: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

الإلحاد... أو النسخة العلمانية من الدين

ينتقد جون غراي الملحدين الجدد مثل ريتشارد دوكنز، مشيرًا إلى أن أغلبية هؤلاء الملحدين الحديثين لا يمضون بتعليلهم إلى نهايته المنطقية، وهم لم يتخلصوا من طريقة التفكير الأحادية ذاتها، ويجترون نسخة علمانية من الأخلاق المسيحية.

لندن: منذ عصر التنوير، تعرضت المسيحية لامتحان صارم أسهم في تراجعها. وعلى الرغم من أن التعاليم المسيحية جزء من التقليد الأكاديمي في الغرب، فإن الإلحاد أصبح منذ زمن طويل الدين الجديد لكثير من المثقفين. وحاول بعض الكتاب أن يُخضعوا الإلحاد للتمحيص ذاته الذي أُخضع له الدين.

لا يختلفون

كتاب اليستر مكغراث "أفول الإلحاد" The Twilight of Atheism وكتاب نك سبنسر "الملحدون: أصل الأنواع" Atheists: the Origin of the Species نقد ممتاز للإلحاد، لكن الكاتبين مسيحيان وبالتالي كان من السهل على غير المؤمنين ألا يهتموا بنقدهما، كما تلاحظ إكونوميست. لذلك، تطلب الأمر شاهدًا من أهلها يخرج من صفوف الملحدين لكشف تناقضات الإلحاد. وهذا الشاهد هو جون غراي استاذ الفلسفة المتقاعد في كلية لندن للاقتصاد. وفي كتب عديدة نشرها على امتداد 15 سنة يعيد غراي تأكيد إيمانه بعدم وجود خالق مهاجمًا في الوقت نفسه الإنسانية الليبرالية التي ظهرت بديلًا عن الله.

محاجَّة غراي الرئيسية في كتب نشرها مثل "كلاب من قش" Straw Dogs و"صمت الحيوانات" The Silence of Animals هي أن البشر لا يختلفون عن المخلوقات الأخرى، وأن خطأ المسيحية الكبير هو قولها انهم يختلفون. لكن الاستغناء عن الإيمان بالله الواحد لا يُبقي مفهومًا متماسكًا للبشرية أو كرامة الانسان. ويستخدم غراي هذه الملاحظة منطلقًا لنقد "ملحدين جدد" مثل ريتشارد دوكنز، والإشارة إلى أن أغلبية الملحدين الحديثين لا يمضون بتعليلهم إلى نهايته المنطقية. فهم ربما رفضوا المعتقدات القائلة بالله الواحد ولكنهم لم يتخلصوا من طريقة التفكير الأحادية ذاتها "ويجترون نسخة علمانية من الأخلاق المسيحية". 

الانتقادات نفسها

بحسب مجلة إكونوميست، نظرة غراي إلى دلالات الإلحاد نظرة قاتمة للغاية ناقلة عنه القول "ان النظرة الطبيعانية الحق إلى العالم لا تترك فسحة لأمل علماني".

في كتابه "سبعة أنواع من الإلحاد" Seven Types of Atheism (176 صفحة، منشورات فرار وستراوس وجيرو، 25 دولارًا)، يعيد غراي طرح وجهات نظره هذه ويربطها بجولة على الأشكال الحديثة من عدم الإيمان من الماركيز دي ساد مرورًا بنيتشه إلى جوزيف كونراد. يعطي المسيحية استحقاقها معترفًا بأن التنوير لم يبدأ كله في عصر التنوير مع الإشارة إلى مثالب أبطاله مثل عنصرية هيوم وكانط وفولتير. كما أن العديد من شيوخ الليبرالية الحديثة لم يكونوا علمانيين كما يبدون. فإن ليبرالية جون لوك تُدين للمسيحية في كل ناحية، كما يرى غراي. واصرار جون ستيوارت مِل على أن الأخلاق لا تعتمد على الدين "يستحضر فكرة عن الأخلاق مستعارة من المسيحية".

 

غلاف كتاب "سبعة أنواع من الإلحاد"

 

يوجه غراي الانتقادات نفسها إلى أنماط الإلحاد التي يعددها، فهي كلها تريد الاستعاضة عن الله بشكل من أشكال الإنسانية العلمانية أو العلم أو السياسة. لكن كهنتها لا يقلون ضيق أفق عن رجال الكنيسة الذين يشجبونهم، بحسب غراي الذي يشكو من أن الإلحاد منظومة فكرية مغلقة لدى الكثير من الملحدين اليوم.

التقدم وهم

يميل غراي إلى الكنيسة الجديدة كتلك التي اعتنقها سبينوزا وشوبنهاور، قائلًا إنها "أشكال من الإلحاد ترضى بالعيش مع عالم بلا إله أو إله لا إسم له". وهذه الأشكال ترفض فكرة وجود خالق، وتستغني عن كل التقاوى المتعلقة بالطبيعة البشرية. وهي خرجت حقًا من ظل المسيحية، "وكانت قانعة بالعالم كما وجدته من دون أن تبحث عن معنى كوني"، بحسب غراي.

تأخذ مجلة إكونوميست على مقاربة غراي أنه يرى أن القديسين بولس وأوغسطين هما اللذان أوجدا المسيحية بتحويل حركة يهودية إلى حركة عالمية لم تكن في نية المسيح قط، وتحويل المسيح نفسه إلى "الله في الأرض" متجاهلين ما يقوله المسيح في الكتاب المقدس عن هويته ورسالته.

نقطة الضعف الثانية في كلام غراي، بحسب إكونوميست، هي رأيه القائل إن التقدم "وهم" ذاهبًا إلى "أن من الصعب تلمس أي خيط مستمر من التحسن" في المجتمع البشري.

أدلة وافية

لكن نظرة إلى تاريخ الطب تكفي لسوق أدلة وافية تنقض ما يقوله غراي. لكن المشكلة الأكبر هي الفراغ الذي تؤدي اليه أعمال الهدم التي ينفذها غراي بمهارة في كتاباته.

ينظر غراي أبعد من الخلافات حول العلم والله، فيرى أن التحديات تكمن في التخلي عن النظام الميتافيزيقي والأخلاقي الذي أوجده الدين ذات يوم.

على غرار نيتشه، يقول إن الغرب لا يمكن أن يتخلى عن الإيمان، ويتوقع الاحتفاظ بالأخلاق المسيحية الحميدة. وسيكون من الصعب على الليبرالية الحديثة أن تبني قانونًا أخلاقيًا عامًا على أسس غير إيمانية.

يقول غراي إنه في غياب شرعة أخلاقية واحدة يفرضها الله، على البشر أن يقبلوا بطيف من الأخلاقيات المستساغة أو غير المستساغة، "وكل من يريد تأمين أخلاقه بشيء يتعدى العالم البشري المتقلب، فمن الأفضل له أن ينضم إلى ديانة من الطراز القديم". 

أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن "إكونوميست". الأصل منشور على الرابط:

https://www.economist.com/books-and-arts/2018/11/08/when-atheists-lack-the-courage-of-their-convictions


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. عدم الإيمان هو أبسط من هذه الفلسفة
ضياء - GMT الجمعة 16 نوفمبر 2018 06:52
غالبية الغير مقتنعين بفكرة الإله التي تبشر بها الأديان لديهم مببرات أبسط من هذا التعقيد والتفلسف. هم ببساطة لا يجدون في إدعاءات الأديان الإستثنائية دليلا من حجم الإدعاء ولهذا يقفون عند هذه النقطة لا أكثر. وهم لهذا، ليس عليهم عبء الإتيان بدليل على عدم إقتناعهم.أما الأديولوجيات فهي شيء آخر، فالأديولوجيات تريد تنظيم المجتمع في صراع مصالح متغير عبر التاريخ.ربط الموضوعين يؤدي الى سوء فهم وسوء توظيف للأفكار والمباديء.


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات