: آخر تحديث

العلاج بالرمز... أو العلاج بـ"الحلم المستثار"

مواضيع ذات صلة

يمكن تعريف الشخصيّة بأنها مجموع الخصائص البيولوجية والخصائص المكتسبة التي تشكّل وحدة متجانسة في ما بينها. وتكون هذه الوحدة متماسكةً بقدر استطاعتها تحقيق التوازن الدائم ما بين الرغبات الداخلية والمتطلَّبات الخارجية للمجتمع. 

هذه العوامل مجتمعةً نُسمّيها بالشخصية، وهي من نستهدفها أثناء العلاج النفسي وأثناء إعطاء النصيحة النفسية تحت عنوان: تحليل الشخصية. 

وتحليل الشخصية لا يعني تحلُّلها أو تفكُّكها، بل يعني مجموعة المحاولات التي تهدف إلى إعادتها نظريّاً إلى مكوّناتها الأساسية بغية الوقوف عند مواطن الوهن فيها وعلاجها أو استئصالها لكي تعود إليها قوّتها ويعود إليها تناغمها.
 
يحتلّ العلاج النفسي الرمزي أو العلاج بـ"الحلم المستثار" مكانةً رفيعةً بين مجمل أساليب العلاج النفسي الأخرى. وعلى الرغم من أن هذا النوع من العلاج يعتمد على عمليات التداعي الحرّ، التي تُعتبر قديمة نسبياً، إلا أنه -أي العلاج بالرمز- يعدُّ من أكثر الوسائل العلاجية النفسية ابتكاراً وتفرُّداً. 

وللتوضيح  فإننا نعني بالتداعي الحرّ هنا السماح للمريض بإطلاق العنان لأحاديثه الذاتية ودون مراعاة منه، خلال سرده هذا، استخدام مفردات منتقاة وعدم استبعاده لمصطلحات وأفكار يعتبرها محرجةً وغير أخلاقية، بمعنى أن عليه أن يتحدَّث فحسب. 

يعتمد العلاج بالحلم المستثار بالدرجة الأولى على خيال المريض وعلى قدرته على التصوّر، وأيضاً على قدرة المعالج النفسيّ على تحفيز ذلك الخيال لإمكانية سبر أعماق المريض على أكمل وجه. 

ميزة "الحلم المستثار" عن "النوم المغناطيسي" هي في عدم تركه آثاراً جانبيةً على ذهن المريض، وهو يختلف كليّاً عن "الهلاوس القبل نوميّة" وعن الأحلام الشفقيّة.

فإذا ما افترضنا بأن مشكلة المريض تعود إلى حدث قديم وقع في الماضي، فإننا سوف نطلب من المريض إغماض عينيه ومحاولة التخيّل، شرط عدم نومه أثناء الحديث والجلسة، ومحاولة مساعدته في العودة ذهنياً إلى تلك الأيام وإلى بيت أهله وجيرانه وأصدقائه وإلى الشوارع التي كان يمرّ بها والناس الذين كان يتواصل معهم، في الوقت الذي يبوح فيه للمعالج بكل ما يراه ويحسّه ويشاهده. وبعد عدد كافٍ من الجلسات والأحلام المستثارة يستنتج المعالج النفسي سبب المشكلة ويحاول فصلها عن الماضي واستحضارها آنياً.

ويجب أن نشير هنا إلى أن ما يحصل خلال هذه الرحلة إلى الماضي يحصل بين المريض وذاكرته وخياله فقط، فهو نوع من تصفّح ألبومات المخ إن صح التعبير، وليس إخراج طاقة مزعومة والتحكّم بها وإرسالها للقيام بمهام خارج الدماغ.

تكمن أهمية هذا النوع من العلاج في إخراج العنصر النفسي المزعج (المكبوت) والمسبّب للمرض من الذهن والذاكرة ووضعه أمام المريض لمواجهته والتغلّب عليه. 

لنفترض مجدَّداً أن سبب المشكلة النفسية هي أمٌّ متسلّطة على ابنها، من النوع الذي يُسمَّى سيكولوجياً بـ"الأشخاص مستنزفي الطاقة"، فإنه يتمّ اختيار شخصية من الواقع ترمز بشدَّة إلى الأم، قد تكون قريبتها أو أنها تشبهها في الشكل أو في السلوك. المهم أن حضورها الرمزي، في عقل المريض، يساوي حضور الأمّ. ثمَّ توضع هذه الشخصيّة في مواجهة مع المريض من خلال حلم مستثار جديد، ويقوم المريض بالتحدث إليها والتعامل معها ومعاتبتها وأيضاً محاكمتها. وبذلك يكون قد أخرج من ذاته العنصر الملوّث الذي أدى به إلى ذلك الاضطراب وأضعف له شخصيته.

(*) كاتب وباحث سوري في علم النفس التحليلي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات