: آخر تحديث

الأسلوب الأليغوري في رواية"نينا بتروفنا" للروائي العراقي حسب الشيخ جعفر

 

حسب الشيخ جعفر. نينا بتروفنا. مَن أيقظ الحسناء النائمة؟ بغداد، دار المدى 2014

 
يختلف هذا العمل عن الروايات العراقية السابقة من حيث التقنية والفكر فهي "متحررة" من المونولوجات والتقريرية والأيديولوجيا، والبطل الإيجابي وحتى مفهوم الرواية  باعتبارها "رحلة إلى العصر" مكرسة لكشف الواقع.
يقول الراوي عن مخطوطته الروائية" عندما تسأله حبيبته البطلة نينا بتروفنا "والناس؟ ألا تتحدث فيها عن الناس؟" فيجيبها "أحيانا أتحدث. ... وأحيانا لا. لا أريد لها نهاية". ص 308  
قد تكون قراءة الراوي لأعمال مثل "الصخب والعنف" لفوكنر و"أوليسيس" لجويس رغم أنه اعتبرها "أقل شأناً من (الحرب والسلم) " ص 294، ونتاجات سارتر وهمنغواي، الذي يوصي بدق الخشب خشية من الحسد وفقدان نعمة الراحة، دلالةً على رغبة الكاتب، وهو الخبير بأنواع الرواية لأوروبية، في خلق نتاج سردي بعيداً عن الأساليب الواقعية القديمة متجها نحو السلوك الوجودي للإنسان. 
أعتقد أن الروائي حسب الشيخ جعفر "تأثر" بديالوجيا "المصروع" دوستويفسكي وأهمل بوليفونياه، مبتعداً في لغته عن "الكونت" تولستوي كما يسميهما الراوي، إلا أنه متأثر بهما فكرياً، لكن لماذا لا تتعدد الأصوات هنا ؟ هل لأنها تدور باللغة الروسية مع أناس محدودي العدد، غير متنوعين في انتماءاتهم الإجتماعية، متعلمين يهتمون بالثقافة والأدب، قد لا يتناسب مع نظيرتها العربية ذات المستويات المتعددة كالعامية والمحكية والفصيحة؟
"كان الحفل مكتملا... بدأ الرقص وكنت وأندريه في حوار (معمق) عن (السر الفني) في اختفاء الطبيعة الروسية الشيقة الحافلة من روايات دوستويفسكي، بينما هي في المركز من اهتمام تولستوي..". ص 8 
ويبدو أن حكمه هذا سيكون له أهمية في مسار الرواية ومغزاها.
يمكن ملاحظة ذلك في الحوارات الكثيرة التي تشكل أغلب صفحات الرواية، لكنها ليست ملاسنات ومناكفات بل ملاطفات ومطارحات و"مفاصحات" ومغازلات وأحاديث جميلة عن الأدب تفوق مستوى الأبطال في بعض المرات رغم تبريرات الراوي، بحيث تبدو وكأنها اصواته يوزعها عليهم على دفعات. 
يقول الراوي لجارته المهندسة ليوسا "لم أدر أنك متتبعة عالمة" بعد أن علقت قائلة عن الشاعر بايرون "لم يتعقل بايرون كما أعلم. بل مات بالحمى غريبا شريدا. ص147
وهو كما يبدو تبرير الكاتب لتناغم الأصوات وعدم تنافرها او تنوعها وتعددها كما هو عند دستويفسكي.
قد يبدو للقارىء أن أبطال الرواية لا همَّ لهم غير احتساء كوكتيل "البونش" الذي أعتبره أليغوريا خاصة من نوعها تعبر عن حالة إلتقاط الأنفاس والإسترخاء بعد الحرب والستالينة واعادة البناء في الخمسينات والستينات. يقول الراوي "أوصينا على شمبانيا (ومثلجات) وهي أكلة روسية باذخة، قد لا تجد لها نظيرا في العالم كله ...". ص95 
وأشير هنا إلى أن كوكتيل البونتشPunch  هندي الأصل، خليط من الشمبانيا وعصير الفواكه بالمثلجات وبعض التوابل، انتشر في أوروبا عن طريق بريطانيا، التي اخذتها من مستعمرتها الهند في القرن السابع عشر.
ولا يعني أن البطل لا يعاني من الكاثارسيس  Katharsis(تأنيب الضمير أو جلد الذات)، لكنها تأخذ أشكالا مختلفة غير الشائعة، وما ممارساته السلوكية الغريبة و"تضييع" وقته هنا وهناك وكأنه ينتقم من نفسه إلا تعبيرا عن حالة السأم التي يعاني منها كما اشرنا سابقا.
يعبر هرونوتوب الرواية هنا عن الحالة الوجودية والنزوع نحو رغبات الإنسان كالتجوال في أماكن العاصمة: مثل سينما بروغريس قرب مترو الجامعة، فندق متروبول ص 164، شارع غوركي ص 174، مكتبة االآداب الأجنبية ص216 ، التي يقول عنها (ملجأي ومنزواي) ص89، مقهى البونش ص 216، وجنوب العراق نسبيا حيث ولد وترعرع وقرأ كتبه الأولى في المكتبة العامة والمدرسة وشارك في المظاهرات وتعرض للتوقيف.
أما وصف طبيعة العلاقات بين الأجنبي والروسيات في الستينات لها أيضا أهمية خاصة قد تفيد عند مقارنتها بفترة التسعينات وبعدها حيث تكونت صورة نمطية سلبية عن الشرقأوسطيين والمسلمين منهم بالذات. هل الأجنبي آنذاك  مرغوب به في موسكو لأنه طالب علم وفكر وثقافة في بلد غير استعماري وليس لاجئا ولا عاملا مغتربا، أو لشكله الأسمر المغري أم بسبب إمكانياته المادية، وبالذات في هذه الحالة حيث يغدق الراوي عليهن بالهدايا الثمينة. 
هل هي إدانة للنظام السوفييتي، الذي كان يعاني من ندرة السلع الكمالية؟ أم وصف لتقبل الأوروبيين الشرقيين والغربيين للأجانب في الستينات قبل أن تتكون الصورة النمطية السلبية عنهم؟
وتسلط الرواية أيضاً الضوء على أزمة شخصية الرجل الروسي، الغارق في الإدمان وتمزق العائلة الروسية، ناديا تطلق زوجها، ليوسا في طريقها الى ذلك، صديقتها تخون زوجها مع الراوي. أما البطلة الطبيبة الجميلة الخلوقة نينا بتروفنا فقد حافظت على عذريتها لتكون للراوي المترجم العراقي رغم أنه بعمر ربيبتها ناديا، مفضلة إياه على روسي سكير! 
هل نحن أمام أليغوريا تعبر عن مغزى الرواية؟ هل هو البحث عن رجولة البطل ونضجه، لاسيما وأنها لاتريد الزواج رسميا منه بل تريده لربيبتها ناديا؟ لكن الرياح تجري بما لا تشتهي الطبيبة الحالمة نينا بتروفنا، فتفقد الأثنين الحبيب وإبنتها الربيبة في حادث سير وبهذا تكون النهاية غير سعيدة كما تعودنا في روايات الحب التقليدية.
 
 أستاذ جامعي مقيم في الدَنمارك
 
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.