بين المقدس والعلماني حرب ضروس، يشارك فيها من الجانبين علماء ومفوهون. تقدم العلماني منذ منتصف القرن العشرين، على وقع التراجع الديني المطرد، لكن المقدس يلتقط أنفاسه من جديد.

إيلاف: يؤكد الباحثان نيل ماغريغر وريتشارد هاريس في كتابيهما الجديدين أن الدين موضوع يجب أن يأخذه الجميع على محمل الجد، سواء أكانوا مؤمنين أم غير مؤمنين. وتأكيدهما هذا مؤشر إلى مدى ما ذهب إليه المجتمع الغربي العلماني في إعلانه نهاية الدين، بحيث شعر المؤلفان بالحاجة إلى إنتاج كتابين لتوصيل وجهة نظرهما.

يعلن نيل ماغريغر، المدير السابق للغاليري الوطني والمتحف البريطاني والمفكر المرموق، "عودة الإيمان"، قائلًا إن ما يثير استغراب الغرب المرفه وحيرته أن الدين المنظم "يشغل من الناحية السياسية موقعًا مركزيًا في سائر أنحاء العالم من جديد".

يلاحظ ريتشارد هاريس، أسقف أوكسفورد السابق وعضو مجلس اللوردات، أن اللغة الدينية "أصبحت بنظر كثيرين لغة مستهلَكة وبالية، لا حياة فيها". ويقف بقوة ضد الاتجاه الاختزالي في هذا العصر، إلى حد أنه يعامل الدين وكأنه فرع من فروع علم النفس أو علم الاجتماع.

العيش مع الآلهة
يشدد ماغريغر في كتابه "العيش مع الآلهة" Living with the Gods على الفكرة القائلة إن ماضينا الديني يحدِّد حاضرنا بصرف النظر عن انتمائنا إلى مذاهب أو مؤسسات إيمانية، ويتوسع في هذه الفكرة لتطبيقها على حاضر ومستقبل عالم مبتلى بنزاعات وضعت الدين في خضمها، كما تقول صحيفة غارديان في مراجعتها كتابه.

يوظف ماغريغر في تحليله مصنوعات وطقوسًا من ديانات كبرى منذ العصر الجليدي حتى الآن لتوجيه رسالة لا تخلو من التحدي إلى المجتمعات الغربية بالدرجة الرئيسة التي تلاقي صعوبة لفهم الحالة التي يجد العالم نفسه فيها.

يدعو الكاتب هذه المجتمعات إلى التوقف عن رؤية كل شيء بعدسة تجربتها هي في إقصاء الدين عن المجال العام والكفّ عن انتظار المجتمعات الأخرى أن تحاكيها بما فيه الكفاية "لتجاوز" الدين كما تجاوزته هي.

لكن الإيمان الديني الراسخ والعميق سيبقى جزءًا لا ينفصل من الإحساس الحاد بالهوية الذي يذكي نزاعات من الشرق الأوسط مرورًا بشبه القارة الهندية إلى النصف الشمالي من أفريقيا، مهما كانت هذه الحقيقة غير مريحة أو غير مفهومة لكثير من العلمانيين الغربيين. وكما كانت الحال منذ آلاف السنين، فإن الإيمان الديني يمنح اليوم مجتمعات كاملة طريقةً لتصور موقعها في العالم، وملء هذا الموقع، سلبًا أو إيجابًا.

مسكونون بالمسيح
يستخدم ريتشارد هاريس أيضًا مصنوعات لإيصال رسالة كبيرة في كتابه "مسكونون بالمسيح" Haunted by Christ، لكن هذه المصنوعات هي نتاجات روائيين وشعراء ومسرحيين يأخذون الدين على مأخذ الجد. ويعود تاريخ مجموعته المختارة من 20 كاتبًا إلى القرن التاسع عشر مع فيدور دوستويفسكي وجيرارد مانلي هوبكنز إلى مارلين روبنسون وفيليب بولمان في يومنا الآن.

تلاحظ صحيفة غارديان أن أصوات القرن الحادي والعشرين ليست ممثلة تمثيلًا وافيًا في كتاب هاريس، وهذا ليس مستغربًا في ظل الأجواء السائدة في عصرنا، خصوصًا في الغرب.

على سبيل المثال، المؤلف أغفل كتّابًا معاصرين، مثل مايكل آرديتي وسالي فيكرز، لكنه أدرج بولمان، الذي يعترف هاريس بأنه "شديد العداء للنظرة المسيحية إلى العالم"، ليكون اسمه ناشزًا بين الأسماء الأخرى. السبب المعطى هو أن بولمان "مسكون" بالإيمان إلى حد الكتابة ضده باستمرار، في حين أن ماغريغر يرى أننا جميعًا مسكونون بالدين.

يحدد هاريس لنفسه هدفًا مثيرًا للاهتمام في محاولته ربط الأجزاء في كلٍّ أكبر، ناقلًا عن الشاعر الأسترالي ليس موراي قوله: "الله في العالم كما الشعر في القصيدة".

لكن غارديان تأخذ على المؤلف عدم وضعه هذه الفكرة في صدارة سرده بالقدر الكافي لمواصلة التحدي الذي يطرحه على قارئه. ولعل السبب أنه نفسه ينتمي إلى عالم الدين، فيكتب وفي ذهنه آخرون من سكان هذا العالم. أما ماغريغر فيلقي نظرة أوسع، ويفلح في قرع ناقوس الإنذار محذرًا من مخاطر تهميش الدين والآلهة.


أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن "غارديان". الأصل منشور على الرابط:
https://www.theguardian.com/books/2018/nov/13/living-with-the-gods-neil-macgregor-haunted-by-christ-richard-harries-review