: آخر تحديث

فرنسا تحتفي ب"كتاب الحرية" في الجزائر

حرصا منها على أن تظل  لغة موليير محتفظة بمكانتها، وبنفوذها كما كان حالها خلال الحقبة الاستعمارية، تسعى  فرنسا منذ حصول الجزائر على استقلالها في مطلع الستينات  من القرن الماضي، إلى الاحتفاء  بكتاب هذه البلاد الناطقين بلغتها. ويتمثل ذلك من خلال اقبال دور النشر الكبيرة على اصدار مؤلفاتهم  في طبعات أنيقة، واهتمام النقاد ووسائل الاعلام بها.

وفي خريف هذا العام، احتفت وسائل الاعلام الفرنسية بمختلف أنواعها بأربعة كتاب جزائريين يكتبُون  بلغتها،  وهم بوعلام صلصال الذي أصدر رواية جديدة  بعنوان :"قطار ايرلينغن"، يدين فيها كعادته الإرهاب الأصولي، وعدلان مدي الذي عكست روايته" 1994 " أجواء الحرب الأهلية التي عاشتها الجزائر في التسعينات من القرن الماضي، وكوثر عديمي صاحبة كتاب" ثرواتنا" الذي خصصته للتعريف بأهم المواهب  في مجال الشعر والرواية والفنون  في الجزائر سواء كانوا يكتبون بالفرنسية أم بالعربية أم بالمازيغية. أما  الرابع فهو كمال داوود الذي فرض نفسه في المشهد  الأدبي الفرنسي والأوروبي بفضل روايته :"مارسو، التحقيق المضاد"، والتي يروي فيها قصة العربي المقتول في رواية ألبير كامو الشهيرة :"الغريب". ورغم أن روايته الثانية التي يروي فيها فصولا من سيرته الذاتية  لم تحصل على النجاح الهائل الذي  حققته روايته الآنفة الذكر، فإن كمال داوود لا يزال يتمتع  بحضور قوي في المشهد الأدبي والإعلامي الفرنسي، ولا تزال مقالاته المعادية للفكر وللتطرف  الأصولي تجد رواجا واسعا  في وسائل الإعلام الفرنسية.

وكان الجيل الأول  من الكتاب الجزائيين الناطقين بالفرنسية قد برز في الخمسينات من القرن الماضي، أي عندما كانت الحرب التحريرية مشتعلة. ومن أبرز كتاب هذا الجيل يمكن أن نذكر مولود فرعون، وكاتب ياسين، ومولود معمري، ومحمد ديب، وآسيا جبار. وقد سمي هذا الجيل  ب"جيل نوفمبر" نسبة الى الشهر  الذي انطلقت  فيه الثورة التحريرية المسلحة. وأما الجيل الثاني فقد سمي ب"جيل الاستقلال"، ويمثله كل من رشيد بوجردة، والطاهر جاعوت الذي قتله  الأصوليون في بداية  الحرب الأهلية في مطلع التسعينات من القرن الماضي،  ورشيد ميموني، وأمين الزاوي، ومايسا باي، وياسمينة خضرا.

وينتمي  الكتاب  الذين احتفت بهم وسائل الاعلام  الفرنسية باعتبارهم" كتاب الحرية"  إلى جيل"أكتوبر"، اشارة الى شهر أكتوبر  الذي اندلعت  فيه انتفاضة الخبز التي أنهت هيمنة حزب جبهة  التحرير الوطنية على الحياة السياسية في الجزائر. ورغم أنه تجاوز السبعين من عمره فإن بوعلام صلصال  يعتبر من أبناء هذا  الجيل لأنه أصدر روايته الأولى في التسعينات من القرن الماضي، وكانت بعنوان :"قَسَمُ البرابرة".  وفي هذه الرواية أدان الإرهاب الأصولي ليصبح  في ما بعد الثمة الأساسية لمجمل رواياته. وتصف وسائل  الاعلام الفرنسية بوعلام صلصال ب"المتمرد الهادئ". وهو دائم الحفر في تاريخ الجزائر خلال العقود الأربعة الأخيرة، محاولا أن يقودنا إلى الجذور الأولى للحركات الإسلامية المتطرفة التي بدأت بحسب رأيه "حركات فولكلورية" تدعو الى المحافظة على التقاليد والهوية العربية –الإسلامية، ثم تحولت  بعد انتصار  الثورة في ايران، وبتأثير من الحركات الأصولية في المشرق العربي، إلى حركات جهادية وتكفيرية مسلحة ترغب في فرض سلطتها على البلاد والعباد، مُقصية كل من يعارضون أطروحاتها، وداعية في وضح النهار إلى  تصفيتهم.

