: آخر تحديث

قصور "آمالينبورغ"

تغوي مدينة كوبنهاغن (حيث اقيم) بالتصوير. لكنها تغدو اكثر غوايةً، عندما تكون مشمسة. قبل ايام سطعت شمس كوبنهاغن بصحو نادر في مثل هذه الاوقات من السنة، رغم ان المدينة كانت ترفل بطيقة رقيقة من الثلوج! اشعر بمتعة عندما اصوّر منطقة "آمالينبورغ" في وسط المدينة، حيث مقر البلاط الملكي الدانمركي  والقصور الملكية. فعمارة  مباني هذا المجمع تجذبني دائما، تجذبني لجهة مبانيها المصممة وفق اسلوب "الركوكو" ولطريقة تنطيقها في الموقع الفسيح. عندما كنت اعمل في "مدرسة العمارة" الكوبنهاغنية، (التى لا تبعد كثيرا عن آمالينبورغ)، كنت اتعمد اختيار المرور في الساحة، عندما اقفل راجعا الى مسكني، رغم اني بهذا الاختيار "اطوّل" المسافة، متغاضيا عن المسار القصير والمباشر، رغبةً مني في اضافة متعة آخرى برؤية هذا المجمع الآسر... ثانية. 
ومجمع "آمالينبورغ" يشتمل على اربعة قصور، تحيط بساحة مثمنة فسيحة مبلطة ارضيتها بالحجر الغرانيتي، وفي وسطها تمثال للملك "فردريك الخامس"  (1723 – 1766)، وهو يمتطي حصانه، هو الذي حكم الدانمرك والنرويج ما بين 1746 – 1766. ويحاذي المجمع ميناء المدينة عند خليج كوبنهاغن. صمم تلك القصور المعمار "نيكولاي ايتفيذ" (معمار البلاط)، اسمه الذي لا يزال محفورا في  لوحة تذكارية معلقة على جدران احد تلك القصور الاربعة. في السابق، كان الموقع الحالي مكاناً لقصر الملكة  "صوفي امالي" (1628 – 1685) <ومن هنا اسم المجمع: "آمالينبورغ" وتعني قصر امالي>، بيد ان ذلك القصر المنيف تحول الى ركام وحطام تامين اثناء حريق هائل شبّ فيه سنة 1689. بعد ذلك شيد الملك "فريدريك الرابع" قصرا صيفياً متواضعا له ولإسرته في ذات الموقع، مطلاً على الخليج. 
تعود هيئة المجمع بشكلها الحالي، الى قرار الملك "فردريك الخامس" (صاحب التمثال /الفارس)، الذي امر معمار البلاط بتصميم اربع قصور على ان تكون هيئاتها متماثلة، وتخصص الى بعض الامراء والي الشخصيات المهمة. واستمر شاغلي تلك القصور يسكنون فيها لفترات زمنية طويلة، قبل ان تتحول كلها سنة 1794 الى مقار لسكن العائلة الملكية الدانمركية الحاكمة، ولحين الوقت الحاضر. وتبع ذلك تغيير في اسمائها. 
ثمة امر مثير، مابرح متداولاً، يخص تاريخ هذا الموقع المميز، الذي يعتبر، واحدا من اكثر المواقع السياحية شهرة وزيارة من قبل سكنة العاصمة وضيوفها، وهو ما يتعلق بالتمثال / الفارس. حيث  كلف احد تجار المدينة المقرب الى العائلة المالكة النحات الفرنسي "جاك فرنسوا سالي" (المشهور في ذلك الوقت)،  سنة 1753، لعمل تمثال/ فارس الى الملك فردريك الخامس الذي يعود له الفضل ، كما ذكرنا، في تشييد المجمع الحالي. وقد طلب النحات اجورا لعمله قدرت قيمتها، قيمة بناء الاربعة قصور..مجتمعة! وتمت الموافقه على طلبه.  وجاء التمثال بهيئة احد اباطرة روما القديمة، ولكن بوجه الملك الدانمركي، ويعتبر هذا التمثال من افضل التماثيل بهيئة فارس في عموم اوربا، ان لم يكن افضلها! تم افتتاح التمثال سنة 1771، ولم يشاهده الملك الذي عمل النصب من اجله، اذ انه توفي سنة 1766، اي قبل خمس سنوات من اكتماله. وثمة معلومة طريفة اخرى، لكنها تخص "العلم الدانمركي" الحاضر ضمن "إكسسوارات" <اثاث> المجمع. اذ تدلل الرايات الملكية بهيئة <ذيل السنونو> للعلم الدانمركي  المرفوعة على سواري القصور الاربعة، تدلل على لحظة تواجد افراد العائلة الملكية (الملكة ، الملك او الامراء) في قصورهم آنئذٍ، وبخلاف ذلك، اي بعدم التواجد، تنزع وتختفي تلك الاعلام من السواري (وعندما كنت اصوّر، لحظتها، كانت الاعلام مرفوعة على جميع القصور، باستثاء مبنى البلاط بحكم العطلة الاسبوعية). وطالما اتينا على ذكر "العلم الدانمركي"؛ فنشير بانه يعتبر من اقدم الاعلام الوطنية في العالم، اذ يرجع تاريخ اعتباره <علما وطنياً> الى القرن الرابع عشر. وثمة "اسطورة" متداولة (..ومحببه!) كثيرا لدى الدانمركيين، من ان علمهم "نزل" من السماء، ليلهم الملك الدانمركي "فالديمار الثاني" (1170- 1241) وليبشره في النصر بحملته على "استونيا"... ولكن ذلك قصة آخرى!  
ثمة محور بصري رئيسي يربط محتويات المجمع مع عدة مبان تقع على تخومه، تكرس اهميته العمرانية، كاحد اهم المحاور في عموم مخطط المدينة. انه المحور الشرقي- الغربي، الذي يربط "كنيسة فردريك" (او كما تدعى "بالكنيسة الرخامية"، والتى تأخر تشييدها عقود من الزمان، لكنها اخيرا شيدت في سنة 1894)/ مارا هذا المحور في "شارع فريدريك" <فرذريكسغيذا)، ثم يقطع الساحة الثمانية، ويخترق حدائق قصر آمالي، ليصل الى مبنى "الاوبرا" الجديد. على ان اهمية هذا المحور لا تقتصر على الجانب التخطيطي لوحده، انها تزداد اهمية  لجهة ترسيخه مفردات "الاميج" التخطيطي للمدينة الاوربية الذي تكرس منذ عصر "الرينصانص" (عصر النهضة)، والدال على حضور ابنية محددة اعتبرت اساسية (..وحتى لازمة!) في المخطط "النموذجي" للمدينة النهضوية، وهي: "الكنيسة"، و"قصر الملك " (الذي استعيض عنه لاحقا بمبنى البلدية)، و"مبنى المسرح"! وبتشييد "الاوبرا" (2005) <المعمار هينينغ لارسين>، في الجهة الاخرى من البرزخ المائي، فقد اكتملت "مفردات" ذلك المحور البصري الرائع!
تمتعوا برؤية عمارة مباني مجمع "آمالينبورغ" وهيئة تمثال "فردريك الخامس"، كما تمتعت انا في ذلك النهار الكوبنهاغني المشمس و...المثلج في آنِ معاً!
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات