الابادة التي ارتكبها هؤلاء المستوطنون والابادات "الحديثة" في اوروبا خلال الحقبة اللاحقة ، ومنها ابادة الأرمن والهولوكوست.
  
كما يقترح نيمارك توسيع تعريف الأمم المتحدة الحالي للابادة الجماعية بحيث يشمل تقسيمات القانوني البولندي لمكين الأصلية للفئات الاجتماعية والسياسية قائلا ان التعريف المعتمد يقتصر على جماعات قومية أو اثنية أو عرقية او دينية.  
 
يكتب نيمارك ان الابادات الجماعية ليست كلها متماثلة.  فبعضها يُرتكب في ظرف ايام أو اسابيع وبعضها قد يستغرق عقوداً وبعضها يطال ملايين وبعضها آلافاً ، بعضها يتسم بدرجة عالية من التركيز والبعض الآخر يكون أقل تركيزا ومتقطعاً.  
 
ويلاحظ الكاتب ان جيوشاً تقتل جماعات محدَّدة من البشر بمن فيهم نساء واطفال ومدنيون بأوامر من القادة السياسيين الذين كثيراً ما يتذرعون بايديولوجيات وآلهة وبالله نفسه في مبرراتهم للتدمير.  ويكون القتل متعمداً وشاملا ومبيداً.  ويمكن اقتفاء هذا الاتجاه عبر التواريخ التأسيسية للمجتمع الغربي ، بما في ذلك الكتاب المقدس وخاصة العهد القديم الذي ينسب استهداف جماعات محددة بالتدمير الى مشيئة الله.  
 
في القرن الثالث عشر كان المغول يستخدمون الابادة الجماعية استراتيجية عسكرية مستهدفين بعض المدن لتدميرها بالكامل كي تكون عبرة لمدن اخرى وارهابها للاستسلام دون مقاومة.  وفي عموم الامبراطورية الخوارزمية مثلا أباد المغول جماعات سكانية كاملة باستثناء الصناع والحرفيين.  ودمروا المعالم الحضارية تاركين جبالا من الجماجم رمزاً لانتصارهم.  وأباد عنف المغول الدموي نصف سكان المجر في سنة واحدة.  
 
وعلى الغرار نفسه كان عنف الصليبيين يتحول ابادة جماعية احياناً كما حدث عام 1209 في مدينة بيزييه  الفرنسية التي ذُبح سكانها بأمر من البابا اينوسنت الثالث.  وكتب القادة الكاثوليك الذين كانوا شهوداً على المجزرة ان رجالهم قتلوا نحو 20 الف شخص.  وبعد هذه المجزرة نُهبت المدينة كلها وأُحرقت بيوتها "في انتقام رباني". 
 
واستخدم البابا ، كما فعل المغول قبله ، سجله الأسود هذا لتهديد مدن أخرى مثل ميلانو.  
وفي حين ان المؤلف لا يستطيع إلا تقديم عرض موجز لأحداث تاريخية كهذه فان قيمة هذا المنظور الواسع تكمن في العلاقات التي يقيمها بينها ورصد التشابه اللافت والمخيف في الابادات الجماعية عبر التاريخ المكتوب.  وفي كل الحقب التاريخية التي يغطيها نيمارك في كتابه نلاحظ وجهين اساسيين لدوافع المرتكبين هما ايديولوجيا تبريرية واقترانها بوعود بالكسب المادي ـ ثروة ، أرض ، سبايا ،  عبيد. الاستثناء هي مجازر المغول التي يبدو ان مبررها الايديولوجي إن وجد لا يتعدى استخدام الابادة وسيلة للقوة بخلاف حرب الصليبيين "المقدسة" والمبررات الدينية والعرقية التي تذرع بها الغزاة الاسبان للاميركيتين.
 
تقول الكاتبة الاسترالية آشلي كالاغيان بلانت ان دراسة التاريخ المديد للابادة الجماعية في سياق الجيوسياسة اليوم وانجازات التكنولوجيا الرقمية يجب ان يحفز على اشاعة احساس بالضرورة الملحة لمواجهة هذه الجريمة.  فان البرمجيات والغوريثمات قادرة الآن على معرفة توجهاتنا السياسية والجنسية والدينية من خلال نشاطاتنا على الانترنت.  وإذا كانت هذه القدرات تمثل فرصة لشركات الاعلان فان هذه الفرصة تصبح مبعث قلق بالغ إذا استثمرها متطرفون وجهاديون.  وكما يبين كتاب نورمان نيمارك بوضوح فان الابادة الجماعية كانت مدفوعة بالتطورات التكنولوجية مثل أي مجال آخر من مجالات النشاط البشري.  وما لم نفهم قدرتنا على الابادة الجماعية فهماً أفضل ونتصدى لها بصراحة فليس هناك سبب يمنع استمرارها. 

مصدر المقال:
https://sydneyreviewofbooks.com/the-crime-of-crimes-genocide-a-world-history/
 


عدد التعليقات 5
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. وماذا عن الإبادات العظيمة
لمسلمي البلقان وروسيا ؟!! - GMT الخميس 05 أكتوبر 2017 00:17
لا بد من دراسة الحقبة التاريخية التي يزعم الأرمن أنهم قد تعرضوا فيها للإبادة وهي تقريباً الفترة من (1821م إلى 1922م).. مع دراسة منطقة جغرافية كبرى كانت خاضعة للدولة العثمانية من قفقاسيا إلى الأناضول والبلقان بما في ذلك بلغاريا واليونان حيث كان معظم سكان هذه الأراضي الشاسعة يدينون بالإسلام! وهناك بالفعل دراسات جادة حول هذا الموضوع رغم ندرتها مثل الدراسة التي أعدها جستن مكارثي في كتابه (نفي وموت) حيث قامت بدعمه وتمويله (هيئة وقف الولايات المتحدة الأمريكية القومي للدراسات الثقافية للبحث في الحرب العالمية الأولى وآثارها، ومؤسسة الدراسات التركية للبحث في وفيات وهجرات الأتراك بالاشتراك مع بعض الجامعات الأمريكية والبريطانية.. ويعتبر هذا البحث من أفضل ما كتب في هذا الشأن رغم تحفظنا على بعض الملاحظات التي لا تقلل من قيمة البحث وجديته والجهد المبذول فيه وقد ترجم إلى اللغة العربية في الكتاب الموسوم (الطرد والإبادة) نشرته قدمس للنشر والتوزيع بدمشق وهو كتاب جيد في مجاله. وبالطبع فإن دراسة هذه المنقطة جغرافيا وتاريخيا وطبيعة الصراع القائم في تلكم الحقبة يحتاج إلى العديد من الأبحاث والدراسات الوثائقية ليستبين للمنصفين من ذوي العقول عظم الفرية التي يرددها الغرب حول ما يسمى (بإبادة الأرمن)! في الوقت الذي يتجاهل فيه الكتاب الغربيون مصير ملايين المسلمين الذي شردوا من أوطانهم وقتلوا على أيدي الروس والأرمن والبلغار واليونان والصرب في نفس الحقبة المذكورة حتى عام 1922م ! وعلى حد تعبير مكارثي: "كانت هناك مجتمعات مسلمة في منطقة بحجم أوربا الغربية كاملة قُلصت أو أبيدت. تقلصت مجتمعات البلقان التركية العظيمة إلى جزء من أعدادها السابقة. في القفقاس طرد الجركس والاذريين والأبخاز والأتراك وآخرون من جماعات مسلمة صغيرة. تغيرت الأناضول، وغربي الأناضول وشرقيها أقرب إلى الخرائب. أنجزت إحدى أكبر مآسي التاريخ" أهـ (مكارثي: ص327 بتصرف).
2. المذبحة المنسية و ضحاياها
اكثر من عشرة ملايين انسان - GMT الخميس 05 أكتوبر 2017 00:21
كيف تقتل عشرة ملايين انسان ولا احد يقول عنك ارهابي معظم الناس لا يعرفونه؛ ولم يسمعوا عنه.لكنك كان من المفترض أن تعرفه؛ وأن تشعر تجاهه بالشعور ذاته الذي تحمله تجاه طغاة مثل هتلر أو موسوليني. لا تتعجب؛ فقد قتل هذا الرجل أكثر من 10 ملايين إنسان في الكونغو.اسمه ليوبولد الثاني ملك بلجيكا.كان هذا الرجل «يملك» الكونغو خلال حكمه للمملكة البلجيكية بين عامي 1885 و1909. فبعد عدة محاولات استعمارية فاشلة في آسيا وأفريقيا، اختار الكونغو لتكون هدفًا له. أول خطوة كانت «شراء» الكونغو واستعباد أهلها.كانت مساحة الكونغو تبلغ آنذاك ضعف مساحة بلجيكا 72 مرة؛ ولم يكن سكان القبائل فيها يستطيعون القراءة والكتابة. خدعهم ليوبولد ليوقعوا عقدًا يقول:«في مقابل قطعة واحدة من الملابس في الشهر، تُقدم إلى كل من زعماء القبائل الموقعين أدناه، بالإضافة إلى هدية من الملابس لكلٍ منهم، يتخلى زعماء القبائل طوعًا ومن تلقاء أنفسهم، وورثتهم وخلفائهم للأبد… عن كافة حقوقهم في جميع أراضيهم إلى «الجمعية» (بزعامة ليوبولد)… ويلتزمون بتوفير ما يُطلب منهم من عمالة، أو غير ذلك من الأعمال أو الإصلاحات أو الحملات العسكرية التي تعلنها «الجمعية» في أي وقت، وفي أي جزء من هذه الأراضي… كل الطرق والممرات المائية التي تمر في هذا البلد، والحق في تحصيل الرسوم عنها، وجميع حقوق صيد الحيوانات والأسماك، والتعدين، والغابات، تكون ملكيةً مطلقةً للجمعية».لا نتعلم عن ليوبولد الثاني شيئًا في المدرسة. لا نسمع عنه شيئًا في الإعلام. كما أنه لا يمثل جزءًا من الروايات المتداولة عن القمع (الهولوكوست في الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال). إنه جزءٌ من تاريخ الاستعمار، والعبودية، والمذابح الجماعية في أفريقيا، التي تتعارض مع رؤية «الرجل الأبيض» للعالم، وتفوقه التاريخي على الأعراق الأخرى.وجد ليوبولد آنذاك مصدر ثراء نادر. كان العالم في هذه الفترة مأخوذًا باختراع العجلات القابلة للنفخ وعجلات السيارات. لذا زاد الطلب بشكل كبير على المطاط. المعلومة الأولى بشأن شجر المطاط هي أنه يحتاج إلى 15 عامًا على الأقل بعد زراعته ليكون صالحًا للاستخدام. كانت أرض الكونغو خيارًا مثاليًّا؛ فبها الكثير من الغابات المطيرة وأشجار المطاط.كانت طريقة ليوبولد الثاني لكسب الثروة وحشيةً. كان جنوده يقتحمون قرى القبائل الأفريقية في الأرض التي أسماها «دولة الكونغو الحرة»، و
3. لماذا ترفض اوروبا فحص
مزاعم حول ابادة الارمن ؟! - GMT الخميس 05 أكتوبر 2017 00:24
نشرت صحيفة "ميللي" التركية وثائق تاريخية قالت إنها تكشف رفض دول أوروبية طلب الدولة العثمانية إرسال قضاتهم للانضمام إلى لجنة التحقيق التي أسستها للتحقيق في أحداث 1915 , والتي يطلق عليها الغرب "مذابح الأرمن".وأضافت الصحيفة في تقرير لها في 3 يونيو أن هولندا وسويسرا والدانمارك وإسبانيا رفضت المشاركة في هذه اللجنة، بدعوى أنها لا تناسب مصلحتها وغير ضرورية.وبدوره, قال مدير مركز دراسة العلاقات التركية الأرمينية في جامعة أتاتورك بمدينة أرضروم التركية إيرول أوغلو، لوكالة "الأناضول"، إن الدولة العثمانية عندما أصدرت في 1915 قانون "الترحيل والإسكان" لم يكن لأهداف دينية أو قومية، بل لإبعاد "العصابات الأرمينية" التي ارتكبت مجازر في حق المسلمين وخاصة النساء والأطفال والمسنين, واتهم الأرمن بمحاولة "خلط الأوراق وتضليل الرأي العام العالمي للتغطية على جرائمهم تلك".ويزعم الأرمن أن 1.5 مليون منهم قتلوا بطريقة منظمة قبيل انهيار السلطنة العثمانية بين عامي 1915 و1917، لكن أنقرة ترفض هذا الادعاء وتقول إن حوالي 350 ألف أرمني ومثلهم من الأتراك المسلمين قتلوا عندما انتفض الأرمن وتحالفوا مع القوات الروسية ضد الدولة العثمانية.وحسب وثائق تركية, فقد تعاون القوميون الأرمن مع القوات الروسية بغية إنشاء دولة أرمينية مستقلة في منطقة الأناضول، وحاربوا ضد الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى التي انطلقت عام 1914.وعندما احتل الجيش الروسي شرقي الأناضول، انشق بعض الأرمن الذين كانوا يخدمون في صفوف القوات العثمانية وانضموا إليه. كما عطلت الوحدات العسكرية الأرمنية طرق إمداد الجيش العثماني اللوجستية، بينما عمدت العصابات الأرمينية إلى ارتكاب مجازر ضد المدنيين في المناطق التي احتلتها.ومع استمرار هجمات المتطرفين الأرمن، قررت الحكومة العثمانية في 24 إبريل 1915، إغلاق ما يعرف باللجان الثورية الأرمنية، ونفي بعض الشخصيات الأرمنية البارزة. واتخذ الأرمن من ذلك التاريخ ذكرى لإحياء "الإبادة الأرمينية" المزعومة في كل عام.وقررت السلطات العثمانية في 27 مايو 1915 تهجير الأرمن القاطنين في مناطق الحرب والمتواطئين مع جيش الاحتلال الروسي، ونقلهم إلى مناطق أخرى داخل أراضي الدولة العثمانية.ولقي عدد كبير من الأرمن مصرعهم خلال رحلة التهجير بسبب ظروف الحرب والقتال الداخلي، وبسبب المجموعات المحلية الساعية للانتقام.وتقول تركيا إن
4. مذابح تجاهلها الغرب
لانه هو من ارتكبها - GMT الخميس 05 أكتوبر 2017 06:51
الحقيقة ان هناك مذابح منسية مثل مذبحة المسلمين الأندلسيين في الأندلس ومذابح المسلمين في شمال أفريقية مصر وليبيا والجزائر والمغرب ومذابح المسلمين جنوب الصحراء وف مومباسا شرق افريقيا وغيرها
5. مذابح ابادة معاصرة ضد
شعب الروهنجا المسلك - GMT الجمعة 06 أكتوبر 2017 06:17
في الوقت الحالي يتعرض شعب الروهنجا المسلم في مينمار الى الابادة على يد الإرهابيين البوذيين وسط صمت عالمي مطبق مريب لانهم مسلمين فقط ؟!


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.