وفي روايته الجديدة :" قطار ايرلنغن"، اختر بوعلام صلصال أن تكون بطلة روايته ألمانية  تدعى أوته فون ايبرت.  وهي امرأة ثرية  تقيم في مدينة ايرلنغن  القريبة من مدينة  ميونيخ عاصمة الجنوب الألماني.  وذات يوم يحاصر المدينة أعداء لامرئيون  يسمون "الورعون". وهؤلاء يرغبون في أن "يخضع الجميع لسلطة الله"، واعدين أهالي  المدينة بقدوم قطار لإنقاذهم. إلا أن هذا القطار لا يأتي تماما مثلما  هو حال غودو في مسرحية بيكت الشهيرة.   ونحن نتابع هذا الحصار من خلال الرسائل التي تكتبها هذه العجوز الى ابنتها التي تعيش في لندن. وفي الرواية،  يقدم  بوعلام صلصال شخصيات أخرى. فهناك مثلا اليزابيت بوتيي، وهي أستاذة تاريخ كانت ضحية العملية الإرهابية التي ضربت باريس في الثالث عشر من شهر نوفمبر. وهناك شخصيات أ خرى تتحرك في جغرافيات وفي أماكن مختلفة. وربما لهذا السبب،  جاءت رواية "قطار ايلنغن" مملة، ورتيبة، ومصطنعة أيضا. وربما يعود ذلك إلى أن الكاتب يحرص  منذ أزيد من عشرين  سنة على أن تكون الأصولية المتطرفة في قلب كل رواية يكتبها. وما يشفع له في النهاية هي لغته الفرنسية الفاخرة.

وكان عدلان مدي لا يزال مراهقا عندما  اندلعت  المواجهات المسلحة بين الجيش والجماعات الإسلامية  المتطرفة.. وفي عام   2008كان عدلان مندي صحافيا. وقد كلفته الجريدة التي كان يعمل فيها بكتابة تحقيق عن مجزرة حدثت عام 1998 في احدى القرى الواقعة في الغرب الجزائري. وكانت تلك المجزرة من أفظع  المجازر التي عرفتها الجزائر في تلك الفترة العصيبة من تاريخها.  ففي ليلة واحدة  تم قتل 1000 وهو ما يعادل نصف  سكان القرية. ومن خلال أحاديثه مع الناجين من تلك المجزرة، ومع  الأطفال والمراهقين، بدأت تتشكل في ذهن عدلان مدي فكرة كتابة رواته المذكورة.  وقد اختار أن تدور أحداث هذه رواية 1994" في مدينة الحراش  القريبة  من العاصمة الجزائرية. وهي مدينة عرفت بتمرد أهاليها سواء خلال الفترة الاستعمارية أو بعدها. وهي تنتفض دائما عندما تكثر المظالم، ويشتد القمع. كما اختار  أن يكون أبطالها مراهقين يدرسون في معهد من معاهد مدينة الحراش. وهم لم يعيشوا  بطولات  الحرب التحريرية، ولا يرغبون  في سماع من عاشوها.  رغبتهم الوحيدة هي فهم واقعهم المرير، والغوص فيه لإدراك أسباب شقائهم ومحنهم  التي حرمتهم من التمتع بزهرة عمرهم.  وعندما تتعدد المجازر الإرهابية، يقرر سكان مدينة الحراش أن يرفعوا السلاح  ضد الإرهابيين. وعندما يقتل والده  في تلك المواجهات الدموية، يقرر أحد المراهقين الالتحاق بأفواج المتطوعين. وعلى لسانه يكتب عدلان مدي قائلا :"كان  على والده أن يختفي، وأن يسكت إلى الأبد،  وكان على هذه السماء الفظة أن تضمحل فوقه وكان على صمته الغاضب أن يكفّ نهائيا لكي يشرع  أمين  في البحث في هذا الفضاء الممنوع، في تلك الغرفة المغلقة، بتواطؤ مع حسنية ، الأم الودودة لكن المتواطئة،  كان لا بد أن يقضي الجنرال زبير السلامي لكي يعثر  أمين من جديد على دمه، وعلى جسده، وعلى جثته، وعلى المفقودين، آخر اعتذار له لدى  من ذهبوا،  منفيين أو مدفونين تحت أنقاض الذاكرة. كان لا بد أن يقضي لكي ينطلق الابن إلى المقبرة للبحث عن قبره، ويقرأ الشاهدة  التي كان يلاحقها الآن  في ثنايا الحداد التي لا قيمة لها، حداد أمير الحرب هذا...".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات